نوع المستند : المقالة الأصلية
المؤلف
جامعة
المستخلص
نقاط رئيسية
أولاً: موقع العقل فی الفقه السیاسیّ الإمامیّ
ثانیاً: العقل وسیلة فهم للنصوص
ثالثاً: موقع العقل العملیّ فی الفکر السیاسیّ
رابعاً: دور العقل فی تطوّر الفقه السیاسیّ الشیعیّ
خامساً: أدوار العقل فی الفقه السیاسیّ الشیعیّ
سادساً: دور العقل فی تحوّل الفکر السیاسیّ الشیعیّ
سابعاً: نماذج تطبیقیَّة لدور العقل فی الفکر السیاسیّ الشیعیّ
الكلمات الرئيسية
دور العقل فی تطوّر الفقه السیاسیّ عند الشیعة الإمامیّة -قراءة معاصرة-
السید کاظم السیّد باقری[1]
خلاصة المقالة:
تتناول هذه المقالة بحث حجّیّة العقل ودوره فی تطوّر الفقه السیاسیّ عند الشیعة الإمامیّة، خاصّة فی الواقع المعاصر.
وقد ثبت أنّ العقل یؤدّی دوراً أساساً فی هذا التطوّر؛ من خلال الاهتمام بمنهج الاجتهاد العقلانیّ، وحجّیّة العقل فی عرض مصادر الاستنباط الأخرى، واستخراجه الحکم من النصوص، وتجاوز الظواهر، والکشف والتفسیر العصریّ للنصوص، وفهم بعض المصالح والمفاسد، وفهم المستقلّات والمستلزمات العقلیّة...
ویمکن تقصّی مظاهر هذا التطوّر الخلاّق فی الفقه السیاسیّ الشیعیّ فی موارد؛ من قبیل: کیفیّة التعامل مع السلطة، والسلطة المقیّدة والمشروطة، ونظریّة ولایة الفقیه، والنظر والاجتهاد الفقهیّ فی مسائل؛ کالاحتکار، وبیع السلاح إلى العدو أو عدمه، وغیرهما من المسائل التی یظهر فیها بنحو جلیّ أثر المنهج الاجتهادیّ العقلیّ ومراعاة خصوصیّات الزمان والمکان فی استنباط أحکامها.
مصطلحات مفتاحیّة:
الإسلام، الشیعة، الفقه، السیاسة، الفقه السیاسیّ، المجتمع، العقل، الاجتهاد، التطوّر، المعاصرة، المشروطة، ولایة الفقیه...
مقدّمة:
یمتاز العقل بمکانة عالیة فی الثقافة والفکر السیاسیّ الإسلامیّ، بخاصّة فی الفکر الشیعیّ، وما ظهر من تساؤل واختلاف فی شأنه وفی حجّیّة استنباطاته لیس أمراً حادثاً ومعاصراً، بل له جذوره التاریخیّة ومبرّراته المنهجیّة، ولا سیّما عندما یُجعل فی قبال الوحی الذی هو مصدر أعلى من العقل البشریّ، أو عندما یُتصوّر أنّ الإنسان لا یحتاج إلى العقل مع حضور الدین ومفاهیمه؛ لأنّ الشارع قد بیّن کلّ الأمور الضروریّة واللازمة للحیاة.
ومن الأبحاث المطروحة، أنّه اذا صدرت روایة فی موقع وظروف خاصّة؛ فهل بإمکان المجتهد المستنبط أن یقدّم بیاناً آخر، مختلفاً عن الفهم الأوّلیّ والکلّیّ لحکم تلک الروایة، بحیث یستکشف من خلالها الموضوع؛ من خلال لحاظ الظروف الزمانیّة والمکانیّة، وحیثیّات صدور الروایة، وفهم المخاطب والسائل، وروح الشریعة...، فیصل إلى شیء أکثر ممّا یوصِل إلیه ظاهر تلک الروایة؟ وهل یمکن إجراء الفتوى بهذا الحکم المستفاد من ظاهر الروایة نفسها بدون الأخذ بعین الاعتبار تلک الظروف واللحاظات؟ وإلى أیّ حدّ یوجد اعتبار للفهم والاستنباطات العقلیّة فی الرجوع إلى النصوص الدینیّة-الفقهیّة، وهل یمکن الاعتماد علیها؟
لقد کانت هذه المسألة بمثابة ساحة مواجهة علمیّة؛ لاختلاف آراء المدارس الفکریّة فیها؛ فظهرت -تبعاً لها- میول واتّجاهات مختلفة موافقة للعقل أو مخالفة له، ونشأت مذاهب فکریّة؛ مثل: المعتزلة، والأشاعرة، وأهل الحدیث، والأخباریّین، والأصولیّین.
فذهبت المعتزلة إلى أنّ العقل وحده هو أساس الحقیقة والواقعیّة، ووحّدت ساحة الدین والفلسفة، وسعت إلى تفسیر الإیمان بلغة الفکر المحض.
فی حین لم یقل الأشاعرة بالحسن والقبح العقلیّین، وأثّر هذا على دور العقل فی فهم أحکام الدین والتعمّق فی ما ورد فی الآیات والروایات.
وسعى المفکّرون الشیعة تاریخیّاً، إلى اتّخاذ جانب الاعتدال؛ کی لا یقعوا فی محذوری الإفراط والتفریط.
ویعود تیار النزعة العقلیّة فی الفقه السیاسیّ الشیعیّ إلى القرن الرابع الهجریّ؛ متمثّلاً فی آراء فقیهین شیعیّین کبیرین؛ هما: الشیخ المفید (ت: 413هـ.ق)، وتلمیذه السید المرتضى (436هـ.ق). وقد بذل الشیخ المفید جهوداً کبیرة فی تدوین الفقه الاجتهادیّ؛ مستفیداً من الجهود السابقة التی بذلها علماء کبار؛ أمثال: ابن أبی عقیل العمانیّ (ت: قبل 369هـ.ق)، وابن الجُنَید الإسکافیّ (ت: 318هـ.ق) الذی یرى أنّ للعقل موقعاً خاصّاً، ویعتبره أحد طرق معرفة حجّیّة القرآن وأدلّة الأخبار والسنّة[2].
وأکّد ابن إدریس الحلّی (543-598هـ.ق) مرّة أخرى من خلال رؤیته الابتکاریّة والأصولیّة فی قدرة العقل على الاستنباط من المصادر الدینیّة؛ عند افتقاد الدلیل من الکتاب والسنّة والإجماع؛ "فالمعتمد فی المسألة الشرعیّة عند المحقّقین الباحثین عن مصدر الشریعة التمسّک بدلیل العقل فیها؛ فإنّها مبقاة علیه وموکولة إلیه، فمن هذه الطرق نتوصل إلى العلم بجمیع الأحکام الشرعیّة (....) فیجب الاعتماد علیها والتمسّک بها"[3].
وسوف نسعى فی هذه المقالة إلى بحث موقع العقل وحجّیّته، وبیان دوره فی تطوّر الفقه السیاسیّ الشیعیّ، مع الترکیز على المرحلة المعاصرة.
ومن هذا المنطلق، یحضر هذا السؤال الأساس: ما هو دور العقل فی تحوّل الفقه السیاسیّ الشیعیّ؟ والتحقیق: أنّ العقل یؤدّی دوراً أساساً فی تحوّل الفقه السیاسیّ الشیعیّ من خلال الاهتمام بمنهج الاجتهاد العقلانیّ، وحجّیّة العقل فی عرض مصادر الاستنباط الأخرى، وإنتاجه للحکم من النصوص متخطّیاً الظاهر، والکشف والقدرة على التفسیر المتجدّد للنصوص، وإدراک بعض المصالح والمفاسد، وفهم المستقلات والاستلزامات العقلیّة.
ویمکن البحث عن بعض تجلّیات هذا الأمر فی العصر الحالیّ؛ من خلال تناول آراء العلامة النائینی (قده)، والإمام الخمینی (قده).
أولاً: موقع العقل فی الفقه السیاسیّ الشیعیّ:
یحظى العقل بموقع بارز ورفیع فی الإسلام، وقد أکّدت الآیات والروایات على مقام العقل وحجّیّة استنباطه، وعدّته حجّة إلهیّة.
فقد استخدمت مادّة کلمة "العقل" ومرادفاتها فی القرآن بحدود 50 مرّة؛ ودعا الله -تعالى- الإنسان فی أکثر من 300 آیة إلى الاستفادة من العقل، وإلى التأمّل فی الآفاق والأنفس[4].
وروی عن الإمام موسى الکاظم (ع) أنّه قال: "لله على الناس حجّتان: حجّة ظاهرة، وحجّة باطنة؛ فأمّا الحجّة الظاهرة، فالرسل والأنبیاء والأئمّة، وأمّا الباطنة، فالعقول"[5].
وروی أنَّ العقول أئمّة الأفکار[6].
کما أکّد فقهاء الشیعة على موقع العقل وأهمّیّته؛ وأنّه لا إیمان بلا فکر وعقل[7].
وقد ساد النزوع إلى العقل والعقلانیّة فی بعض ساحات الفکر الشیعیّ؛ خاصّة مع لحاظ أنّ أدلّة الکتاب والسنّة محدودة، ولا یمکنها بیان جزئیّات جمیع الأحکام على اختلاف الزمان والمکان؛ فکان العقل أداةً معینة للمجتهد للحوار والتفاهم مع النصوص الدینیّة واستنباط الأحکام منها.
ثانیاً: العقل مصدر فهم النصوص:
العقل هو أحد طرق معرفة المسائل الفقهیّة، ولا منافاة واقعة فعلاً بین العقل والشرع، وإذا ما شُوهِد فی النصوص شیء ینافی بظاهره العقل، فلا بدّ أن یجری تأویله وتوجیهه بنحوٍ یکون موافقاً للعقل والمعرفة العقلیّة[8].
وقد عدّ الشیخ المفید أنّ "الحُسْن" هو الشیء الذی یکون القیام به ملائماً للعقل وموافقاً له، و"القبح" هو ذلک الشیء الذی یخالف العقلُ فعلَه والقیام به[9].
ویُراد بـ "العقل الفقهیّ"؛ العقل الذی یکون مصدراً من مصادر الشریعة، إلى جانب الکتاب والسنّة وفی عرضهما، ولا یراد به أداة إثبات الکتاب والسنّة وتفسیرهما. فلا تضادّ بین الحکم القطعیّ للعقل، من دون استناده إلى الکتاب والسنةّ، مع حکم العقل الفلسفیّ.
لذا، فالعقل مصدرٌ مستقلٌ لاستنباط الأحکام الشرعیّة، وهو أداة یستفاد منها فی الشرح والبیان المنطقیّ لسائر المصادر، وحلّ التعارض الموجود بینها[10].
والعقل تارة له رسالة مستقلّة، فیمضی ویحکم بلغة المقال أحیاناً، وبالسکوت وعدم الاعتراض أحیاناً أخرى؛ ولذا یمکن القول: إنّ للعقل دوراً یفوق الفهم، فهو یستنبط ویستخرج؛ ولهذا السبب، لو کان للعقل أحکام فی موارد، وکان للنقل فی هذه الموارد نفسها -أیضاً- بیان مسائل، فیکون النقل مؤیّداً للعقل ولحکمه[11].
وهذا الدور الذی یقوم به العقل لم یکن واضحاً فی بدایات تشکّل علم الأصول، بل نما وتطوّر مع تطوّر الاجتهاد، وتوسّع علم الأصول. وقد قدّم الشیخ المظفّر فی کتابه (أصول الفقه) بحثاً ممیّزاً عن تطوّر مفهوم الدلیل العقلیّ فی البحث الأصولیّ، وکیف أضحى العقل فی مصافّ مصادر الاستنباط[12].
ثالثاً: موقع العقل العملیّ فی الفکر السیاسیّ:
یقسّم العقل إلى قسمین؛ هما: العقل العملیّ، والعقل النظریّ.
والعقل النظریّ ینظر إلى "الوجودات"، و"غیر الموجودات"، وواقعیّة الأشیاء؛ بینما العقل العملیّ ینظر إلى إدراک "ما ینبغی" و"ما لا ینبغی" فی الأشیاء، وشأنه یکون فی العمل[13].
فکلّ ما یتعلّق بإدراک الإنسان وفهمه؛ هو فی مساحة العقل النظریّ، وما کلّ ما یعود إلى الجانب العملیّ للإنسان؛ فهو مرتبط بالعقل العملیّ؛ بوصفه القوّة التی توجّه سلوک الإنسان وفعله[14].
ومن هنا، یوجد فی الإنسان جزءان عقلیّان: أحدهما ینظر إلى الأشیاء التی تکون علل وجودها غیر قابلة للتغییر، والآخر ناظر إلى تلک التی تقبل التغییر. فالأوّل یسمّى "الجزء العلمیّ"، والآخر "الجزء الحسابیّ". ومبدأ العمل -بعنوان العلّة المحرّکة لا العلة الغائیّة- هو الاختیار، ومبدأ الاختیار هو المیل المصاحب للتفکیر الذی یدلّ على الهدف[15] فی العقل العملیّ الحسابیّ، والاختیار والوصول إلى الهدف هو المقصود فی النظر والاعتبار. والأمور التی "لا تقبل التغییر" أمور خارجة عن اختیار الإنسان وإرادته، إذ یمکنه أن یعرف فقط تلک الأمور الموجودة. وأمّا الأمور التی "تقبل التغییر"؛ فهی التی یمکن التدخّل والتصرّف فیها.
إنّ صاحب الحکمة العملیّة هو الشخص الذی یفکّر بشکل صحیح فی ما هو مفیدٌ له وحسنٌ؛ أی فی سبیل الحصول على حیاة طیّبة وسعیدة[16]؛ ولذلک یوجد فی إطار الحکمة العملیّة، فی ساحة العقل العملیّ؛ ثلاثة فروع؛ هی: "سیاسة المدن"، و"تدبیر المنزل" و"الأخلاق". ویعمل العقل العملیّ على تنظیم أفعال البشر الاجتماعیّة وغیر الاجتماعیّة وتقویمها وتنقیحها.
ومن هذا المنطلق، یُوضع السلوک الأخلاقیّ والأعمال الصالحة التی تمّ التأکید علیها فی الآیات والروایات فی دائرة العقل العملیّ، ویعمل فهم العقل النظریّ فی موارد استخدام العقل العملیّ.
إنّ کمال العقل النظریّ العملُ بالحقائق المکتشفة بواسطته التی تتجلّى فی "الإیمان"؛ فالإیمان عقدٌ ورباطٌ یحصل بواسطة العقل العملیّ عن طریق إعمال الإرادة الإنسانیّة فی نفس الإنسان، مع خلاصة وعصارة القضیّة العلمیّة[17].
وللفقه السیاسیّ ارتباط بعمل المسلمین؛ بحیث یعمل على تقویم أعمالهم؛ لذلک، فإنّ تعامل هذا العلم غالباً ما یکون مع دائرة العقل العملیّ. وبالطبع، لیس معنى ذلک أنّه لا صلة للعقل النظریّ فی هذه الدائرة، بل إنّ جمیع هذه الأمور تحصل فی ظلّ إضاءات العقل النظریّ؛ وإنّ حقیقة العقل فی نفس الأمر شیء واحد لا أکثر؛ غیر أنّه تارة یکون مرتبطاً بالآراء والرؤى النظریّة، وتارة أخرى بالأعمال والسلوک.
وقد أشیر فی کلام الإمام علی (ع) إلى جنبة العقل العملیّ؛ حیث قال: "أفضل الناس عقلاً أحسنهم تقدیراً لمعاشه، وأشدّهم اهتماماً بإصلاح معاده"[18].
ویعمل الفقه السیاسیّ الشیعیّ فی هذه الدائرة -أیضاً- على تحلیل الأمور السیاسیّة للمجتمع. فتؤدّی مدرکات العقل العملیّ إلى إنتاج الحکم الشرعیّ فی "تدبیر المدن"، والحیاة السیاسیّة[19].
وعندما یکون الحدیث عن العقل فی مجال الفکر، وعلى نحو خاصّ الفقه السیاسیّ، بمراعاة أنّ هذا العلم ناظر إلى عمل المکلّفین وحلّ مشاکلهم فی المسائل المختلفة؛ فیکون المقصود من العقل هو "العقل العملی" الذی یقوم فی الأصل على مدار الحسن والقبح العقلیّین وملازمته للحکم الشرعیّ؛ بحیث یستند هذا العقل العملیّ إلى هذه الملازمة لینتج حکماً شرعیّاً فی مجال "تدبیر المدن" والحیاة السیاسیّة[20].
ومن هنا، یتحرّک الفقه السیاسیّ بالاستناد إلى العقل فی اتّجاه تحوّلات أساسیّة؛ فیسوق العقل العملیّ ذلک العلم، من خلال حرکة إبداعیّة ودافعیّة إلى الاجتهاد، وإلى التطوّر والفّعالیّة، وفهم مقتضیات الزمان والمکان.
ومع هذه الرؤیة؛ ینفتح الطریق لطرح أبحاث فی الفقه السیاسیّ؛ من قبیل: العدالة الاجتماعیّة، والحرّیّة، والمشورة، والرقابة، وتوزیع الثروة، ونشاط الأحزاب، ومشارکة المواطنین، ونقد الحاکم، والمساواة، وعدم التمییز بین المواطنین، ...
إنّ الفهم العقلانیّ فی الفکر الدینیّ هو عقلانیّة فکریّة جامعة تجمع هواجس الدنیا والآخرة معاً، وتحکم بأنّ الانسان لا یرضى بالنفع المادّیّ والدنیویّ، وفی دائرة العقلانیّة لا مجال لبقاء أداة ترى -فقط- المادّة والعلاقات المادّیّة للإنسان[21].
رابعاً: دور العقل فی تطوّر الفقه السیاسیّ الشیعیّ:
الإسلام دین کامل[22] ؛ ولا ربط لاعتبار تعالیمه وصلاحیّتها بأمّة أو عرق أو جیل محدّد[23]. وقد جاء العدید من الخطابات القرآنیّة؛ لعموم الناس: {یا أیها الناس}[24]؛ بحیث تشمل جمیع البشر فی کلّ العصور؛ لذا لا یمکن حصر تعالیم هذا الدین بزمان محدّد، فهو باستطاعته تلبیة حاجات الناس والمجتمعات البشریّة فی جمیع العصور ومع مرور الزمان؛ بالاستناد إلى العقل الاجتهادیّ والاجتهاد العقلیّ.
والاجتهاد منهج عقلیّ یعتمد على المعرفة بالزمان. فإذا ما خُدِشَت حجیّة العقل وشُکّکَ بها، وخدش اعتبار حُکمه فی استنباطات الأحکام؛ یتزعزع بذلک بنیان الاجتهاد.
إنّ أصول الفقه الذی یعدّ منطق الفقه والاجتهاد؛ هو بمثابة شریان الحیاة فی عملیّات الاستنباط. ومن دونه یکون القارىء المستنبط أمام حشد من النصوص والأدلّة المحکمة؛ التی یعجز عن استخدامها أو الاستفادة منها فی عملیّات الاستنباط[25].
ومع هذا المنطق، تنتظم عملیّة الفهم فی إطار منظّم عقلیّ مدروس وناضج، وتستظهر الاستنتاجات المطلوبة من النصوص الدینیّة؛ ولذلک کان بإمکان أصول الفقه أن یحفظ ذهن المجتهد من الخطأ فی الاستدلال على أحکام الشرع من جهات مختلفة[26].
إنّ المعْلمَ الأساس فی المذهب الأصولیّ هو حجیّة العقل فی تمییز قواعد الشریعة وأحکامها. والإیمان بالعقل یفرض تعالیم أخرى؛ من قبیل: ضرورة الاجتهاد، والامتناع عن الأخذ بالکتب الأربعة دون نقد محتویاتها، واتّباع معاییر أکثر دقّة فی القول بصحّة الأحادیث المنسوبة للنبی الأعظم (ص) والأئمّة (عله)، ومنع تقلید المیّت؛ حفاظاً على حیویّة الاجتهاد[27].
ولذلک، فإنّ العقل یساعد الفقیه السیاسیّ لیتسنّى له، من خلال فهم المسائل المختلفة، الاستنتاج والاستخلاص من الدلالات الصحیحة، وأن یکون البتّ فیها منسجماً مع المنطق. وبهذا المعنى، یُعدّ العقل قوّةً تعطی الشخص معرفةً مطابقة للواقع فی العمل والنظر، وتساعده فی دائرة المسالک الحسنة، وتمییز الحقّ من الباطل؛ فالعقل بناء وأصل للنقل، وإنّ الإضرار به بهدف تصحیح النقل یضرّ بالعقل والنقل[28].
ویمکن القول: إنّ للعقل فی الفکر والفقه السیاسیّ أربعة أدوار تهیّء أرضیّة التطوّر فی هذا العلم[29].
خامساً: رابعاً: وظائف العقل فی الفقه السیاسیّ الشیعیّ:
1. استخراج الحکم من النصوص وتجاوز الظواهر:
یعتقد البعض أنّ عقل الإنسان یقف فی حدود فهم ظاهر النصوص الدینیّة؛ فطریق تحصیل الأحکام الشرعیّة النظریّة، أکان أصلاً أم فرعاً؛ لیس غیر السماع عن الأئمّة الصادقین (عله)، ولا یمکن استنباط الأحکام النظریّة من الکتاب وسنّة النبی (ص)؛ إلا من خلال أحادیث الأئمّة (عله)، بل إنّ التوقّف والاحتیاط فی هذه الأمور واجب[30].
لکنّ ذلک خلاف الأصل المقبول عند أکثر فقهاء المسلمین طوال القرون الماضیة؛ ومفاده: أنّ الأحادیث تُقاس بمحکّ العقل، فإذا خالفت العقل؛ فلا اعتبار لها، ولا یؤخذ بها[31]. فلا قدرة لـ"الظواهر الشرعیّة" على الصمود أمام البرهان العقلیّ، ومع مجیء الدلیل المخالف ینبغی رفع الید عن الظواهر.
ومن الضروریّ فی الفهم الاجتهادیّ للنصوص معرفة المبانی الفکریّة والعقلیّة المختلفة؛ مثل: النظرة الشاملة إلى الآیات والروایات من مختلف الجوانب، وفهم مقاصد الشریعة، ومعرفة التاریخ وظروف صدور الروایات وشأن النزول وسببه، ومعرفة موارد النقل بالمعنى، والمعرفة بتعارض الأحادیث، ومعرفة روایات التقیّة والناسخ والمنسوخ؛ وإنّ معرفة کلّ واحد من هذه الموارد مرتبط بالتحلیل العقلیّ.
2. الکشف والتفسیر المتجدّد للنصوص:
إنّ التغیُّر والتبدّل سنّة جاریة فی الحیاة الدنیا؛ وهما فی عالم الإنسان والحیاة الاجتماعیة أوضح وأجلى؛ لأنّ الإنسان یتمتّع بقوّة التعقُّل، ویمکن أن یکون له فی کلّ لحظة إرادة تمکّنه من التحرّک فی الخارطة الاجتماعیّة من نقطة إلى أخرى. وفی هذه العملیّة الدائمة تظهر الأفکار بنحو متجدّد؛ فتصبح محلّ استفادة فی عملیّة التحوّل والإحیاء.
إنّ الخلفیة الفکریّة لخاتمیّة دین الإسلام تکمن فی أنّه یمکن للإنسان بلحاظ المقتضیات الزمانیّة أن یظفر بفهم متجدّد وأصیل للأحکام الفقهیّة. وجامعیّة الدین تستلزم إجابته عن المسائل والمعضلات فی کلّ الأزمنة والأمکنة[32]؛ ولذلک یعتقد الأصولیّون أنّ الله -تعالى- قد أمضى بختم الموافقة على الاستنتاجات المتجدّدة والمعقولة، وأنّه یمکن أن یکون للإنسان المفکّر والمتأمّل بعمق فی مبانی الفقه، وبلحاظ مقتضیات الزمان والمکان، فهم جدید واستنتاج متلازم مع حاجات المجتمع المستجدّة.
"إنّ سرّ الاجتهاد، فی الأصل، هو فی تطبیق الأحکام الکلّیّة على المسائل الجدیدة، والحوادث المتغیّرة. والمجتهد الواقعیّ هو الذی یحوز على هذا السیر، ویکون ملتفتاً إلى کیفیّة تغیّر الموضوعات؛ وبتبع ذلک تغیّر أحکامها"[33].
وبالنظر إلى هذا الأمر، ینسجم "النظام السیاسیّ الإسلامیّ"، مع الإرادة الجمعیّة والعقلیّة لکلّ طیف من الناس، ویمکنه أن یقدّم برامج تحقّق سعادتهم فی کلّ عصر وفی کلّ بیئة[34].
3. فهم بعض المصالح والمفاسد:
یستنتج العقل، فی بعض الموارد، المصلحة الکاملة لحکم دون معارضة، ویدرک علّة الحکم مع الالتفات إلى تبعیّة الأحکام الشرعیّة للمصالح والمفاسد[35]. فللأفعال بذاتها مصالح ومفاسد یمکن إدراک بعضها -بقطع النظر عن أمر الشارع ونهیه-، وتکون هذه الموارد علّة الحکم وملاکه، وإدراک العقل وفهمه لهذه الملاکات فی بعض الموارد لا یقبل الإنکار[36].
علیه، "کلّ شیء أُوجب علینا فی الشرع؛ فلا بدّ فیه من جهة وجوب، وکلّ شیء حُرِّم؛ فلا بدّ منه من وجه قبح"[37]، وإنْ کنّا لا نعلم جهات الوجوب والقبح على سبیل التفصیل.
ویمکن استنباط بعض ملاکات الأحکام ومصالحها من آیات القرآن الکریم؛ حیث إنّ العقل یدرکها ویؤیّدها أیضاً؛ ومثالاً على ذلک، یمکن الإشارة إلى الموارد الآتیة[38]: النظافة والطهارة فی الوضوء والتیمّم[39]، ونهی الصلاة عن الفحشاء والمنکر[40]، وتزکیة المال بالزکاة[41].
ویذکر أمیر المؤمنین الإمام علی (ع) فی حکمة له بعض علل الأحکام، فیقول: "فرض الله الإیمان تطهیراً من الشرک، والصلاة تنزیهاً عن الکبر، والزکاة تسبیباً للرزق، والصیام ابتلاء لإخلاص الخلق، والحجّ تقربة للدین، والجهاد عزّاً للإسلام، والأمر بالمعروف مصلحة للعوام، والنهی عن المنکر ردعاً للسفهاء، وصلة الرحم منماة للعدد، والقصاص حقناً للدماء، وإقامة الحدود إعظاماً للمحارم، وترک شرب الخمر تحصیناً للعقل، ومجانبة السرقة إیجاباً للعفّة، وترک الزنا تحصیناً للنسب، وترک اللواط تکثیراً للنسل، والشهادة استظهاراً على المجاحدات، وترک الکذب تشریفاً للصدق، والسلام أماناً من المخاوف، والأمانة نظاماً للأمّة، والطاعة تعظیماً للإمامة"[42].
إذن، فالعقل یستطیع، من خلال إحاطته بمصالح القوانین ومفاسدها، إبداء الرأی فی ما یتعلّق بثبات الأحکام وتغیّرها؛ مثلاً: إذا ما تغیّرت مقتضیات الزمان فی محلّ ما على النحو الذی یصبح ثابتاً لدى العقل أنّ مصلحة الحکم وملاکه قد تغیّرا، فیصبح الحکم تبعاً لذلک عرضة للتغیّر أیضاً. وفی الموارد التی یستنتج فیها العقل ملاکات الأحکام ویکشف عن عللها، فتبعاً لذلک یتغیّر الحکم أیضاً.
ولذلک، بإمکان العقل أن یکون کاشفاً عن القانون؛ بحیث یعیّن القانون المتناسب مع الظروف والمقتضیات أو یعمّمه، بالإضافة إلى أنّه یستطیع أن یکون أداة للاستنباط من سائر المصادر والمدارک الفقهیّة؛ کالقرآن والسنّة والإجماع[43].
4. فهم المستقلات والمستلزمات العقلیّة:
یعتقد المجتهدون أنّ کلّ ما جاء فی الشریعة له معنى معقول وحکمة واضحة؛ سواء عثروا على تلک الحکمة أم لا. وتتّضح هذه الحکمة من خلال التدبُّر فی النصّ أو النظر فی الأحداث المحیطة[44].
ولذلک، تتمتّع الأحکام العقلیّة فی علم أصول الفقه بأهمّیّة کبیرة؛ وتنقسم القضایا العقلیّة فیه، من حیث إمکان دلالتها على الحکم الشرعیّ، إلى قسمین: الأوّل؛ القضایا التی لا تحتاج إلى انضمام مقدّمة شرعیّة إلیها فی استنباط الأحکام الشرعیّة منها، وتسمّى بـ"المستقلات العقلیّة". والثانی: القضایا التی تحتاج فی استنباط الحکم الشرعیّ منها إلى ضمّ قضیّة شرعیّة، وتسمّى بـ"غیر المستقلات العقلیّة"[45].
ویمکن بشکل واضح الاستناد إلى العقل فی الفتوى فی الموارد الآتیة:
- مسألة الحسن والقبح.
- تلازم الأحکام مع الملاکات؛ بمعنى کلّما وُجدَ حکمٌ شرعیّ؛ وُجد الملاک؛ أی المصلحة والمفسدة؛ وکلّما وُجِدَ الملاک؛ وُجِدَ الحکم.
- الاستلزامات؛ مثل: الحکم بوجوب ذی المقدّمة؛ یستلزم وجوب المقدّمة.
وفی نظرة کلّیّة؛ یصدر العقل نوعین من الأحکام: الأوّل؛ یصدر مستقلاً فی کثیر من الموارد؛ کفتوى العقل بوجوب إنقاذ روح الإنسان وماله، ویکون الدلیل النقلیّ فی هذا المورد مؤیّداً لحکم العقل. والثانی: فی المورد الذی لم یعثر فیه على أیّ من الدلیلین النقلیّ أو العقلیّ؛ فیحکم العقل بالبراءة؛ لحکمه بقبح العقاب بلا بیان. وهو بذلک یقدّم "دلیلاً فقاهتیّاً"[46].
ویرى الشیخ المظفّر أنّ بحث المستقلات العقلیّة منتظمة فی أربعة أمور مترابطة ومتّصلة فی ما بینها؛ وهی:
- البحث الأوّل؛ بغضّ النظر عن حکم الشارع بالنسبة إلى بعض الأفعال، فإنّ حکم الحسن والقبح ثابت عقلاً. وهذا الأمر هو نقطة اختلاف بین الشیعة والأشاعرة.
- البحث الثانی؛ على فرض أنّ الأفعال فی جوهرها حسنة وقبیحة، باستطاعة العقل أن یستنتج وجوه الحسن والقُبح وحکم الشارع بدون تعلیم، وإذا کان کذلک، هل یجب على المکلّف أن یلتزم بها بدون بیان الشارع؟ وهذا الأمر هو نقطة الاختلاف بین الأصولیّین والأخباریّین.
- البحث الثالث؛ هل یمکن، على فرض النقطتین السابقتین، الولوج إلى بحث وجود الملازمة بین حکم الشرع والعقل؟ وعندما یحکم العقل بحسن شیء أو قبحه، هل على الشارع -أیضاً- أن یحکم طبق ذلک؟.
- البحث الرابع؛ وهو أنّه بعد ثبوت الملازمة بین حکم العقل والشرع والقطع بأنّ الشارع یحکم بالضرورة على أساس ما یحکم به العقل السلیم، فهل هذا القطع حجّة شرعیّة[47]. ویرى الشیخ المظفّر أنّ الدلیل العقلیّ یوجب القطع بحکم الشارع، ولا حجّة فی البین أقوى من القطع؛ لأنّ اعتبار أیّ حجّة یعود إلیه؛ وهو بذاته حجّة؛ وسلب الحجّیّة عنه غیر معقول. ثمّ یؤکّد أنّه کیف یجوز التردّد فی حکم العقل ودخول الشکّ إلیه، فی حین أنّ الشریعة والتوحید والنبوّة ثبتت به ولولا العقل کیف لنا أن نصدِّق الرسالة ونؤمن بالشریعة[48].
وبتعبیر المیرزا القمی نصل بدلیل العقل إلى الحکم العقلیّ، وبالحکم العقلیّ إلى الحکم الشرعیّ[49]. ویذکر الشیخ المظفّر، بعد شرحه للمستقلّات العقلیّة ثلاثة معانٍ للحسن والقبح العقلیّین؛ من جملتها الحسن والقبح؛ بمعنى الکمال والنقص، والملاءمة والمنافرة، والمدح والذم، حیث یستخدم هذین الوصفین الأخیرین لأفعال الإنسان الاختیاریّة. ثمّ یشیر إلى أنّه لا جدال فی المعنیین الأوّلین، وحتّى الأشاعرة قبلوا بذلک أیضاً. ولکنّ أصل الخلاف یکمن فی المعنى الثالث؛ حیث یقول الأشاعرة إنّه لا قدرة للعقل على فهم الأمور وإدراکها بالاستقلال عن الشارع، ولیس بإمکانه أن یَرد ساحة عمل الحیاة، وأن یحکم بحسن أیّ عمل وقبح أیّ عمل آخر. والمراد من العقل فی هذا القسم هو العقل العملیّ الذی یساعدنا؛ لکی ندرک الحسن والقبح العملیّین[50].
وکلّ واحدة من هذه القضایا التی تدخل الفقه السیاسیّ هی بمثابة مقدّمة مهیّئة لأرضیّة حکم عقلیّ، وأرضیة تحوّل فی هذا العلم الذی تؤکّد الشریعة على صحّته.
وبالنظر فی ما تقدّم، یمکن أن نستنتج أنّ للعقل فی الفکر السیاسیّ الشیعیّ استخدامات متعدّدة. ویبیّن الأصولیّون العلاقة ما بین العقل والشرع على هذا النحو فی أنّه "کلّ ما حکم به العقل حکم به الشرع أیضاً"[51]. فقد جعلت هذه القاعدة الکلّیّة مرجعیّة حکم العقل واعتبار الاستناد إلیه محلّ تأیید وقبول. والمراد من العقل فی القاعدة المذکورة "جنس العقل"، ولا ربط له بعقول جمیع العقلاء أو بعضهم. والمقصود من "الحکم" -أیضاً- إدراک الجائز أو غیر الجائز من الفعل، أو إدراک ملازمات الأحکام الشرعیّة، مثلما أنّ المراد من الحکم فی "حکم به الشرع" الحکم بالوجوب أو الحرمة المولویّة بواسطة الشارع[52].
وعلیه، یُعدّ استخدام الأسلوب العقلیّ والاستفادة من قضایاه فی الاستنتاجات الفقهیّة محلّ قبول وتأیید. وإنّ تطویر الأصول الاعتقادیّة والاستنتاجات الاجتهادیّة للمجتهدین یقوم -أیضاً- على هذا الأصل.
وتتعارض هذه الرؤیة العقلیّة التی هی الظهیر للمجتهد فی تشخیص الحکم العملیّ مع رؤیة الظاهریّین الذین سدّوا باب الفکر والعقل. مع أنّ الظاهریّین یحتاجون إلى العقل حتّى فی إثبات عدم حجّیّة العقل. وأنموذجاً على ذلک یحکم ابن تیمیة، فی تعارض الشرع مع العقل، بتقدیم الشرع[53]، فی حین یعتقد الأصولیّون أنّ الدلیل العقلیّ القطعیّ حجّة، ویوصلنا فی ساحة الحکم الشرعیّ إلى العلم؛ لأنّ حجّیّة القطع طریق وأمر ثابت[54]، وأنّ الاستفادة من العقل دائماً فی الاستنتاجات الاجتهادیّة أمر واضح[55]، وأنّ الالتزام بهذا المعیار فی الاستنتاجات الفقهیّة یبعد القارىء المستنبط عن الاستنباطات المبنیّة على المشاعر، والعواطف، والمیول الشخصیّة، والتسرّع، والتقلید، والتعبُّد الأعمى، واتّباع الحدس والظنّ؛ خاصّة أنّ الأخذ بالاستخلاصات العقلیّة والبعیدة عن المشاعر تتمتّع فی المساحة السیاسیّة - الاجتماعیّة بأهمّیّة فائقة.
سادساً: دور العقل فی تحوّل الفکر السیاسیّ الشیعیّ:
کلّما تعقّدت المشاکل الاجتماعیّة والفکریة؛ ازداد الاهتمام بدور العقل فی البحث والاستنباط. ویمکن مشاهدة هذه الحقیقة فی کلام منظّری الفکر السیاسیّ والفقهاء، وفی سلوکهم أیضاً.
وقد قُدِّمت نظریّات وتحلیلات جدیدة، من خلال المنهج الأصولیّ-العقلیّ فی الفکر السیاسیّ المعاصر؛ انطلاقاً من قدرته على فهم الدین، ومن الحاجات والظروف المستجدّة. وعلى الرغم من أنّ المفکّرین الفقهاء لم یکن لدیهم سابقة ارتباط مباشر فی میدان الاجتماع والسیاسة مع العقلانیّة العصریّة والتوجّه العقلانی، ولکنّ التحدّیات التی واجهها هؤلاء أدّت إلى بروز تیارات فکریّة مناوئة؛ دفعتهم إلى بذل الجهد لتقدیم نظریّات عصریّة جدیدة وعقلانیّة.
وسنکتفی بذِکْر بعض النماذج الاجتهادیّة التی لعب العقل فیها دوراً مهمّاً فی تقدیم قراءة متحوّلة وفهم متطوّر للفقه السیاسیّ؛ وهی:
1. کیفیة التعامل مع السلطة:
تعدّ هذه الإشکالیّة إحدى أکثر الإشکالیّات أهمّیّة، حیث کان المسلمون فی میدان السلطة على الدوام أمامها وجهاً لوجه، ولا سیما الشیعة الإمامیّة الذین یعتقدون بأنّ إدارة المجتمع الإسلامیّ وحکمه هی حقّ حصریّ مجعول للأئمّة المعصومین (عله) بالتنصیص من الرسول الأکرم (ص) عن الوحی الإلهیّ. وقد سار فقهاء الشیعة نظریّاً وعملیّاً على هذا الأساس؛ مستلهمین من کلام الأئمّة (عله) وإرشاداتهم فی مواجهة الظلم، وعدم التعاون مع الحکومة غیر الشرعیّة[56]، مع التأکید على ضرورة الحکومة وتشکیلها، ولکنّ مقتضیات الزمان والمکان لم تسمح لهم بالقیام بأیّ طرح أو إجراء لتحقیق ذلک؛ فکان نوع التعامل مع الحکومة فی ذلک الوقت على نحوین: إمّا أنّه کان مع الحاکم الظالم؛ فالتعامل معه حرامٌ وغیرُ جائز؛ وإمّا مع السلطان العادل؛ والسلطان العادل بالأصالة؛ هو الإمام المعصوم (ع) فقط.
وأمام الواقع التاریخیّ الذی عایشه الشیعة الإمامیّة، کان لا بدّ من اعتماد مبدأ التقیّة مع الحکّام آنذاک متى ما استدعت الضرورة ذلک؛ حفاظاً على الدین والکیان الإسلامیّ، وصوناً لوحدة المسلمین.
وقد فتح العقل الاجتهادیّ فی هذا المجال مساراً متجدّداً أمام الفقه السیاسیّ؛ ففی المراحل اللاحقة (عصر غیبة المعصوم (ع))، یرى کثیر من فقهاء الشیعة، من خلال البحث والتحلیل العقلیّ، أنّ الشارع فی عصر الغیبة - بالنظر إلى فلسفة دین الإسلام والکمّ الکبیر من الأحکام الاجتماعیّة والسیاسیّة فیه - لا یرضى بتعطیل تلک الأحکام؛ إذن، یجب تشکیل الحکومة. وإنّ أکثر الأفراد لیاقةً وأهلیّة لهذا المنصب هم الفقهاء؛ لأنّ لدیهم امتیازین کبیرین؛ هما: المعرفة بالقانون، والعدالة[57]؛ فحکومة الفقهاء هی أقرب حکومة إلى الحکومة المطلوبة فی الإسلام.
ومع طروء ظروف جدیدة ومؤاتیة للوضع السیاسیّ الاجتماعیّ؛ ظهر تحوّل أساس فی نوع العلاقة والتعامل بین الفقهاء والحکّام، فمع قیام دولة الصفویّین (906 هـ.ق) أخذ فقهاء الشیعة موقعهم اللامع وبذلوا جهودهم لتطبیق الأحکام الدینیّة، وقدّموا بحث "السلطة المأذونة"، وقد حدث فی هذه المرحلة أن أخذ الجهاز السیاسیّ مشروعیّته من علماء الدین. وفی عصر اقتدار الحکومة الصفویّة، عندما ذکروا حدیث مقبولة عمر بن حنظلة[58] المنقول عن الإمام الصادق (ع)، وجّه الملک خطاباً إلى المحقّق الکرکی (ت: 943هـ.ق) لیکون نائباً له[59].
وعندما نقترب من المراحل اللاحقة القریبة من عصر الجمهوریة الإسلامیّة، وبالالتفات إلى حکم العقل، فقد تمّ تحریم التقیّة؛ من أجل الحفاظ على أساس الإسلام[60]. ومع أنّ أصل حرمة التقیّة شرعیُّ، ولکنّ فهمها واستنباطها هو بعنایة حکم العقل، بذاک النحو الذی یستنبط فیه الکثیر من الأحکام الشرعیّة. وفی إطار هذه العملیّة، کان التأکید -بعد ذلک- على ضرورة تشکیل النظام الإسلامیّ؛ بالاستفادة من العقل.
2. السلطة المقیَّدة والمشروطة:
بسبب استغلال الحکّام لسلطاتهم المطلقة وسلوکهم الاستبدادیّ؛ متذّرعین بتأیید الفقهاء لحاکمیّتهم؛ أدرک فقهاء الشیعة ضرورة مواجهة سلطة الحاکم المطلقة، من أجل تطبیق الحدود والأحکام الشرعیّة.
وإنّ الاستدلال على هذا البحث له سبیله ومقاربته العقلیّة، حیث یظهر ویتجلّى فی نظریّة "المشروطة الإسلامیّة"، ویؤدّی إلى تحوُّل وترقٍّ فی الاستفادة من السلطة؛ وأنموذجاً لذلک، بحث الشورى لدى الشیخ النائینی (1355-1277هـ.ق)، الذی أخذ فیه بعین الاعتبار بالاستدلال العقلیّ، مبیّناً من خلال الرجوع إلى الآیات والروایات ضرورة الاستفادة من النظر العقلانیّ للأمّة فی الحکومة، حیث یقول فی شرح الآیة: {وشاورهم فی الأمر}[61]: "إنّ دلالة الآیة المبارکة -حیث إنّ المخاطب هو العقل الکلّیّ ونفس العصمة؛ وهو مکلّف بمشورة عقلاء الأمّة، على هذا المطلب - هی فی کمال البداهة والظهور. وإنّ متعلّق المشورة هو کلّ الأمور السیاسیّة، وإنّ خروج الأحکام الإلهیّة هو من باب التخصّص، لا التخصیص. وإنّ دلالة الآیة {وأمرهم شورى بینهم}[62] على المشورة فی وضع الأمور النوعیّة؛ هی فی کمال الظهور. من هذه الجهة، فإنّ المشورة ضروریّة فی کلّ الأمور السیاسیّة"[63].
وعلیه، تصبح السلطة -باشتراط المشورة وإلزام العمل بها- مشروطة. وهذا النوع من الاستدلال، والفهم والتحلیل، مأخوذ من الذهنیّة الأصولیّة والاعتقاد بأصل الاجتهاد الذی استطاع أن ینقل المجتمع الإسلامیّ من النظام الاستبدادیّ إلى نظام المشروطة.
إنّ کلّ أشکال الحکومات فی عصر الغیبة هی غصبیّة؛ فهناک ثلاثة أنواع من الغصب فی حکومة الجور: "غصب رداء الکبریاء"، و"غصب مقام الولایة"، و"غصب رقاب العباد"؛ بالرغم من وجود غصب لحقّ الإمام -أیضاً- فی الحکومة المشروطة؛ إلا أنّه لمّا یحصل فیها من الظلم الأقلّ، فهی مطلوبة ومرجوّة.
ویقسِّم الشیخ النائینی (قده) الأنظمة الحکومیّة إلى نوعین کلّیّین؛ استبدادیّ ومشروط، ویکتب فی المقارنة بین هذین النظامین: "النحو الأوّل [الاستبداد] هو أیضاً غصب رداء کبریائه عزّ اسمه وظلم الساحة المقدّسة الأحدیّة، وکذلک غصب مقام الولایة وظلم الناحیة المقدّسة للإمامة -صلوات الله علیه-، وکذلک اغتصاب رقاب العباد والبلاد والظلم بالعباد. وخلافاً للنحو الثانی [المشروطة] الذی یکون غصبه فقط راجعاً لمقام الولایة المقدّس؛ وهو خالٍ من کلا النوعین؛ من الظلم والغصب الآخرین"[64].
ولذلک، فقد حکم بمشروعیّة "المشروطة"؛ بعنوان "دفع الأفسد بالفاسد"؛ وهی قاعدة فقهیّة لها مبنى عقلیّ، وتمّ التأکید علیها -أیضاً- فی الروایات، فلیست السلطة فی "المشروطة" غیر تقیید تصرّفات الحکومة بحدود کلّیّة نافعة. وثمرة ذلک أمران؛ الأوّل: تقیید الجور والظلامات التی تصدر من السلطة وحاشیتها وتصبّ على الناس. والثانی: الحدّ من النفوذ التدریجیّ للکفّار واستیلائهم على جبهات المسلمین؛ من التجارة والاکتسابات العامّة وغیرهما[65].
3. نظریّة ولایة الفقیه:
أدّت التحوّلات الفکریّة ونوع المواقف المتفاوتة للفقهاء فی مقابل الحکومات المستبدة، إلى خلق شکّ فی بعض المشاهد السابقة، وإلى إیجاد أرضیّة تحوّل فی الاستفادة من العقل فی مسار إقامة الحکومة الدینیّة.
وقد طرح الإمام الخمینی (قده) ولایة الفقهاء لأوّل مرّة فی کتاب کشف الأسرار (1324هـ.ش)، ناظراً فیه إلى خاصّیّة أنّ الإسلام حدّد کلّ تفاصیل حاجات البشریّة فی کلّ المراحل والعصور[66]. وفی الخطوة التالیة (فی أوائل عام 1342 هـ.ش) شکّک فی لزوم التقیّة ومماشاة الحکومة الظالمة[67]؛ وفی الخطوة الثالثة طرح مرّة أخرى ولایة الفقیه عام 1348هـ.ش فی النجف الأشرف بطریقة استدلالیّة اجتهادیة. وکانت البنیة الاستدلالیّة - لإثبات حاکمیّة الفقیه- فی کتابی "البیع" و"ولایة الفقیه" بنیَة عقلیّة[68].
وبهذا المنهج النقدیّ لتقدیم البدیل، طرح الإمام الخمینی (قده) بحث نظریّة ولایة الفقیه، وانتهى ببحث التجدید وإعادة قراءة هذه النظریّة الذی لها فی الفقه السیاسیّ الشیعیّ سابقة قدیمة[69].
وفی هذه المرحلة، طرح الإمام (قده)، من خلال التشکیک بأساس مشروعیّة الحکومة الملکیّة، بحث تشکیل الحکومة الإسلامیّة بمنهج واستدلال عقلیّین[70]؛ بحیث یرى الإمام (قده) أنّه یجب على الفقیه أن یشکّل الحکومة، وأن یمسک قیادة المجتمع الإسلامیّ[71].
وبذلک انتهى نهج التخلّی عن "مماشاة السلطة"، و"مشروعیّة الحکومة الملکیّة المشروطة"، إلى "المواجهة مع السلطة الملکیّة" و"عدم مشروعیّتها"، واتّخاذ الاتّجاه التفکیکیّ لها؛ بالنظر إلى حکم العقل والاستنباط الاجتهادیّ.
ویستند الإمام (قده) فی کتابه "ولایة الفقیه" فی الاستدلال على ضرورة تشکیل الحکومة الإسلامیّة إلى العقل، ویذکر الروایات؛ بوصفها مؤیّداً محضاً[72]؛ حیث نظر إلى المسألة من زاویة علم الکلام؛ الذی یعتمد فی استدلالاته وتفسیره على العقل.
وقد عقد فی کتابه "البیع" بحثاً فی "الإمامة"؛ ثمّ صرّح بأنّ کلّ ما یدلّ على إمامة الإمام المعصوم (ع) یدلّ بعینه على ضرورة تشکیل الحکومة فی عصر الغیبة[73].
ویمکن تصویر استدلال الإمام (قده) على هذا النحو: جاء الإسلام؛ بوصفه نظاماً لیقیم المجتمع السلیم؛ وعلیه فهو یمتلک برنامجاً؛ لذا من غیر الممکن إهمال حیثیّته الإجرائیّة؛ أی بُعده العملیّ، وأساساً هذا غیر معقول، وهذا حسب قول الإمام (قده) هو مسألة عقلیّة - کلامیة[74].
وهذا الأمر مطروح، فی مسألة ولایة الفقیه من الزاویة العقلیّة؛ بما أنّه توجد فی الکتاب والسنّة أحکام سیاسیّة؛ جزائیّة وحقوقیّة، فبالتاکید یتجلّى تطبیق هذه الأحکام وإجراؤها فی النظام السیاسیّ الدینیّ.
إنّ العقل یحکم بأنّ تحصیل الفهم الصحیح لهذه الأحکام وتطبیقها یکمن بالرجوع إلى شخص مطّلع على المبانی والأسس والزوایا والأبعاد المختلفة للأحکام الدینیّة، ومحیط بها؛ وهذا الشخص یمکن أن یکون هو الفقیه العادل والعالم. ولأجل ذلک یقول الإمام الخمینی (قده) إنّ تصوّر ولایة الفقیه یوجب التصدیق بها[75].
ویرى الإمام (قده) أنّ وظائف الحکومة فی نشر العدالة، والتربیة والتعلیم، وحفظ النظام، ورفع الظلم، وسدّ الحدود أمام الأعداء، والحدّ من اعتدائهم؛ هی من أکثر أحکام العقل ضرورة لکلّ زمان ومکان، ولکلّ العصور والأمکنة[76]. ویستدل على أنّ أحکام الله فی الأمور المالیّة والسیاسیّة والحقوقیّة لم تنسخ، بل هی باقیة إلى یوم القیامة. وهذا البقاء نفسه دلیل على ضرورة تشکیل الحکومة التی تضمن الحفاظ على حاکمیّة القانون الإلهیّ. وإنّ تطبیق هذا القانون غیر ممکن إلا بالحکومة حتّى لا یحدث الهرج والمرج.
ویؤکّد الإمام (قده) على أنّ إهمال الأحکام الإلهیّة وتعطیلها أمر غیر معقول، ولا یرضى الشارع أبداً باختلال النظام. ثمّ یشیر إلى لزوم تشکیل الحکومة فی عصر الغیبة وشروط الحاکم؛ فیرى أنّه ینبغی أن یتوافر شرطان فی الوالی فی عصر الغیبة؛ هما: العلم بالقانون، والعدالة؛ وهذان الشرطان موجودان فی الفقیه العادل؛ ولذا، کانت لیاقته للولایة على المسلمین ثابتة ومحرزة[77].
یقول الإمام (قده): "... وقد مرّ على الغیبة الکبرى لإمامنا المهدیّ أکثر من ألف عام، وقد یستمرّ ألوف السنین قبل أن تقتضی المصلحة قدوم الإمام المنتظر. هل تبقى أحکام الإسلام معطّلة فی طول هذه المدّة المدیدة؟ ویعمل الناس فی خلالها ما یشاؤون؟ وهل إنّ القوانین التی صدع بها نبی الإسلام (ص) وجهد فی بیانها ونشرها وتبلیغها وتنفیذها طیلة ثلاثة وعشرین سنة، کانت لمدّة محدودة؟ هل حدّد الله عمر الشریعة بمئتی عام؟ هل إنّ الإسلام من بعد الغیبة الصغرى قد ترک کلّ شیء؟ ألا ینبغی أن تؤخذ الضرائب والجزیة والخراج والخمس والزکاة؟ هل یتعطّل القانون الجزائیّ فی الإسلام، ویتعطّل الأخذ بالقصاص والدیات؟ إنّ القول ]إنّ[ قوانین الإسلام تعطّل أو منحصرة ومحدودة بزمان أو مکان، هو مخالف لضروریّات الإسلام العقائدیّة. وإنّ القول بهذا الأمر أو الجهر به؛ لهو أسوأ فی نظریّ من الاعتقاد بأنّ الإسلام منسوخ والقولِ به[78].
وفقاً لهذه الرؤیة، ظهرت أرضیّات واسعة ومجالات عدّة بعد قیام الجمهوریة الإسلامیّة، لتَقدّم الفقه السیاسیّ الشیعیّ فی العصر الحاضر وتطوّره، وتبلورت رؤیة لولایة الفقیه ساعدت الفقه السیاسیّ على تشکیل نظام سیاسیّ فی العصر الحالی؛ قادر على مواکبة تحدّیات العالم الجدید؛ فقد عمل الإمام الخمینی (قده)- بوصفه مؤسّساً للجمهوریة الإسلامیّة ومنظّراً لها -على بلورة نظریّته وشرحها من خلال اهتمامه بالفقه الإسلامیّ، والموقع الحسّاس للحکومة فی إدارة المجتمع وحراسة أهداف الدین والتقدّم بها، والنظر إلى المقتضیات الزمانیّة والمکانیّة، ومصلحة النظام الإسلامیّ.
وقد استطاع من خلال حکم العقل وتسریة حجّیّته إلى المسائل الاجتماعیّة أن یطبّق تعالیم؛ مثل: الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، والعدالة، والمشورة... وأن یُوجد وجهاً شرعیّاً وعقلیّاً لأبحاث؛ من قبیل: القوننة والتشریع، والحرّیّة، والانتخابات، وحضور النساء فی المجتمع، وحقوق المواطنة، وتهیئة الأرضیّة والمجالات الواسعة لتطوّر الفقه الشیعیّ السیاسیّ.
سابعاً: نماذج تطبیقیّة لدور العقل فی الفکر السیاسیّ الشیعیّ:
نظراً لضیق مجال البحث فی هذه المقالة، سوف نستعرض أنموذجین من المسائل المتعلّقة بالشأن السیاسیّ والاجتماعیّ، ودور العقل فی إصدار الحکم فیهما وتحدید وظیفة أفراد المجتمع الإسلامی تجاههما؛ وهما:
1. مسألة الاحتکار:
یعدّ بحث الاحتکار وکیفیّة التعامل مع المحتکرین من الأبحاث المهمّة المطروحة فی الفقه السیاسیّ، وإنّ مسألة تنظیم هذا الأمر موکولة إلى سلطة الحاکم. فقد نصّت الأحادیث أنّ احتکار (القمح والشعیر والتمر والزبیب) حرام.
وإضافة إلى ما ذُکِر فی النصوص عن الاحتکار، فإنّ حرمة هذا الأمر؛ هی -أیضاً- محلّ تأیید حکم العقل وموافقته؛ لأنّ احتکار الموارد التی یحتاجها الناس وحبسها یلحق الضرر بالمسلمین، ومن جانب آخر فإنّ الحرص على مال الدنیا؛ کذلک مذموم عقلاً. وعلیه، فحُرمة الاحتکار شاملة لکلّ شیء یحتاجه الناس، ولا وجود لأی قید یحدّ ذلک.
ویختلف معیار الاحتکار حسب الأمکنة المختلفة. وهذا المعیار لیس واحداً فی مختلف المناطق والأماکن[79]، وإنّ حصر موارد الاحتکار فی موارد عدّة ذُکِرت فی الأحادیث یؤدّی إلى إلحاق الضرر والظلم بالمجتمع؛ فالمجتهد یفهم بالنظرة الأصولیّة – العقلیّة، وبلحاظ زمان صدور الروایات ومکانها: أنّ ذِکْر هذه الموارد هو من باب المثال؛ لذلک، فلا موضوعیّة فی مجتمعات العصر الحاضر لاحتکار موارد؛ من قبیل: الشعیر والزبیب، وإنّ احتکار المواد الضروریّة للحیاة هو الممنوع[80].
وقد عُمّم هذا الأمر، بالنظر إلى ملاک الحکم؛ بحرمة الحصار الاقتصادیّ، وإلحاق الضرر بالناس، ووسّع موضوع حرمة الاحتکار لیشمل کلّ سلعة تلحق ضرراً وأذىً خطیرین بالناس.
وانطلاقاً من الاهتمام بهذا الأمر، فإنّ إدخال العقل فی حریم الدین هو أحد عوامل بقاء الدین وصموده فی مواجهة تحوّلات الحیاة. وضمن هذه الرؤیة وبهذا النهج، یمکن للحاکم الإسلامیّ أن یمنع احتکار المواد الضروریّة للحیاة.
2. مسألة بیع السلاح إلى الأعداء أو عدمه:
یستند الإمام الخمینی (قده) إلى الدلیل العقلیّ فی الإجابة عن الحاجات المختلفة المتجدّدة؛ کما فی مسألة بیع السلاح إلى الأعداء؛ حیث یذهب إلى أنّ هذا الأمر من المسائل السیاسیّة التابعة للمصالح المتغیّرة والمتبدّلة؛ فمن جهة یعتبر بیع السلاح لأعداء الدین حراماً، ومن جهة أخرى، یقول إنّه کثیراً ما تقتضی مصالح المسلمین بیع السلاح لمجموعة أو فئة من الکفّار أو حتّى تسلیحهم؛ کما لو جاء وقت وهجم عدو متغطرس قویّ على بلاد المسلمین، فلا مناص من دعم هؤلاء الأفراد الکفّار وتسلیحهم؛ لدفع ضرر العدوّ.
ویؤکّد الإمام (قده) على أنّ هذا من مقتضیات العقل ومستنبطاته القطعیّة، وأنّ التمسّک بالقواعد الظاهریّة والأصول فی هذا المقام غیر جدیر. وعلى ما یظهر، لا یمکن الوصول من طریق الأخبار إلى شیء أکثر ممّا یمکن أن نأخذه من دلیل العقل[81].
وهذا موجب لظهور تحوّل فی نوع النظرة إلى الفقه السیاسیّ وقدراته؛ مثلما اعتبر الإمام (قده) أنّ مالکیّة الإمام المعصوم (ع) للأنفال هی أمر عقلائیّ؛ حیث کان ملک الأنفال رائجاً ومنتشراً بین مختلف الحکومات؛ وقد حکم الإسلام فی هذه الحالة على ممشى العقلاء[82].
خاتمة:
إنّ التفکیر العقلانیّ هو أحد المعاییر المعتمدة فی الفقه السیاسیّ الشیعیّ، وإنّ الحکم الفقهیّ والأخلاقیّ والقانونیّ (الحقوقیّ) للعقل هو حجّة شرعاً. وشروط حجّیّة العقل یکفلها المنطق؛ لأنّه قد بحث فی المنطق بشکل تامّ عن البرهان الیقینیّ وتمایزه عن التمثیل المنطقیّ الذی هو القیاس الفقهیّ نفسه، وعن الاستقراء الناقص[83].
ویضطلع العقل بدور أساس فی أصول الفقه وعلم الفقه السیاسیّ؛ فی تفسیر النصوص، والبحث والتحرّی عن مناهج تطبیقها، وارتباط الجزئیّات بالکلّیّات واتّصالها بها، واستنباط العلل فی الموارد التی تفتقد إلى التعلیل، واستنباط الحکم فی الموارد التی لم یصل فیها نصّ من الشارع[84]. ولا مکان -هنا- للعقل الأداتی (Instrumental reason) الذی ینظر إلى الحیاة وظواهرها نظرة دنیویّة مادّیّة بحتة.
ومن شأن ممارسة العقل دوره هذا؛ أن یُوجد انسجاماً متیناً فی الفقه السیاسیّ الشیعیّ، یستطیع معه المستنبط إصدار أحکام متناسبة مع الظروف الاجتماعیّة والسیاسیّة المختلفة.
وفی ظلّ هذا الانسجام، یخرج الفقه السیاسیّ من قشریّة محوریّة الفرد والانفعال وردّات الفعل، ویجد الفرصة أمامه لتأسیس نظریّ بمنهج نقدیّ وفعّال.
وبذلک، یدخل الفقه السیاسیّ إحدى أوسع نقاط التحوّل؛ ذلک التحوّل الذی لم یکن یُرى له شأنٌ، ولم یکن معتبراً فی أذهان السابقین وإدراکهم، ولکنّنا نراه یتجلّى فی فهم المعاصرین لقضایا؛ من قبیل: کیفیّة التعامل مع السلطة، السلطة المشروطة والمقیّدة، ونظریّة ولایة الفقیه، والاحتکار، وبیع السلاح إلى الأعداء أو عدمه.
[1] باحث فی الفکر الإسلامیّ، من إیران.
[2] انظر: المفید، محمد بن محمد بن النعمان: التذکرة بأصول الفقه، تحقیق: مهدی نجف، ط2، بیروت، دار المفید، 1414هـ.ق/ 1993م، ص28)؛ کرجی، أبو القاسم: تاریخ الفقه والفقهاء، لا ط، طهران، سمت، 1375 هـ.ش، ص136.
[3] الحلی، ابن إدریس: السرائر، لا ط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامیّ التابعة لجماعة المدرّسین، لا ت، ج1، ص46.
[4]مثال على ذلک: قوله -تعالى-: {أفلا تعقلون} (سورة البقرة، الآیة 44)؛ {إنّ فی ذلک لآیات لقوم یعقلون} (سورة الرعد، الآیة 4)؛ {إنّ فی ذلک لآیات لقوم یعقلون} (سورة النحل، الآیة 12)؛ ...
[5] الکلینی، محمد بن یعقوب: الکافی، تصحیح وتعلیق: علی أکبر الغفاری، ط5، طهران، دار الکتب الإسلامیّة، 1363هـ.ش، ج1، کتاب العقل والجهل، ح12، ص16.
[6]انظر: المجلسی، محمد باقر: بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، ط3، بیروت، مؤسسة الوفاء، 1403هـ.ق/ 1983م، ج1، ص96.
[7]انظر: الحلّی، الحسن بن یوسف بن المطهّر: مناهج الیقین فی أصول الدین، تحقیق: محمد رضا الأنصاری، لآزم، لا ن، 1374هـ.ش، ص155.
[8] انظر: أبو زهرة، محمد: تاریخ الفرق الإسلامیّة، لا ط، بیروت، دار الفکر العربی، 1971م، ج1، ص149.
[9]انظر: المفید، محمد بن محمد بن النعمان: النکت فی مقدّمات الأصول، تحقیق: محمد رضا الحسینی الجلالی، ط2، بیروت، دار المفید، 1414هـ.ق/ 1993م، ص26.
[10]انظر: علی دوست، أبو القاسم: الفقه والعقل، لا ط، طهران، مرکز أبحاث الثقافة والفکر الإسلامی، 1381هـ.ش، ص33-35.
[11]انظر: جوادی آملی، عبد الله: "دور العقل فی استنباط الأحکام الفقهیّة"، فصلیة الفقه والحقوق، تصدر عن مرکز أبحاث الثقافة والفکر الإسلامی، طهران، العدد1، 1383هـ.ش، ص15.
[12]انظر: الصدر، محمد باقر: دروس فی علم الأصول، ط2، بیروت، دار الکتاب اللبنانی، 1406هـ.ق/ 1986م، ج2، ص258.
[13]انظر: جوادی آملی، عبد الله: مراحل الأخلاق فی القرآن، لا ط، قم المقدّسة، دار نشر إسراء، 1377هـ.ش، ص188.
[14]انظر: جوادی آملی، عبد الله: رحیق مختوم (شرح الحکمة المتعالیة)، لا ط، قم المقدّسة، دار نشر إسراء، 1374هـ.ش، ج1، ص133.
[16] انظر: أرسطو، الأخلاق إلى نیقوماخس، م.س، ص213.
[18]التمیمی الآمدی، عبد الواحد: غرر الحکم ودرر الکلم، ترتیب وتدقیق: عبد الحسن دهینی، ط1، بیروت، دار الهادی، 1413هـ.ق/ 1992م، ص116.
[19] انظر: الفیرحی، داوود: السلطة العلم والمشروعیّة فی الإسلام، ط3، طهران، دار نشر نی، 1383هـ.ش، ص301.
[20] انظر: الفیرحی، السلطة العلم والمشروعیّة فی الإسلام، م.س، ص300.
[21] انظر: النبوی، عباس: فلسفة السلطة، لا ط، طهران، سمت، 1379هـ.ش، ص307.
[23] انظر: سورة الأنعام، الآیة 91؛ سورة القلم، الآیة 52.
[24] سورة الحجرات، الآیة 13؛ سورة البقرة، الآیة 21.
[25] انظر: الصدر، دروس فی علم الأصول، م.س، ج1، ص40.
[26] انظر: العلوانی، طه جابر: أصول الفقه الإسلامی منهج بحث ومعرفة، ط2، الولایات المتحدة الأمیرکیّة، المعهد العالمی للفکر الإسلامی، 1995هـ.ق، ص76.
[27] انظر: عنایت، حمید: الفکر السیاسی فی الإسلام المعاصر، لا ط، طهران، نشر مکتبة الخوارزمی، 1365هـ.ش، ص287.
[28] انظر: الشیرازی، محمد بن إبراهیم (صدر المتألّهین): شرح أصول الکافی، لا ط، طهران، مکتبة المحمودی، 1391هـ.ق، ص308.
[29]انظر: سروش محلاتی، محمد: الدین و الحکومة فی الإسلام، لا ط، قم المقدّسة، بوستان کتاب، 1378هـ.ش، ص79.
[30] انظر: الأسترابادی، محمد أمین: الفوائد المدنیّة، تحقیق: رحمة الله الرحمتی الآراکی، ط1، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامیّ التابعة لجماعة المدرّسین، 1424هـ.ق، ص92.
[31] انظر: المفید، محمد بن محمد بن النعمان: تصحیح اعتقادات الإمامیّة، ط2، بیروت، دار المفید، 1415هـ.ق، ص125.
[32]انظر: الطباطبائی، محمد حسین: "الاجتهاد و التقلید فی الإسلام"، ضمن: بحث عن المرجعیّة والعلماء، ط3، طهران، شرکة انتشار المساهمة، 1355هـ.ش، ص15.
[33] المطهری، مرتضى: عشر مقالات، ط5، قم المقدّسة، دار نشر صدرا، 1377هـ.ش، ص120. 1377،
[34] انظر:see ،choudhury، 1990:227)
[35] انظر: الحسینی الحائری، کاظم: مباحث الأصول، ط2، قم المقدّسة، دار البشیر، 1426هـ.ق، ج1، 397.
[36] انظر: النائینی، محمد حسین: فوائد الأصول، تقریر: محمد علی کاظمی الخراسانی، لا ط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامی التابعة لجماعة المدرّسین، ج3، ص60.
[37] المرتضى، علی بن الحسین بن موسى بن محمد(علم الهدى): الذریعة إلى أصول الشیعة، لا ط، طهران، نشر جامعة طهران، لا ت، ج1، ص435.
[38]انظر: عمید زنجانى، عباس علی: قواعد الفقه السیاسیّ (المصلحة)، ضمن کتاب: الفقه السیاسی، لا ط، طهران، نشر أمیر کبیر، 1384هـ.ش، ج9، ص276-291.
[42] الشریف الرضیّ، محمد بن الحسین بن موسى العلویّ: نهج البلاغة (الجامع لخطب أمیر المؤمنین الإمام علی بن أبی طالب(ع) ورسائله وحکمه)، شرح: محمد عبده، ط1، دار الذخائر، قم المقدّسة، 1412 هــ.ق، ج4، ص55.
[43] انظر: المطهری، مرتضى: ختم النبوة، لا ط، قم المقدّسة، مکتب النشر الإسلامی التابع لجماعة المدرّسین، لا ت، ص76.
[44] انظر: العلوانی، طه جابر: مقاصد الشریعة، لا ط، بیروت، دار الهادی، 1421هـ.ق، ص25.
[45] انظر: الصدر، دروس فی علم الأصول، م.س، ج1، ص281؛ المظفر، أصول الفقه، م.س، ج2، ص268.
[46] انظر: جوادی آملی، عبد الله: توقّع البشر من الدین، لا.ط، قم المقدّسة، دار نشر إسراء، 1380هـ.ش، ص99-100.
[47] انظر: المظفّر، أصول الفقه، م.س، ج2، ص270.
[48] انظر: المظفّر، أصول الفقه، م.س، ج3، ص137.
[49] انظر: القمی، أبو القاسم بن حسن: قوانین الأصول، لا.ط، لا.م، لا.ن، لا.ت، ج2، ص258.
[50] انظر: المظفّر أصول الفقه، م.س، ج2، ص277.
[51] انظر: م.ن، ص264.
[52] انظر: علی دوست، الفقه والعقل، م.س، ص156.
[53] انظر: ابن تیمیة، أحمد: درء تعارض العقل والنقل، تحقیق: محمد رشاد سالم، لا ط، لا م، دار الکنوز الأدبیّة، 1399هـ.ق، ج1، ص138.
[54] انظر: الصدر، دروس فی علم الأصول، م.س، ج2، ص255.
[55] انظر: مطهری، مرتضى: الوحی والنبوة، ط7، قم المقدّسة، دار نشر صدرا، 1375هـ.ش، ص116.
[56]وردت أحادیث کثیرة عن النبی الأکرم (ص) والأئمّة الأطهار (عله) فی رفض الظلم، ومواجهته، والتحذیر منه، وهناک فی المسانید الروائیة أبواب خاصّة فی هذا المجال، وعلى سبیل المثال؛ فقد ورد عن الإمام علی (ع) فی غرر الحکم فقط 133 حدیثاً فی ذمّ الظلم وفساده ولزوم الابتعاد عن مسیر الظالمین (انظر: التمیمی الآمدی، غرر الحکم ودرر الکلم، م.س، باب الظلم).
[57] انظر: الموسوی الخمینی، ولایة الفقیه، م.س، ص25.
[58] "من کان منکم ممن روى حدیثنا، ونظر فی حلالنا وحرامنا، وعرف أحکامنا؛ فلیرضوا به حکماً، فإنّی قد جعلته علیکم حاکماً..." (الکلینی، الکافی، ج1، کتاب فضل العلم، باب اختلاف الحدیث، ح10، ص67).
[59] انظر: الخوانساری الأصفهانی، محمد باقر: روضات الجنّات فی أحوال العلماء والسادات، قم المقدّسة، لا ن، 1419هـ.ق، ص361.
[60] انظر: الموسوی الخمینی، ولایة الفقیه، م.س، ص40.
[63] النائینی، محمد حسین: تنبیه الأمّة وتنزیه الملة، تقدیم: محمود طالقانی، ط9، طهران، شرکة انتشار المساهمة، 1378هـ.ق، ص82.
[64] النائینی، تنبیه الأمة و تنزیه الملة، م.س، ص74.
[65] انظر: محلاتى غروى، محمد اسماعیل: "اللآلی المربوطة فی وجوب المشروطة"، ضمن: رسائل المشروطة، إشراف: غلام حسین زرکرى نزاد، لا ط، طهران، دار نشر کویر، 1374هـ.ش، ص497.
[66] انظر: الموسوی الخمینی، روح الله، کشف الأسرار، لا ط، لا م، لا ن، 1324هـ.ش، ص11.
[67] انظر: الموسوی الخمینی، ولایة الفقیه، م.س، ص40.
[68] انظر: الموسوی الخمینی، روح الله: کتاب البیع، ط2، طهران، مؤسّسة تنظیم ونشر آثار الإمام الخمینی، 1384هـ.ش، ص 619؛ الموسوی الخمینی، ولایة الفقیه، م.س، ص12.
[69] انظر: لاریجانی، صادق: الفقهاء الإمامیّة وساحات ولایة الفقیه، لا ط، مشهد، جامعة العلوم الرضویّة، 1384هـ.ش.
[70] انظر: الموسوی الخمینی، ولایة الفقیه، م.س، ص4.
[71] انظر: م.ن، ص7.
[72] انظر: م.ن، ص14-20.
[73] انظر: الموسوی الخمینی، کتاب البیع، م.س، ج2، ص619
[74] انظر: معرفت، محمد هادی: "الإبداعات الفقهیّة للإمام الخمینی"، ضمن: مجموعة آثار مؤتمر الإمام الخمینی والحکومة الإسلامیة، لا ط، طهران، مؤسّسة تنظیم ونشر آثار الإمام الخمینی، 1374هـ.ش، ج10، ص429.
[75] انظر: الموسوی الخمینی، ولایة الفقیه، م.س، ص4.
[76] انظر: الموسوی الخمینی، کتاب البیع، م.س، ج2، ص620.
[77] انظر: م.ن، ص619-624.
[78] انظر: الموسوی الخمینی، ولایة الفقیه، م.س، ص19.
[79] انظر: النجفی، محمد حسن: جواهر الکلام، لا ط، طهران، دار الکتب الإسلامیّة، 1374هـ.ش، ج22، ص480-483.
[80] انظر: مغنیة، محمد جواد: فقه الإمام جعفر الصادق(ع)، ط6، قم المقدّسة، مؤسسة أنصاریان للطباعة والنشر، 1383هـ.ش، ج3، ص144.
[81] انظر: الموسوی الخمینی، روح الله: المکاسب المحرّمة، ط3، قم المقدّسة، دار نشر إسماعیلیان ، 1410هـ.ق، ج1، ص152.
[82] انظر: الموسوی الخمینی، کتاب البیع، م.س، ج3، ص24.
[84] انظر: العلوانی، أصول الفقه الإسلامی منهج بحث ومعرفة، م.س، ص78.