نوع المستند : المقالة الأصلية
المؤلف
جامعة
المستخلص
نقاط رئيسية
أولاً: التیَّارات الفقهیَّة السیاسیَّة المعاصرة
ثانیاً: توجّهات التنظیر للفقه السیاسیّ
ثالثاً: تقویم توجّهات التنظیر الفقهیّ السیاسیّ
رابعاً: الفقه السیاسیّ ونظام المعرفة السیاسیّ فی الإسلام
الكلمات الرئيسية
هویّة الفقه السیاسیّ فی الفکر الإمامیّ -رؤیة تجدیدیّة معاصرة-
السیّد نادر علوی[1]
خلاصة المقالة:
إنَّ التعاریف المتداولة والرائجة للفقه السیاسیّ، التی وضعته تحت هیمنة البعد الفردیّ ومحوریّة الفرد، قد انحدرت فی تفسیرها للدّین، ولتلک الأحکام السیاسیّة المنتشرة فی مختلف الأبواب الفقهیّة؛ من قبیل: ولایة الفقیه، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، ...؛ بحیث أوجدت نوعاً من الاقتران والالتصاق الشدید بین تلک الأحکام والنظرة الفردیّة للدّین.
تسعى هذه المقالة -ضمن دراستها للإشکالیّات المطروحة على التعریف الرائج للفقه السیاسیّ والحلول المقدَّمة- إلى طرح رؤیة جدیدة على هذا الصعید، وإنْ کان ثمّة بون شاسع بینها وبین تلک النظریّات المتبنّاة فی الحوزات العلمیّة.
مصطلحات مفتاحیّة:
الفقه السیاسیّ، التیّار التقلیدیّ، الفقاهة، التیّار الحداثیّ، التیّار التجدیدیّ، الفقه الفردیّ، الفقه الاجتماعیّ، فقه الزمان والمکان، الحجّیّة، الفعّالیّة، النظام المعرفیّ السیاسیّ، ...
مقدِّمة:
قبل انتصار الثورة الإسلامیّة فی إیران، کان ثمّة تیّاران فقهیّان مشهودان:
ا. التیّار الأوّل: کان مدعوماً ومؤیَّداً من قِبَل المثقّفین العلمانیّین، وهو تارةً یرى أنّ الإسلام لا یملک من الأساس خاصّیَّة الحضور فی کافّة المیادین الاجتماعیّة، ولا یستطیع مواکبة المجتمع والاستجابة لمتطلّباته ومعالجة مشکلاته ومعضلاته، وتارةً أخرى یرى أنّ المسلمین لا یحقّ لهم شرعاً تشکیل الحکومة فی عصر الغیبة؛ وإذا وجدنا فی التعالیم الدینیّة أحکاماً وتعالیم ذات بعد سیاسیّ واجتماعیّ، فهی تتعلّق –حصراً- بزمن تشکیل الحکومة فی عصر حضور المعصوم (ع).
2. التیار الثَّانی: یعتقد -خلافاً للاتّجاه الأوّل- بحضور الدین فی المیادین السیاسیّة والاجتماعیّة، ویرى أنَّ الإمام الخمینی (قده) قد استطاع من خلال قیادته وإرشاداته أن یحقّق أوّل حکومة إسلامیّة فی عصر الغیبة، ولکنَّ أصحاب هذه النظریّة -سواء قبل الثورة أو بعدها- لم یتمکّنوا من الانضواء فی جبهة واحدة، بل یظهر من خلال تتبّع کتبهم الفقهیّة، والتدقیق فی تراثهم الفکریّ أنَّ لهؤلاء الفقهاء نظرتین إلى الدین والمصادر الدینیة. وتأثّراً بهاتین النظرتین تشکّلت فی وسطهما رؤیتان فقهیّتان أو فقاهتیّتان؛ هما:
- الرؤیة الأولى: ترى أنّ مهمّة الفقیه بیان الوظائف الشرعّیة للمسلمین، وإزالة الموانع التی تعترض طریق إجراء الأحکام الإلهیّة؛وبعبارة أخرى: مهمّة الفقیه هی مساعدة المکلَّفین على القیام بأمر تدیّنهم وتعبّدهم بالشریعة الغرَّاء.
وبهذه الرؤیة یجعل الفقیه موضوع علم الفقه ومسائله، وحتّى الأمثلة والتقسیمات، فی دائرة تحقیق تلک الغایة المذکورة.
- الرؤیة الثانیة: ترى أنَّ للأفراد -زیادة على ما یتّصفون به من هویّة وحقیقة فردیّة؛ تقع موضوعاً لکثیر من الأحکام- هویّة وحقیقة اجتماعیّة؛ هی بدورها تقع موضوعاً لکثیرٍ من الأحکام أیضاً، وینبغی للفقیه أن یعرف کِلى هذین الموضوعین؛ أی کلاًّ من الهویّة الفردیّة والهویّة الاجتماعیّة، ویبیّن أحکام کلٍّ منهما.
وهذان الموضوعان لیسا منفصلین فی ما بینهما؛ بل لا یقبلان الانفکاک أیضاً؛ إذ إنّ الفصل بینهما یساعد على الانجرار إلى تلک النظرة الأولى؛ أی النظر إلى الفقه من زاویة البعد الفردی فقط.
أولاً: التیارات الفقهیّة السیاسیّة المعاصرة:
لقد کان التیّاران الفکریّان سالفا الذِّکْر، إلى ما قبل انتصار الثورة الإسلامیّة فی إیران؛ هما المتصدّیین الفعلیّین للقضایا والمشکلات الملمّة بالمسلمین.
وإبّان انتصار الثورة الإسلامیّة وسریان حاکمیّة الفقه الشیعیّ فی ساحات الحکومة والسیاسة، وانتصار القائلین بعدم فصل الدّین عن السیاسة على القائلین بالفصل، فی تلک الأثناء وفی تلک الظروف، دخل کلا التیّارین الفکریّین المذکورین ساحة النظام السیاسیّ. وقد أدخل هذا الأمرُ الفقهَ الشیعیّ فی مواجهة تامّة مع القضایا المستجدَّة والمثیرة للجدل.
وقد زادت هذه النزاعات والمعضلات (الناشئة من طبیعة تصدِّی الدولة الدینیّة)، إلى حدّ أنّ الفقهاء أصبحوا فی مختلف ساحات التشریع فی مواجهة تامّة مع المعضلات الاجتماعیّة المختلفة (السیاسیّة والحقوقیّة والاقتصادیّة)؛ الأمر الذی جعل الناس یتوقّعون من الدولة تقدیم الحلول الدینیّة لکلٍّ من تلک المعضلات.
ومن تلک الحلول التی عُرضِتَ فی العقود الثلاثة الماضیة، تبرز ثلاثة تیارات فکریّة وسیاسیّة، یشارک اثنان منها -نوعاً ما- فی ترسیخ الحاکمیّة والبعد التشریعیّ للدّین، کما یسعى کلٌّ منها -من وجهة نظره- إلى الخروج بحلول للأزمات السیاسیّة الاجتماعیّة للبلاد؛ وهذه التیارات هی:
1. التیّار الأوّل: تیار الفقاهة التقلیدیّ:
دخل معترک السیاسة بنظرة فردیّة إلى الفقه –على الرغم من اعتقاده بحضور الدین فی میدان الاجتماع- ویسعى، بنظرته تلک، إلى تحلیل الأزمات الحالّة بالنظام السیاسیّ الإسلامیّ، وتقدیم الحلول والطروحات. وقد بیّن هذا التیّار أنّ حدوث الأزمات الاجتماعیّة والسیاسیّة هو نتیجة البعد عن معارف الإسلام الأصیل وأحکامه؛ لذا، یعتقد أصحاب هذه النظریّة أنّ الدور الأساس للحکومة الدینیّة هو تطبیق الأحکام، والسعی إلى إخراجها إلى حیّز الظهور العملیّ فی حیاة الناس.
وقد رکّزت هذه الرؤیة الفقهیّة جلّ نظرها فی کافّة المیادین والشؤون الاجتماعیّة على البعد الفردیّ للأحکام وحسب؛ وإذا ما اهتمّت ببعض الأحکام الاجتماعیّة، فإنّها تفسّرها تفسیراّ فردیّاً، ولا تتمتّع برؤیة فقهیّة جامعة.
إنّ الاجتهاد وفهم الأحکام الدینیّة بالنسبة إلى أصحاب هذه الرؤیة، یتطلّب بذل جهود علمیّة کبیرة، والاعتماد على أصول وقواعد خاصّة بمنهجیّة الاستنباط. وعلى الرغم من اعتبار ذلک من الممیّزات الإیجابیّة للاتّجاه الفقاهتیّ التقلیدیّ، فإنّ قلّة اهتمامهم بعقلانیّة الطرق والمناهج والاجتهادیّة وعرفیّتها، وعدم إیمانهم بإمکان تطویر هذه المناهج وتوسعتها، وعدم اهتمامهم بـ"علم الموضوع"، وحصر الاستنباط فی فهم الأحکام التکلیفیّة؛ کلّ ذلک یُعدّ من نقائص هذا المنهج المعرفیّ الاستنباطی وإخفاقاته.
2. التیّار الثانی: التیّار الحداثیّ العلمانیّ:
وهو یحاول حلّ المعضلات والآفات التی یمکن أن تتوجّه إلى نظام الجمهوریّة الإسلامیّة، عن طریق قبول المنهج المعرفیّ الحدیث، والقبول بالنتائج العلمیّة والفلسفیّة للفکر الغربیّ، والأخذ بأسس الحداثة وقواعدها. ومع کلّ ما یتّصف به أصحاب هذه النظریّة من خصال التدیّن، فإنّهم یُرجعون کلّ تمایز بین تعالیم السماء ومنتج الحداثة إلى الرجعیّة ومحاربة العلم.
وفی المحصّلة، یرى هذا التیّار الفکریّ أنَّ منشأ حدوث الأزمات السیاسیّة والاجتماعیّة وتشکّلهما یعود إلى مرحلة العبور من التقلید إلى عصر الحداثة فی المجتمع الإیرانیّ.
وانطلاقاً من هذه الرؤیة، فإنّ غایة ما یتعلّق بالدین من دور لا یتعدّى الدَّائرة الفردیّة والحیاة الشخصیّة للنَّاس، ولا یمکن تعلیق الآمال علیه فی حلّ الأزمات الاجتماعیّة؛ إذ ینبغی طلب ذلک فی إصلاح القوانین الفاسدة، ومعالجة مواضع الفساد فی الثقافة العامّة لدى الناس، وفی الاهتمام بأنموذج التنمیة الشاملة الاقتصادیّة والاجتماعیّة.
على الرغم من کلّ ما بین هذین التیّارین الفکریّین والفقهیّین من اختلافات فی مجال المعرفة والتحلیل، وطرح الحلول الاجتماعیّة والسیاسیّة للبلاد؛ فهما یشترکان فی أمر واحد؛ وهو توجیه التیّار السیاسیّ والتشریعیّ الدینیّ نحو نظام وضعیّ علمانیّ؛ بفارق واحد؛ هو أنّ التیّار الأوّل یُعدّ مسبِّباً لنوع من العلمنة فی المجال العملیّ، وأمّا التیّار الثانی؛ فهو الحامی -نوعاً ما- للعلمنة فی المجال العملیّ والنظریّ، وما یبقى للدین والنتیجة -فی نهایة الأمر- هو عجزه عن حلّ المعضلات السیاسیّة والاجتماعیّة!
3. التیّار الثالث: تیّار الفقاهة التجدیدیّ:
یعتقد هذا التیّار أنَّ للدین -مضافاً إلى خلوده- بعداً اجتماعیّاً، وأنَّ للنبی (ص) والأئمّة الأطهار (عله) شخصیّة حکومیّة ولائیّة.
وعلى هذا النحو یرى أصحاب هذه النظریّة أنّ أحد الأدلّة على إثبات الحکومة الإسلامیّة هو تلک الماهیّة الاجتماعیّة للقوانین والتشریعات الإسلامیّة، وهم بذلک یسعون إلى طرح الحلول المناسبة فی عصر حاکمیّة الدولة الإسلامیّة؛ لتحطیم کلّ السدود والحواجز التی قامت بفعل النظرة الفقهیّة التقلیدیّة للدّین؛ باعتبار أنّ الحکومة الإسلامیّة المستندة إلى فقه الرسائل العملیّة هی مطلب الناس، کما یسعون -أیضاً- إلى القضاء على ذلک الفهم السطحیّ للدّین لدى المحدّثین فی عالم التدّین، ویطمحون إلى إخراج الفکر الحکومیّ للدّین إلى حیّز الظهور.
إنّ هذا التیّار الفکریّ من خلال تقدیمه تعریفاً جدیداً للفقه، وإنتاجه علقة وطیدة بین الفقه والدولة، وطرحه سبلاً جدیدة للحلّ -من قبیل: تشخیص المصلحة، وجعل الحکم الولائیّ فی عرض الأحکام الأوّلیّة والثانویّة، والتنظیر لتأثیر عامل معرفة الزمان والمکان فی عملیّة الاجتهاد- یسعى من خلال ذلک کلّه إلى إخراج الحاکمیّة الفقهیّة إلى فضاء الحیاة الفسیح.
لقد استطاعت الثورة الإسلامیّة أنْ تُوجِد تحوّلات جذریّة على الصعید الفقهیّ، وأن تستحدث ساحات جدیدة لحضور علم حدیث البنیة له فاعلیّته فی البلاد؛ تحت عنوان "الفقه السیاسیّ" فی النظام الجامعیّ للبلاد. هذا العنوان الدراسیّ الوارد فی الأبحاث الدراسیّة الجامعیّة بعد انتصار الثورة، وبالأخصّ فی حقول التخصّصات السیاسیّة، قد أدّى -تأثّراً بتلک النظریّات الثلاث- إلى حدوث اتّجاهات وردود مختلفة.
ثانیاً: توجّهات التنظیر للفقه السیاسیّ:
لعلّ أول تعریف مطروح للفقه السّیاسیّ فی الکتب الجامعیّة کان متأثّراً إلى درجة کبیرة بتلک النظرة الفردیّة ومحوریّة التکلیف الحاکمة على الفقه التقلیدیّ.
وحیث إنّ علم الفقه -وفق هذه الرؤیة- هو الکفیل بدراسة فعل المکلّف؛ من حیث الوجوب، والحرمة، والإباحة، والاستحباب، والکراهة؛ فقد عُرِّف الفقه بـ"العلم بالأحکام الشرعیّة العملیّة من أدلّتها التفصیلیّة"[2]. وفی النتیجة، فإنّ الفقه السیاسیّ -أیضاً- عبارة عن "العنوان الذی نطلقه نحن الیوم على کافّة الأبحاث المطروحة فی الفقه، فی مجال الجهاد، والأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، والحسبة، والخراج، والفیء، والأموال..."[3]. وخلاصة هذه النظرة إلى الفقه السیاسیّ هو ما نعرِّفه بـ "فهم الأحکام السیاسیّة للمکلّفین". وبهذا التعریف یصبح الفقه السیاسیّ مترادفاً مع الحقوق والواجبات السیاسیّة.
أمّا الرؤیة الثانیة، فتطرح للجمع بین التدیّن ومحوریّة الدولة أصلین مهمّین؛ هما:
- الأصل الأوّل: محوریّة الأصل العقلانیّ؛ إذ إنّ الأساس العقلانیّ فی باب سیاسات الحرکة الفقهیّة، مخدوش فی مواضیع رئیسة، وأغلب الفتاوى والنظریّات الفقهیّة فی باب السیاسات لیس لها تبریر عقلانیّ فی العصر الحاضر؛ حیث أصبحت الأنظمة السیاسیّة فی مواجهة مباشرة مع مستجدّات ومتطلّبات تُطرَح من موقع نظریّة الحاکمیّة الواسعة القویّة للدولة بکلّ أقسامها ومن مقولة حفظ الحقوق العامّة، والذی یزید المشکلة تعقیداً أنّ تلک المستجدّات لم یکن لها وجود فی عصر صدر الإسلام[4].
- الأصل الثانی: أنّ النصوص المعتمد علیها من قِبَل الفقهاء فی مقام استنباط فتاواهم الفقهیّة ورؤاهم السیاسیّة لم تکن فی صدد الإجابة عن الإشکالات المطروحة فی زماننا؛ بل کانت النصوص المتعلّقة بالسیاسة مرتبطة بزمن نزول الوحی والمستجدّات الاجتماعیّة والسیاسیّة لذلک العصر، وکانت فی صدد وضع الأنظمة العادلة والأخلاقیّة لتلک الواقعیّات والمستجدّات[5].
فی النتیجة، وبناءً على الأصلین أعلاه؛ یُقترَح التوجّه فی باب السیاسات إلى الأوامر والنواهی الکلّیّة العامّة الإلهیّة؛ مثل: لزوم العدالة، وحفظ المقاصد الخمسة للشریعة. ومع التعهّد والالتزام بذلک، وبعقلانیّة العصر الحاضر، ینبغی تفسیر العدالة بما یتناسب مع الوقائع الاجتماعیّة، السیاسیّة، الاقتصادیّة، والثقافیّة للمجتمعات الإسلامیّة، کما ینبغی تشیید بنیان النظام الاجتماعیّ السیاسیّ والاقتصادیّ العادل، على أساس ذلک التفسیر[6].
ویلاحظ -أیضاً- أنّ هذه النظرة -من خلال تقدیمها تعریفاً للحدّ الأدنى للدین- تهبط بالإسلام إلى مستوى الإیمان الشخصیّ والأخلاق الفردیّة، وتختصر توقّعات البشر من الدین فی العصر الحاضر؛ بجملة من الحاجات العاطفیّة والحالات الباطنیّة!
أمّا الرؤیة والتوجّه الثالث؛ فیرى أنّ أکبر خطر مُحدق بالمجتمعات الإسلامیّة یکمن فی التحجّر والنزعة الأخباریة فی النظر إلى الفقه، والتقلیل من الشأن الاجتماعیّ فی ممارسة الاستنباط، وحصر الاجتهاد فی الفقه الفردیّ والتفسیرات الوضعیّة للدین!
ویسعى هذا التوجّه الثالث -عبر نقده للرؤیة الفقهیّة التقلیدیّة القائمة على محوریّة المکلّف والبعد الفردیّ- إلى تقدیم رؤیة مختلفة تماماً عن النظرة التقلیدیّة للفقه والدّین.
ومن جملة المفکَّرین المعتقدین بهذه الرؤیة، یبیِّن الشهید السیَّد محمد باقر الصَّدر (قده) -خلال بیانه لأهداف الحرکة الاجتهادیّة- أنَّ ثمّة مجالین لتطبیق الشریعة الإسلامیة فی الحیاة؛ أحدهما: تطبیق الشریعة فی مجال الحیاة الفردیّة، والآخر: فی مجال الحیاة الاجتماعیّة العامّة؛ حیث یرى أنّ الاجتهاد، وإنْ کان ینبغی له أن یواکب کلّاً من المجالین، لم یکن فی سیرته التاریخیّة کذلک؛ بل کان الجانب الغالب على الاجتهاد هو الاجتهاد فی مضمار تطبیق الفقه فی الحیاة الفردیّة؛ فلا بدَّ من إحداث تحوّل فی الفقه فی جانب الدقّة والعمق، وأنْ یتعمّق البحث والتحقیق؛ حتّى نصل إلى النظریّات الفقهیّة الأساسیّة. وأن لا نکتفی بالعناوین الأوّلیّة؛ بل نتجاوز هذا الحدّ، حتى نصل إلى الآراء الأساسیّة المبیِّنة للرؤیة الإسلامیّة[7].
ومن منظار آخر، یرى رائد هذا التیّار الفکریّ والفقهیّ -وهو الشهید مرتضى مطهّری (قده)- أنّ تهمیش مبحث العدل وأصل العدالة الاجتماعیّة، یُعَدُّ العامل الأبرز لرکود الفکر الاجتماعیّ لدى الفقهاء، وعزلة الفقه عن الفلسفة الاجتماعیّة[8].
لکنّ التحوّل الأساس فی موضوع النظریَّات الفقهیّة والحکومیّة، ینبغی طلبه والبحث عنه فی أفکار مؤسِّس الجمهوریّة الإسلامیّة ورؤاه؛ حیث یقول الإمام روح الله الموسوی الخمینی (قده)، الذی أسّس لرؤیة جدیدة للفقه والحکومة: إنّ "الحکومة فی نظر المجتهد الواقعیّ هی الفلسفة العملیّة لکافّة أبواب الفقه فی شتّى مجالات الحیاة. الحکومة هی التی تجسِّد البعد العملیّ للفقه فی التصدِّی لکافّة المعضلات الاجتماعیّة والسیاسیّة والعسکریّة والثقافیّة. الفقه هو النظریّة الواقعیّة والمثالیّة لإدارة الإنسان والمجتمع من المهد إلى اللحد"[9].
لقد بدأ الإمام (قده) بشرح رؤیته فی ساحة الفقه السیاسیّ؛ بتوجیه النقد إلى الرؤیة التقلیدیّة، وسعى من خلال إدخال إصلاحات فی هذه الرؤیة التقلیدیّة إلى عرض رؤیته الجدیدة. لقد سعى الإصلاح الأوّل الذی أُدخل على التعریف إلى النظر برؤیة محض سیاسیّة واجتماعیّة إلى هذا العلم الدینیّ حدیث النشأة؛ لذلک عرّفه بقوله: "هو مجموعة القواعد والأصول الفقهیّة والقانونیّة التی تتکفّل تنظیم علاقات المسلمین؛ بعضهم مع بعض، ومع غیرهم فی العالم؛ بناءً على مبانی القسط والعدل، على أنّ تحقّق الفلاح والحرّیّة والعدالة لا یتمّ إلا فی ظلّ التوحید العملیّ"[10].
طبقاً لهذه النظریّة، ینقسم الفقه السیاسیّ عملیّاً إلى قسمین رئیسین؛ هما:
- القسم الأوّل: هو تلک الأصول والقواعد المتعلّقة بالسیاسة الداخلیّة وتنظیم العلاقات الدَّاخلیّة للمجتمع الإسلامیّ.
- القسم الثَّانی: هو تلک الأصول والقواعد المتعلّقة بالسیاسة الخارجیّة وتنظیم العلاقات الدّولیة مع العالم الإسلامیّ.
وقد سعت هذه الرؤیة الإصلاحیّة التجدیدیّة التی واجهت "الرؤیة التقلیدیّة"، إلى توسعة دائرة الأحکام الفقهیّة؛ ولهذا اعتقد أصحاب هذه الرؤیة أنَّ الأحکام الفقهیّة تنقسم إلى طائفتین: خاصّة وعامّة.
والحکم الخاصّ هو الذی یکون موضوعه فرداً معیّناً أو أفراداً محدّدین؛ سواء أکان المکلّف بالامتثال أو بالترک فرداً معیّناً؛ کما هو شأن النبی (ص) فی الخصائص التی اختُصّ بها من بین المکَلّفین، أو عدّة أفراد على نحو العموم الإفرادیّ أو البدلیّ أو المجموعیّ؛ کوجوب الصلاة والصوم، والواجبات الکفائیّة وأحکام العقود والإیقاعات والأحوال الشخصیّة؛ بینما الحکم العامّ هو الحکم الذی لا یکون موضوعه فرداً أو أفراداً، بل المجتمع کلّه؛ مثل: القوانین والمقرّرات الثقافیّة والصحّیّة، الحرب والسّلم، الضمان، الأمور المالیّة، والقوانین الحقوقیّة والجزائیّة والسیاسیّة والاقتصادیّة والدولیّة[11].
والخطوة الأخرى على هذا الصعید -أی ما یتعلّق بسدّ الثغرات والنقائص المرتبطة بالفقه التقلیدیّ- هی التی أخرجت الفقه السیاسیّ عن دائرة الأحکام الفقهیّة الحاضرة، وتوجّهت به نحو المستحدثات والقضایا المعاصرة؛ لذا بادر أصحاب هذه الرؤیة إلى تعریف الفقه السیاسیّ على أنَّه: "یُحّدِّد وظیفة المکلّف فی مواجهة القضایا السیاسیّة الراهنة"، ویصبح متعیَّناً -مع تبنِّی هذا التعریف- أن یصار إلى توسعة الأبواب الفقهیّة؛ مقارنة بما هی علیه فی الفقه الفردیّ التقلیدیّ.
لذا، فهم یُقَدِّرون أنّه "قد تکون مسألة ما غیر مطروحة من رأس فی فقهنا التقلیدیّ، ویتمکّن الفقیه عبر الأخذ بطرق الاستنباط من أن یجد أجوبة لتلک المسائل، بل أنْ یفتح أبواباً جدیدةً فی ذلک العلم"[12].
وکذلک تعتبر الرؤیة الإصلاحیّة أنّ مشکلة التعاریف الحالیّة هی فی حصرها للأحکام الفقهیّة فی دائرة الحیاة الفردیّة. لذا، فهی تحاول -رغبة منها فی الخروج من دائرة الانحصار هذه- تعریفه على هذا النحو: "هو العلم بالأحکام الشرعیّة الفرعیّة المتعلّقة بالنظام العامّ من الداخل، وقواعد تنظیم العلاقات الخارجیّة والدولیّة من أدلّتها التفصیلیّة"[13].
ثالثاً: تقویم توجّهات التنظیر الفقهیّ السیاسیّ:
إنّ الرؤیة التقلیدیّة للفقه السیاسیّ هی ولیدة قرون من عزلة الفقه الشیعیّ عن المیادین السیاسیّة والاجتماعیّة. هذه العزلة السیاسیّة (أو الانزواء السیاسیّ)، بالقدر الذی استطاعت فیه أن تحوّل الدّین من مرتبته الوسیعة الجامعة، إلى حیث الفقه فی معناه الاصطلاحیّ؛ أی العلم بالأحکام، فقد أبقت على محدودیّته فی المجال السیاسیّ.
وبعد انتصار الثورة الإسلامیّة فی إیران، لم یسارع هذا التیّار التقلیدیّ إلى تبدیل نظرته الجزئیّة[14] للمواضیع والأحکام، إلى نظرة کلّیّة شاملة ذات اتّجاه جمعیّ، ولم یسعَ إلى توسیع دائرة الأحکام المتکفّلة بیان أفعال المکلّفین وإیضاحها، کما لم یجعل جُلَّ اهتمامه فی استنباط الأحکام السیاسیّة المتعلِّقة بالمیادین الاجتماعیّة؛ الأمر الذی یتطلّب رجوع الفقیه إلى أهل الاختصاص والخبرة؛ بغیة الخروج باجتهاد أکثر دقّة وأوفر علماً فی الموضوعات السیاسیّة!
ولعلّ من الممکن القول إنّ کلّاً من توسعة دائرة الأحکام التکلیفیّة، والرجوع إلى أهل التخصّص، لیس بمقدوره أن یُخرج الفقه السیاسیّ من حالة الانفعال فی مواجهة الظواهر السیاسیّة والاجتماعیّة والقضایا المصیریّة؛ لذا، فإنّ المتعیِّن هو أن یُصار إلى إضافة هذه النقطة إلى مجموعة الانتقادات التی أوردها أصحاب النظرة الإصلاحیّة فی الفقه التقلیدیّ؛ حیث إنّ النظرة الفردیّة إلى الفقه السیاسیّ تنظر إلى الدّین من زاویة الأحکام التکلیفیّة، وبخاصّة الأحکام الفردیّة، فقط -وإنْ کانت لا تُنکر سائر المجالات المعرفیّة للدّین-، فهی عاجزة عن تقدیم تفسیر یکون بمقدوره بیان مکانة المعارف العقلیّة والأخلاقّیة والاجتماعیّة فی منظومة الدّین الشاملة والوسیعة. وفی النهایة لیس الدّین عندهم شیئاً سوى التعبّد، ولیس من دور للحاکم الشرعیّ سوى إصدار الأحکام، ولیس من وظیفة المکلّفین سوى الامتثال.
وأمّا لو تأمَّلنا فی تعریف الرؤیة الثالثة للدّین وفهمها؛ فسوف نجد أنّ الدین -فی منظور أصحاب هذه الرؤیة- لیس هو الحکم أو التعبّد المحض وحسب؛ بل هو مجموعة من المعارف والعقائد والأنظمة والأحکام أیضاً، وبهذا یُلحظ أنّ الحکم هو المرحلة الأخیرة من الدین، ولیس تمام الدّین.
لذا یمکن القول إنّ من جملة الموضوعات الدینیة: بیان القیم، وتفسیر کلّ ما یتعلّق بـتعریفات "علم الوجود"، والإنسان، والمجتمع، مضافاً إلى بیان الأحکام والحقوق.
ولا یخفى أنّ الإسلام فی جامعیّته لا ینظر إلى الأمور المذکورة نظرة مجتزأة ومقتطعة؛ بل هو یؤکّد على الرؤیة الکلّیّة والشاملة فی "المنظومة الفکریّة".
وفی النتیجة، فإنّ جامعیّة الدّین وشمولیّته تقعان جنباً إلى جنب مع خلود معارفه. ویمکن الخروج بهذه النتیجة من تعریف التیّار التقلیدیّ للدّین الذی یختصر الدین فی الأحکام والتعبّد. إنّ سبب اتّجاه تعریفات الفقه السیاسیّ إلى "فهم الأحکام السیاسیّة من المصادر الدینیّة"[15] یکمن فی أنّه یرى فهم الدین منحصراً بفهم الموضوعات التکلیفیّة المتعلّقة بالمکلّفین؛ لذا ترافق فهم هذا التیّار للدین مع خصیصتین مهمّتین؛ هما: النظرة "الجزئیّة التقریریّة"، ومحوریّة المکلّف، فی حین أنّ من المتوقّع من الاجتهاد فی الدین -وفق رؤیة التیّار الثالث- فهم نظام المعارف الکلّیّة للدّین واستنباطه أیضاً.
وبنظرة إجمالیّة یمکن القول: إذا کان التقلیدیّون یُؤکِّدون على حفظ الدّین والقیمَ الدّینیّة فی المیادین السیاسیّة والاجتماعیّة، ویضحّون فی سبیل حفظ حجّیّة السِّیَرِ الاجتماعیّة، بفعّالیّة الدّین ودینامیّته، فإنّ المجدِّدین الدینیّین (التیَّار الثانی) فی المقابل یرون فعّالیّة الأطروحات والمواضیع الدینیّة ودینامیّتها، ولکنْ عن طریق القول باستحالة ثبات القِیَم وأحکام الإسلام الخالدة!
وفی التعارض القائم بین التیّارین -حیث یُرکِّز أحدهما دائرة اهتماماته على إثبات الحجّیّة الشرعیّة للمواضیع والرؤى الدینیّة، ویرکِّز الآخر على إثبات فعّالیّة الدِّین- یصبح بمقدور الاتّجاه والتیّار الثالث -بتلک الرؤیة التی یمتلکها- أنْ یثبت نجاحه فی میدان العمل، وأن یؤمّن فی نظریّة واحدة وفی نسبة منطقیّة منسجمة مع کلتا الرؤیتین؛ عنصری الحجّیّة وفعّالیّة الأطروحات الاجتماعیّة للدِّین.
وواقع الأمر أنَّ هدف الفقه السیاسیّ ومعیار إنتاجیّته یکمن فی تقدیم الأجوبة الدینیّة عن المعضلات السیاسیّة فی مجال الحیاة العامّة.
وعلى أساس هذا الهدف، فإنّ مناقشة الفقه السیاسیّ لیست بمعنى تقدیم الحکم وطرحه حتماً؛ بل المراد منها تقدیم الطروحات والنماذج الدّینیّة؛ والمراد من النماذج الدّینیة هو مجموعة من الأطروحات والبرامج التی قد لحظ فیها منطق الحجّیّة الدینیّة؛ أی المبنیّة على المقاصد والمبانی الشرعیّة أولاً، والتی تستفید من الفعّالیّة اللازمة؛ بالنظر إلى الظروف الاجتماعیّة والسیاسیّة لکلّ عصر ثانیاً. والمراد من الفعّالیّة هو امتلاک نظریّةٍ ما للقدرة على الإشارة إلى سُبُل التصرّف والتغییر فی الوقائع الخارجیّة.
طبقاً لهذه الرؤیة، لیس المراد من الفقه فی مفهوم الفقه السیاسیّ هو ذلک الفهم التقلیدیّ والاصطلاحیّ للفقه؛ أی بمعنى فهم الأحکام التکلیفیّة فقط، بل المراد من الفقه هو الفهم العمیق للدّین، وکذلک لیس شأن الفقیه فی المجتمع الإسلامیّ بیان الأحکام الشرعیّة فقط، بل لا بدّ من أن تتوافر فی الفقیه القدرة على طرح أنموذج فعَّال لحلّ المعضلات السیاسیّة، وذلک بما یتطابق مع فهمه الکلّیّ للدّین، وبما یتناسب مع الظروف الاجتماعیّة للعصر.
ولعلّ من الممکن القول فی هذه الحالة إنَّ مرادنا من الفقه السیاسیّ هو مجموعة الأجوبة الدینیّة على المعضلات السیاسیّة فی مجال الحیاة العامّة.
إنَّ تبنِّی مثل هذا التعریف للفقه السِّیاسیّ یستدعی إحداث تحوّل فی النظرة إلى مجموع الدّین والفقه. وعلى أساس هذه النظرة یأخذ الفقه موقعه الحقیقیّ، وتکون نتیجته إحداث حالة من الحذر لدى مخاطبیه: {وَمَا کَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِیَنْفِرُوا کَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ کُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِیَتَفَقَّهُوا فِی الدِّینِ وَلِیُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَیْهِمْ لَعَلَّهُمْ یَحْذَرُونَ}[16].
إنّ لازمة هذا التأثیر إحداث حالة من الإدراک لنظام عالم الوجود، قبل دخول الفرد إلى عالم المعارف والفقه هذا؛ أی تُحدِث لدیه رؤیة أنّه یعیش فی عالم منظّم، ویدرک هذه العظمة وحجم علاقاته بهذا العالم المنظَّم؛ حیث یحتاج ویفتقر فیه إلى الوحی والدّین فی کافّة المجالات والمیادین الفردیّة والاجتماعیّة.
هذا الفقه الذی یضع الفرد فی عالم منظّم ویُحدِث له حالة من "الحذر" -حیث لا خلاف ولا شقاق عندما یکون ثمّة نظام- لیس بفقه الحکم؛ سواء أکان تقلیداً أم فعّالاً؛ بل هو فقه الدین: {لیتفقّهوا فی الدّین}.
وهذا الفقه الذی یهتمّ بکشف أهداف الدین ومقاصده؛ ویهتمّ کذلک بإیجاد فهم کلّیّ ومنظّم عن الإنسان والدّین والعالم؛ لهو أکثر أصالة من "فقه الحکم" الذی هو فقه فردّی وجزئیّ، یتمحور على التکلیف بمفرده!
إنّ متطلّبات هذا الفقه هی أکثر بکثیر من متطلّبات فقه الحکم. وطبقاً لهذه الرؤیة، لن یبقى الفقه السیاسیّ ضمن مجموعة فقه الحکم التی تشمل قسماً من أحکام الشؤون العامّة، کما تشمل أحکام الشؤون الفردیّة والخاصّة؛ بل هو بذاته علمٌ له منطقه الداخلیّ الخاصّ.
رابعاً: الفقه السیاسیّ والنظام المعرفیّ السیاسیّ فی الإسلام:
بناءً على ما تقدّم، یمکن الخروج بهذه النتیجة: إنّ الخاصّیّة الأهمّ للنظرة التقلیدیّة إلى الفقه السیاسیّ هی نظرتها المجتزئة، وفقدانها الرؤیة الجامعة والشاملة. هذه الرؤیة تنظر إلى جمیع المعضلات السیاسیّة من زاویة المسائل الحقوقیّة؛ کما تنظر غالباً من هذا الجانب من خلال رؤیتها الفردیّة والتکلیفیّة.
هذا، فی حین یمکن معرفة النظام السیاسیّ فی الفکر الدّینیّ عن طریق النظرة الکلّیّة والشاملة، التی بمقدورها أن تطال الرؤیة الإسلامیّة فی ساحة السیاسة والحکومة، کما یمکن بواسطتها -أی النظرة الکلّیّة والشاملة- معرفة النظام الاجتماعیّ العامّ (السیاسیّ، والحقوقیّ، والاقتصادیّ)، ووجه ارتباطه بالأنظمة المعرفیّة والأخلاقیّة والتربویّة.
ولذا یمکن القول: لا ینبغی النظر إلى الفقه السیاسیّ بوصفه مجموعة لها مبانیها التحتیّة المختلفة فقط؛ بل على أنّ هذه الدائرة هی جزءٌ من مجموعة اجتماعیّة أکبر، فی التعامل مع سائر المجموعات المتشابهة؛ مثل: الأنظمة الحقوقیّة والاقتصادیّة.
ویتبیّن بهذا التوصیف أنّ الفقه السیاسیّ الذی یستعرض نفسه أمامنا بوصفه نظاماً هو -قیاساً إلى النظام الاجتماعیّ- نظام متقطّع. وهذا النظام المتقطّع ینقسم إلى أنظمة متقطّعة فی داخله.
وبهذا الوجه یمکن اعتبار الرؤیة المنظّمة للمجتمع وللحیاة البشریّة -أی تحلیل أجزاء المجتمع الإنسانیّ، بعضها بالنسبة إلى بعضها الآخر، وتحلیل المجتمع بوصفه کلاً ومجموعة حیَّة وهادفة- أحد تداعیات عدم التفکیک بین النظرة التوسّعیّة، والنظرة المقتدرة للفقه السیاسیّ.
وجدیر بالذکر أنّنا لو استعملنا کلمة ومفهوم "سیستم"؛ بدلاً من کلمة "نظام"؛ فإنّ ذلک لا یخلو من التسامح.
وعلى کلّ حال، فمِن بین التعاریف المطروحة للنظام، اهتمَّ بعضهم بعنصری الترابط (الاتّصال) والهدفیّة، وعرّفوا النظام بمجموعة عناصر مرتبطة بعضها ببعضها الآخر وهادفة، ولکنّهم لم یوضّحوا جیّداً مرادهم من نوع الارتباط بین العناصر، وماهیّة هذه العناصر والهدفیّة، کما إنّ بعضهم أضاف على هذه الخصائص خاصّیّة أن یکون ذا معنى.
وبهذا سعوا إلى أنْ یُوجدوا بین المواضیع والعناصر المندرجة فی نظامٍ ما تناسباً معنویّاً وعلاقة تتخطّى المعنى والواقعیّة.
ومرادنا من النظام هو نوع النظام المعرفیّ الذی هو من سنخ المقولات والمفاهیم، ولکنّه غیر ناظر إلى القواعد الصوریّة والانتزاعیّة؛ بل إلى الواقعیّة وحیاة الناس، وهو الذی یوفّر الحضور الفعّال الفکریّ والعملیّ للإنسان فی الحیاة.
وطبقاً لهذه الرؤیة، فإنّ النظام تیّار یعطی المعنى والقیمة لمجموعات متّصلة ومترابطة بعضها ببعضها الآخر وهادفة، ویقدّم تفسیراً لوجودها. وبهذا التوصیف یصحّ إطلاق "النظام" على أیّ إیدیولوجیّة مادّیّة أو مذهب فلسفیّ. وعلیه یمکن القول: فی نظام معرفیّ کهذا ینبغی توافر خصائص رئیسة عدّة؛ هی:
- الأولى: تکثّر العناصر الداخلیّة وتعدّدها؛ إذ النظام هو مجموعة معقّدة ومرکّبة.
- الثانیة: العلاقة المتبادلة، وعلى أکثر من صعید (متعدّدة الجوانب)؛ بین المفاهیم والمواضیع أنفسها، وبین المفاهیم والحقائق العینیّة.
وعلیه، فإنّ ترکیب العناصر المنظّمة سوف ینتج لنا وحدة ترکیبیّة، مضافاً إلى أنّ للاتّصال والعلاقة بین العناصر جذراً وأساساً فی الوقائع الخارجیّة (اتّصال فوق نطاق المعنى) أیضاً.
- الثالثة: الالتئام والانسجام بین العناصر الداخلیّة للنظام؛ إذ ینبغی من خلال الحفاظ على المبانی والمقاصد ذات الصلة، أن تتکامل العناصر فی ما بینها، ویحدث بینها الانسجام التامّ.
- الرابع: الغائیّة والهدفیّة.
خاتمة:
إنّ ضرورة التنظیم تعنی ضرورة تصدّی الدین لکافّة أسئلة الإنسان؛ الصغیرة والکبیرة، الرئیسة وغیرها، فی مختلف المجالات الفردیّة والاجتماعیّة، وعلى صعید الوجود بأجمعه.
هذه الضرورة تتضاعف أهمّیّتها مع اقتدار الدّین، وبلوغ مرحلة الحکومة، وبخاصّة أنّ الإسلام -الیوم- یواجه مختلف المدارس البشریّة، التی تدّعی أنّ بمقدورها حلّ کافّة المعضلات السیاسیّة والاجتماعیّة للناس فی عصرنا هذا.
ومن هنا، فعلى الإسلام أن یطرح نظریّاته بشکل منسجم ومترابط.
وبالمناسبة، فنحن الیوم لا نواجه الفقه الحنفیّ أو الشافعیّ والحنبلیّ أبداً. وإنّما الفقه المقارن الیوم یضعنا فی مواجهة مع المدارس التربویّة والأخلاقیّة والسیاسیّة والاقتصادیّة والحقوقیّة المعاصرة؛ تلک المدارس التی تحّولت عملیّاً إلى أنظمة، وهی مشغولة على الدوام بالترمیم وبإعادة صیاغة نفسها؛ بمعونة التجربة.
ونحن فی قبال هذه المدارس المنسجمة والمنظّمة ینبغی أن نمتلک القدرة على طرح الأنظمة الدینیّة، فی قبال الأنظمة الوضعیّة، وإلا فإنّ المتشابهات والإشکالیّات الجزئیّة والکلّیّة فی الأجزاء والجزئیّات والقیاسات، تؤدّی إلى وقوع الاشتباه والمغالطة فیها، إلى درجة أن نساوی بین "الأومانیسم" والنزعة الإنسانیّة، وبین مبعث کرامة الإنسان وخلافته، وبین الحرّیّة والاختیار فی الدّین، وبین الدیمقراطیّة واللیبرالیّة!
ویمکن بیان فوائد الرؤیة المنظّمة للدّین على الشکل الآتی:
- معرفة مکانة الأحکام وروحها.
- معرفة علاقة کلّ حکم بالأجزاء الأخرى للنظام وبغیره من الأحکام.
- التصدّی المنسجم والمنتظم (القائم على المبانی والمقاصد) للمشکلات الناشئة من مختلف الساحات الفردیّة والاجتماعیّة للنَّاس.
- تحدید نوع علاقة منطقیّة بین مجموعة المفاهیم الدینیّة، من المعارف إلى الأحکام.
- حلّ معضلة ثبات الدّین والعالم المتغیّر، وکذلک الأصولیّة الدینیّة والنظرة التوسّعیّة له.
- الخروج برؤیة شاملة وکلّیّة ومترابطة، للتعالیم الدینیّة.
- طرح الأنظمة الدینیّة المنافسة للأنظمة الناشئة من المدارس الوضعیّة الأخرى.
[1] باحث فی الفکر الإسلامیّ، من إیران.
[2] مهریزی، مهدی: "فقه حکومتى (فقه الحکومة)"، مجلة نقد ونظر، العدد12، ص146-147.
[3] عمید زنجانی، عباس: فقه سیاسى (الفقه السیاسیّ)، ج2، ص50.
[4] انظر: مجتهد شبسترى، محمد: نقد بر قراءت رسمى از دین (نقد القراءة الرسمیّة للدین)، ص108-112.
[5] انظر: م.ن، ص108.
[6] انظر: م.ن.
[7] انظر: الصدر، محمد باقر: "الاتّجاهات المستقبلیّة لحرکة الاجتهاد"، مجلة فقه أهل البیت (عله)، فصلیّة فقهیّة تخصّصیّة، تصدر عن مؤسّسة دائرة معارف الفقه الإسلامی طبقاً لمذهب أهل البیت (عله) فی قم المقدّسة، العدد1، 1416هـ.ق/ 1995م، ص13-21.
[8] انظر: مطهّری، مرتضى: مجموعة أصول الدین (1) "العدل الإلهیّ"، ط1، بیروت، دار الإرشاد، 1433هـ.ق/ 2012م، ص309-317.
[9] الخمینی، روح الله: صحیفة النور، ط1، طهران، مؤسّسة تنظیم ونشر تراث الإمام الخمینی (قده)، 1378هـ.ش، ج21، ص289.
[10] شکورى، أبو الفضل: فقه سیاسى، ص76.
[11] انظر: کرجى، أبو القاسم: تاریخ فقه وفقها (تاریخ الفقه والفقهاء)، ص8.
[12] حقیقت، سید صادق: توزیع قدرت (توزّع القوّة)، ص20.
[13] لکزایى، نجف: سیاست دین ونظم سلطانى (سیاسة الدین والنظام الملکی)، ص58.
[14] أو ذات الاتّجاه الجزئیّ أو الفردیّ.
[15] بور سید آقایى، مسعود: دین ونظام سازى (الدین وصناعة النظام)، ص292.
[16] سورة التوبة، الآیة 122.