نظریّة الحاکمیّة السیاسیَّة فی الفکر الإسلامیّ المعاصر -دراسة تقویمیّة-

نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

جامعة

المستخلص

لم یعرف علماء الإسلام قبل القرن العشرین فکرة تخلّی الشریعة عن مهامها فی تنظیم المجتمعات المسلمة، کما لم یعرفوا نظریّة حکم لا تستمدّ أصولها من الإسلام، لکنْ بعد تفکّک الإمبراطوریّة العثمانیّة ظهر أنموذج (الدولة الوطنیّة) على مقاییس "سایکس-بیکو" المتأثّرة بالأنموذج الغربیّ، وظهر میل لتبنّی هذا الأنموذج.. ومن ردود الفعل على هذا الاغتراب هو ظهور جماعات دینیّة  متشدّدة نادت باستئناف الخلافة (المفقودة)، وفرض حاکمیّة الجماعات الإسلامیّة، تحت دعوى الحاکمیّة الربّانیّة؛ وهی فی الحقیقة حاکمیّة الفهم المتشدّد والتاریخیّ للمسلمین. وکان ممّن أعاد إنتاج هذا المفهوم أبو الأعلى المودودیّ فی دیباجة دستور باکستان، ونظّره سیّد قطب بصیاغته صیاغة إیدیولوجیّة حرکیّة فی کتابیه: "معالم فی الطریق"، و "فی ظلال القرآن".
وهذا البحث یقارب الدلالة القرآنیّة ویناقش الفهم الرادیکالیّ للآیات المُستدلّ بها على الحاکمیّة؛ مقارنةً بالمفهوم المتعارف علیه عند المفسّرین والمفکّرین المسلمین فی طول التاریخ المعرفیّ، مع إلفات النظر إلى خشیة باحثین من أن یفضی هذا الأنموذج إلى مصادرة فقه الاجتهاد، ومراعاة المتغیّرات، والفراغ التشریعیّ، وتشکیل دولة (ماضویّة) متحجّرة. لذلک وضع بعضهم بدیلاً؛ اسماه " حاکمیّة الإنسان فی ظلّ الشریعة".
وبعبارة موجزة: المقالة هی حوار فکریّ تأویلیّ یتحرّک على دوائر الدلالة التفسیریّة، وما ینتج عنها فکریّاً؛ خشیة الوقوع فی فخّ الإیدیولوجیا الرادیکالیّة؛ بدل المعرفة الدینیّة.

نقاط رئيسية

أوَّلاً: مفهوم الحاکمیَّة

ثانیاً: الحاکمیَّة فی الفکر الأصولیّ المعاصر

  1. الحاکمیَّة عند أبی الأعلى المودودیّ
  2. الحاکمیَّة عند سیّد قطب

ثالثاً: مناقشة الأدلَّة القرآنیَّة المسوقة للاستدلال على عقیدة الحاکمیَّة

الكلمات الرئيسية


نظریّة الحاکمیّة السیاسیّة فی الفکر الإسلامیّ المعاصر-دراسة تقویمیّة-

أ. الدکتور عبد الأمیر کاظم زاهد[1]

خلاصة المقالة:

لم یعرف علماء الإسلام قبل القرن العشرین فکرة تخلّی الشریعة عن مهامها فی تنظیم المجتمعات المسلمة، کما لم یعرفوا نظریّة حکم لا تستمدّ أصولها من الإسلام، لکنْ بعد تفکّک الإمبراطوریّة العثمانیّة ظهر أنموذج (الدولة الوطنیّة) على مقاییس "سایکس-بیکو" المتأثّرة بالأنموذج الغربیّ، وظهر میل لتبنّی هذا الأنموذج... وکان من ردود الفعل على هذا الاغتراب ظهور جماعات دینیّة متشدّدة نادت باستئناف الخلافة (المفقودة)، وبفرض حاکمیّة الجماعات الإسلامیّة، تحت دعوى الحاکمیّة الربّانیّة؛ وهی فی الحقیقة حاکمیّة الفهم المتشدّد والتاریخیّ للمسلمین. وکان ممّن أعاد إنتاج هذا المفهوم أبو الأعلى المودودیّ فی دیباجة دستور باکستان، ونظّر له سیّد قطب بصیاغته صیاغة إیدیولوجیّة حرکیّة فی کتابیه: "معالم فی الطریق"، و "فی ظلال القرآن".

یقارب هذا البحث الدلالة القرآنیّة، ویناقش الفهم الرادیکالیّ للآیات المُستدلّ بها على الحاکمیّة؛ مقارنةً بالمفهوم المتعارف علیه عند المفسّرین والمفکّرین المسلمین فی طول التاریخ المعرفیّ، مع لفتِ النظر إلى خشیة باحثین من أن یفضی هذا الأنموذج إلى مصادرة فقه الاجتهاد، ومراعاة المتغیّرات، والفراغ التشریعیّ، وتشکیل دولة (ماضویّة) متحجّرة؛ لذلک وضع بعضهم بدیلاً أسماه: "حاکمیّة الإنسان فی ظلّ الشریعة".

وبعبارة موجزة: المقالة هی حوار فکریّ تأویلیّ یتحرّک على دوائر الدلالة التفسیریّة، وما ینتج عنها فکریّاً؛ خشیة الوقوع فی فخّ الإیدیولوجیا الرادیکالیّة؛ بدل المعرفة الدینیّة.

 

مصطلحات مفتاحیّة:

الحاکمیّة، المفهوم الأصولیّ، السیاق القرآنیّ، الانتقائیّة الذرائعیّة، حاکمیّة الکتاب، الحاکمیّة عند المودودیّ، الحاکمیّة عند سیّد قطب، البعد العقدیّ للحاکمیّة، المعرفة المتوارثة، فقه المتغیّرات، الشریعة الکاملة، الدولة الوطنیّة، ...

 

مقدّمة:

یُعدّ مفهوم الحاکمیّة من أکثر المفاهیم المتداولة فی الفکر الإسلامیّ المعاصر، وقد أثار هذا المفهوم جدلاً معرفیّاً وخلافات فکریّة بین أصحاب الاتّجاهات الإسلامیّة الحرکیّة والأصولیّة؛ سواء الدعویّة منها، أو السلفیّة والجهادیّة. فقد اعتبر بعضهم مفهوم الحاکمیة هو المحور الأساس للممارسة الدعویّة لإقامة دولة الإسلام الشرعیّة، کما صار هذا المفهوم عندهم قاعدةً لبناء النظریّات السیاسیّة الإسلامیّة، ولاسیّما فی جانب الأسس الفلسفیّة والعقدیّة لنظام الحکم، على الرغم من أنّ هذا المفهوم ینتابه الغموض فی النشأة والأبعاد والمستند المرجعیّ، فضلاً عمّا یؤسّسه من آثار خطیرة على الواقع السیاسیّ المعاصر فی العالم الإسلامیّ؛ کإقامة الدولة الشمولیّة العقدیّة ذات الصبغة المتشدّدة...

وفی عالم تتّسع فیه آفاق الحوار والنزعة للتعاون، تبدأ نقطة الانطلاق فی هذا المفهوم من فهمنا للدین الإسلامیّ على أنّه دین یقدِّم لمعتنقیه نظریّة وجودیّة للکون، ونظماً قانونیّة للإنسان، وقیماً أخلاقیّة للفضائل؛ فمن جهة الرؤیة الکونیّة؛ فالله تعالى هو الخالق المدبّر القادر الحاکم على مخلوقاته المادّیّة والإنسانیّة، وبیده مقالید هذه المخلوقات؛ وهذه تسمّى "الحاکمیّة التکوینیّة". ومن جهة الرؤیة التشریعیّة أنزل -تعالى- قرآناً فیه أوامر ونواهٍ وتشریعات ملزمة للناس؛ وهذه هی "الحاکمیّة التشریعیّة". وقد أوصلت التجربة النبویّة الرؤیة العقدیّة الوجودیّة الکونیّة للخلق والخالق والمعاد إلى الإنسان، وطبّقت التشریعات التی نزلت فی مجال العبادات، والمعاملات، والسیاسات، والقضاء، والجنایات، على مجتمع النزول القرآنیّ وما بعده؛ حتّى سقوط الخلافة العثمانیّة عام 1924م.

فنقطة الانطلاق فی مفهوم الحاکمیّة موجودة فی مضمون الدین، ولا سبیل إلى إنکار ذلک أوتأویله؛ إذ تسنده العشرات من النصوص القرآنیّة والنبویّة.

وقد استثمر المفهوم المعاصر للحاکمیّة هذا الأصل المتأصّل فی مضمون الدین، ولکنّه صاغ الحاکمیّة صیاغة إیدیولوجیّة[2] تتّفق مع مصالح وتوجّهات دنیویّة قائمة، کما کان قد طُبِّق تاریخیّاً -أیضاً- فی ممارسة سیاسیّة دنیویّة إبّان احتجاجات الخوارج على الإمام علیّ (ع) لقبوله التحکیم عام 36هـ.ق، فرفعوا شعاراً سیاسیّاً اختاروا نصّه من القرآن؛ وهو قوله -تعالى-: {إن الحکم إلا لله}؛ لدعم توجّههم السیاسیّ، واستثمره احتجاج ابن تیمیّة على قانون جنکیز خان المسمّى بـ "الیاسق"[3] الذی کان یحکم به التتار مجتمع المسلمین، فقاسوا القوانین الوضعیّة المعاصرة على الیاسق، ثمّ تناوله الداعیة الهندیّ أبو الأعلى المودودیّ[4]؛ وهو یقف ضدّ جماعة الرابطة الإسلامیّة التی نادت بدولة مستقلّة خاصّة بالمسلمین؛ على أساس أنّ المسلمین یشکّلون قومیّة لها ثقافتها الخاصّة، وضدّ دعوة غاندی لإذابة الإثنیّات کلّها فی الوطنیّة الهندیّة. کان المودودیّ یعارض الأنموذجین؛ فهو لا یرى أنّ المسلمین قومیّة، وإنّما کان یراهم أمّة عقدیّة قابلة للاتّساع، ولا یوافق على إقامة دولة تتساوى فیها کلّ الإثنیّات، کما لا یوافق على إقامة دولة تتساوى فیها جمیع الأدیان ضمن مفهوم الوطنیّة الهندیّة، فأسّس الجماعة الإسلامیّة عام 1940م التی طالبت باستقلال باکستان؛ بوصفها دولة خاصّة بالمسلمین الذین یشکّلون أمّة عقدیّة، وساهم بوضع دستور إسلامیّ للدولة الجدیدة، واحتاج أنْ یضع لهذا الدستور رؤیة فکریّة، فقدّم له نظریّة الحاکمیّة أساساً فلسفیّاً وعقدیّاً لتطبیق الشریعة[5]. وقد ظهر ذلک فی کتابیه: "المصطلحات الأربعة"[6]، و"نظریّة الإسلام وهدیه"، ثمّ أعاد إنتاجه ودعمه مفکّرُ الإخوان سید قطب فی کتابه "معالم فی الطریق"[7]، وفی تفسیره "فی ظلال القرآن"؛ بتحویله إلى نظریّة حرکیّة سیاسیّة، ولاسیّما بعد الصدام العنیف الذی حصل بین الإخوان المسلمین وبین حکومة مصر فی أوائل الستّینات من القرن الماضی.

وقد تبلورت نظریّة الحاکمیّة حتّى صار المفهوم بعد المودودیّ وسیّد قطب محور الممارسات الدعویّة والحرکیّة للأصولیّة الإسلامیّة المعاصرة، ومرتکزاً عقدیّاً لنظریّة الخلافة الإسلامیّة المستعادة.

بناءً على ما تقدّم، سوف تتناول هذه المقالة بحث مفهوم الحاکمیّة، وتتعرّض إلى أدلّته الشرعیّة التی استُدلّ بها على المفهوم الجدید للحاکمیّة، ثمّ تبیّن النقد الذی وجّهه المعارضون للأدلّة، على أن یُختم البحث بالإشارة إلى الآثار الدینیّة والاجتماعیّة والسیاسیّة للمفهوم الأصولیّ للحاکمیّة والمفاهیم التی طرحت بدائلَ لها عند مفکّری الإسلام السیاسیّ.

 

أولاً: مفهوم الحاکمیّة:

استعمل القرآن الکریم لفظ "الحکم" ومشتقّاته[8] أکثر من مائة مرّة؛ یرید فی أکثرها معنى "الشرع" و"قانون المجتمع"، وفی بعضها الآخر معنى "القضاء".

فقد جاء فی القرآن الکریم قوله -تعالى-: {یا داود إنّا جعلناک خلیفة فی الأرض فاحکم بین الناس بالحقّ}[9]. وورد فی تفسیرها قول الطبری: "أی یا داود إنّا استخلفناک فی الأرض من بعد من کان قبلک من رسلنا حکماً بین أهلها"[10]. وذکر الرازی فی تفسیرها وجهان: "الأوّل: إنّا جعلناک یا داود تخلف من تقدّمک من الأنبیاء فی الدعوة إلى الله وسیاسة الناس. الثانی: إنّا جعلناک مالکاً للناس ونافذ الحکم فیهم. وقوله: {فاحکم بین الناس بالحقّ}؛ أی لا بدّ من حاکم بین الناس، فکن أنت ذلک الحاکم؛ أی: إنّ الله فوّض خلافة الأرض إلیه؛ ومعنى الخلافة: أنّه یخلف من تقدّمه من الأنبیاء فی سیاسیة الناس، أو أنّ الله -تعالى- جعله ملکاً على الناس وحکمه نافذ"[11].

ومن هذه الاستعمالات -أیضاً- قوله -تعالى-: {فإنْ جاؤوک فاحکم بینهم أو أعرض عنهم}[12]، حیث دلّ اللفظ على أنّ المراد بالحکم هو "القانون" أو "الشریعة الکاملة"؛ وکذلک قوله تعالى: {وکیف یحکّمونک وعندهم التوراة فیها حکم الله}[13]، {إنّا أنزلنا التوراة فیها هدى ونور یحکم بها النبیّون}[14].

ویظهر ممّا تقدّم أنّ الحکم فی هذه الآیات ونظائرها یدور بین معنى القانون الذی تُناط به قیادة المجتمع الممنوحة للأنبیاء (عله)؛ بوصفهم مستخلفین من الله، أو معنى القانون للفصل بین الناس. ونظراً إلى تقیید الأمر "فاحکم" بکلمة "بالحقّ"؛ فإنّ السلطة الممنوحة إنّما تؤخذ بالاعتبار إذا تمّ التیقّن من أنّ الحاکم لا یحکم إلا بالحقّ، وهذا القید جوهریّ.

ومن أمثلة ورود لفظ "الحکم" فی القرآن الکریم بمعنى القضاء؛ قوله -تعالى-: {إنّ الله یأمرکم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها وإذا حکمتم بین الناس أن تحکموا بالعدل}[15]؛ فهذه الآیة صریحة فی مجال القضاء؛ بوصفه قدراً متیقّناً منها؛ لأنّ العدل قرین القضاء الصالح، ولاستعمال کلمة "بین"؛ فلو کان أراد قیادة الدولة، لماً کان للفظة "بین" حاجة فی الجملة؛ لذلک قال الطبری: "إنّ الآیة خطاب موجَّه إلى ولاة المسلمین أنْ یحکموا فی منازعات الناس بالعدل"[16]. وقال الرازی: "إنّ الآیة توجب على من کان حاکماً أن یحکم بالعدل"[17].

وبناءً على ما تقدّم، یظهر أنّ الاستعمال القرآنیّ للفظة "الحکم" یدور بین معنیین؛ هما:

-       الشریعة الکاملة أو قانون المجتمع

-       قانون القضاء والفصل بین الخصومات

والراجح أنّ القضاء أو قانون التقاضی وفصل الخصومات یدخل فی مضمون الشریعة أو قانون المجتمع؛ فیعود الموضوع إلى معنى واحد؛ وعلى هذا المعنى نجد أکثر العلماء وأغلب علماء أصول الفقه فی مصنّفاتهم یعّرفون الحکم بأنّه: خطاب الشارع المتعلّق بأفعال المکلّفین[18]، ویذکرون أنّ الحاکم هو الله، ویؤکِّدون أنْ لا حکم إلا له؛ لأنّ الخلق والأمر النافذ له، وله حکم المالک على مملوکه[19]. ویضیف الأشاعرة منهم: أنّ العقل لا یحسّن ولا یقبّح، ولیس له دور فی التشریع، ولا حکم قبل ورود الشرع[20]؛ وهذه الرؤیة الأشعریّة هی فی مقابل رؤیة المعتزلة والعدلیّة الذین یرون أنّ ما یراه العقل حسناً؛ فهو حسن شرعاً، وأنّ متعلّق الثواب والعقاب هو الحسن والقبح العقلیّین، وأنّ الشرع یثیب على ما حسّنه العقل، ویعاقب على ما قبّحه العقل؛ لأنّ العقل هو الحجّة الباطنة، والنقل هو الحجّة الظاهرة[21]. ولذلک قال ابن أمیر الحاج: "إنّ الحاکمیّة هی الحکم على الأشیاء من حیث الثواب والعقاب"[22].

ویظهر أنّ المراد بالحاکمیّة فی التراث المعرفیّ الإسلامیّ هو اعتماد شریعة الله فی إدارة شأن المجتمع والدولة؛ وهی الشریعة التی یطبّقها الأنبیاء العدول (عله). واختلف فی المراد بالشریعة: هل هی القواعد الکلّیّة والمبادئ العامّة والأوامر والنواهی والإرشادات والتعالیم الإلهیّة التی أوحى الله بها إلیهم لبناء مجتمعات تنعم بعطف الله ورحمته، ویتکامل فی أجوائها الإنسان فی قدراته العقلیّة والروحیّة والمادّیّة؛ لکی یعبد الله عبادة الأتقیاء، أو عموم الاجتهادات الفقهیّة التی تختارها الدولة؟!

والجواب أنّ الحاکمیّة على نوعین؛ هما:

- الحاکمیّة التکوینیّة: وهی إرادة الله وحکمه فی خلق الکون، وتدبیر المخلوقات للکینونة والقدرة المطلقة (المشیئة الإلهیّة)؛ أی إنّ الله -تعالى- خلق الکون ضمن قوانین طبیعیّة مُحْکَمة تتحرّک مکوّنات الکون على طبقها.

- الحاکمیّة التشریعیّة: وهی القواعد القانونیّة التی شرّعها الله -تعالى- لتنظیم حیاة الإنسان وفعّالیّات المجتمع فی ظلّ عقیدة التوحید الإلهیّة والقیم الدینیّة الفاضلة.

ویربط کثیرٌ بین النوعین؛ إذ الأولى ثابتة بالدلیل العیانیّ، فی حین أنّ الثانیة ثابتة بالأولویّة والضرورة؛ لأنّ أمر الخلق لا یستقیم إلا بانسجام حرکة الإنسان مع حرکة المخلوقات ونظامها التکوینیّ[23]، وللحاکمیّة غایة فی أن توجد البیئة التی تیسّر عبادة الخلق للخالق؛ لأنّ المقدّمة فی عبادته هی محض معرفته وطاعة أوامره؛ لتحقّق مصالح البشریّة بها؛ ولکون المصلحة والمفسدة من متعلّقات الأحکام. فالحاکمیّة التشریعیّة فی التراث الإسلامیّ هی مفهوم حقوقیّ دستوریّ لصیاغة الحقوق والواجبات، حیث الطاعة مقابل العدل؛ إذا حکم الأنبیاء المستَخلَفون، وأمّا مع غیرهم؛ فالحکم بالعدل والحقّ مطلوب لأغراض الطاعة من باب أولى. ومع الأنبیاء (عله) یتیقّن الناس أنّهم مسدّدون، لکنْ مع غیرهم لا بدّ من مناهج الاجتهاد والعقل ومراعاة المصالح وممارسة التفکّر فی ملء فراغ التشریع؛ لأنّ التجربة الإیمانیّة الربّانیّة تسعى إلى صنع إنسان مکرّم مکفول وآمن، یتمتّع بحقوقه وحرّیّاته، وینعم برقیّه وتکامله العامّ، فالحاکمیّة فی هذا المنظور وسیلة لتکامل الإنسان وسعادته. فإذا لم تحقّق له ذلک؛ لم تکن من عند الله تعالى. وإذا لم تجلب له الشقاء والویلات والفواجع؛ فهی من منابع الشرّ، ولیست من هبات الربّ!

 

ثانیاً: الحاکمیّة فی الفکر الأصولیّ المعاصر:

   ظهرت فی واقعنا المعاصر تنظیرات فکریّة أصولیّة للحاکمیّة تخرجها من الإطار الفقهیّ إلى العقدیّ، ومن الإطار التنظیریّ إلى العملی، وترجع هذه التنظیرات بجذورها التأسیسیّة إلى فکر أبی الأعلى المودودیّ وإضافات سیّد قطب علیه بصدد تنظیرهما للحاکمیّة. ولذا سوف نتناول بالتحلیل فکرة الحاکمیّة عند کلٍّ منهما.

 

1. الحاکمیّة عند أبی الأعلى المودودیّ:

أعید تنظیر مفهوم الحاکمیّة فی الفکر الأصولیّ على ید الداعیة الهندیّ أبی الأعلى المودودیّ، حیث استفاض فی شرح المفهوم؛ منطلقاً من أنّ الله -تعالى- الخالق والمدبّر الذی بیده مقالید کلّ شیء؛ له السیادة المطلقة على مجریات الکون؛ بما فیه الإنسان، وهو -وحده- الذی یمتلک حقّ تشریع الإباحة والتحریم، وهو -وحده- الذی یستحقّ العبادة والطاعة والألوهیّة، ولیس لفردٍ ولا لمؤسّسةٍ -حتّى البشریّة کلّها- أن تدّعی أیّ سیادة؛ إذ الملک لله وحده، وقوانین الإسلام هی التجسید الشرعیّ لأوامره؛ وهذه هی الحاکمیّة التی لا یسع أحداً من الناس أن لا یمتثل إلیها؛ لأنّها ترتکز على عدد من الآیات القرآنیّة؛ بل على فکرة العبودیّة التامّة التی یجب على الإنسان الالتزام بمقتضاها؛ لأنّ حیاة البشر تعود بجملتها إلى الله، فلا یقضون بشأن من شؤونها، ولا فی أیّ جانب من جوانبها من عند أنفسهم؛ بل یرجعون فیها إلى حکم الله لیتّبعوه. وما عداه فهو عبودیة لغیر الله أو حاکمیّة العباد للعباد[24].

ویطوّر المودودیّ رؤیته للحاکمیّة، فیقول: إنّ من أبرز الدواعی للحاکمیّة خضوع الکون لله وحده الذی بعث الرسل لیقیم فی العالم العدالة الاجتماعیّة على أساس ما أنزل من البیّنات، فلا بدّ للدولة الإسلامیّة من أنْ لا تترک مساحة فی الحیاة الإنسانیّة لغیر الشریعة، ولا بدّ من أنْ تکون دولة شاملة محیطة بالحیاة الإنسانیّة بأسرها، ولا بدّ من أن تطبع کلّ فرع من فروع الحیاة الإنسانیّة بطابع نظریّتها الخلقیّة وبرنامجها الإصلاحیّ، ولیس لأحدٍ أن یقوم بوجهها ویستثنی أمراً من أمورها؛ لأنّ الحکم الحقیقیّ فی الإسلام هو الله[25].

ویقول المودودی:"خلاصة القول أنّ أصول الألوهیّة یظهر جوهرها فی السلطة؛ سواء اعتقد بها  الناس من حیث إنّ حکمها على هذا العالم حکم مهیمن على قوانین الطبیعة، أم اعتقدوا بها من حیث إنّ الإنسان فی حیاته الدنیا مطیعٌ لأمرها وتابعٌ لإرشادها، وأنّ أمرها فی حدّ ذاته واجب الطاعة والإذعان"[26]. وبعد أن یقدّم آیات کثیرة للاستدلال على دعواه، یقول إنّ هذه الآیات جمیعها تتضمّن فکرة رئیسة واحدة؛ وهی أنّ کلّاً من الألوهیّة والسلطة تسلتزم کلّ واحدة الأخرى[27]؛ "فالذی لاسلطة له لا یمکن أنْ یکون إلهاً، ولا ینبغی أن یتّخذ إلهاً"[28].

ویرى المودودی أنّه بقراءة هذه الآیات یتبیّن أنّ القرآن یجعل الربوبیّة مترادفة مع الحاکمیّة (Sovereignty)[29]؛ فحقیقة الربوبیّة -عنده- هی السلطة، وحقیقة العبادة هی الطاعة، والنبی هو الممثّل للسلطة العلیا، کما إنّ القانون الذی یضع قیود التحریم والتحلیل هو قانون الله فقط، وأمّا القوانین الأخرى -کیفما کانت- فهی باطلة ومردودة. ویعتقد المودودی أنّ الحکم والسلطة لا یقبل کلّ منهما التجزئة والتقسیم، فالذی یعتقد أنّ أمراً -کائناً ما کان- یمکن أن یأخذه من دون الله؛ فإنّه یأتی بأفعال الشرک؛ مثل الذی یأتی به من یدعو غیر الله ویسأله[30]. وبهذا، ینقل المودودی قضیّة الحکم والسلطة من نطاق الفقه والفروع -کما یعتقد أغلب المسلمین السنّة- إلى نطاق العقائد والأصول. وبهذا العرض لم تترک نظریّة المودودیّ أیّ دور للإنسان فی رسم مناهج الحیاة -حتّى فی الفروع والتفاصیل- إذ إنّ الحاکم هو الله وحده.

 

2. الحاکمیّة عند سیّد قطب:

لقد تسرّبت فکرة المودودیّ إلى المفکّر الإخوانیّ المصریّ سیّد قطب، فتملّکه إعجاب بکتاب "المصطلحات الأربعة"، ووافقه فی الآراء والأفکار؛ حیث قلّل من شناعة عبادة الأصنام فی الجاهلیّة الأولى، ورأى أنّ الشرک المعاصر أکثر جحوداً؛ لأنّ جاهلیّة القرن العشرین -کما ورد فی تنظیراته- أساسها الاعتداء على سلطان الله وأخصّ خصائص الألوهیّة؛ وهی الحاکمیّة؛ کونها تسندها إلى البشر، فتجعل بعضهم عبیداً لبعضهم الآخر... وذلک فی صورة ادّعائهم الحقّ فی وضع التصوّرات والقیم والشرائع والقوانین بمعزل عن منهج الله[31]. وبذلک یتّفق سید قطب تماماً مع المودودیّ فی أنّ قبول التشریع من غیر الله عبادة لغیره[32]، ویشرح کلمة "لا إله إلا الله"، فیرى أنّ معناها لا حاکمیّة إلا لله، ولا شرعیّة إلا من الله، ولا یفهم منها إلا ردّ الحاکمیّة إلى لله[33].

وهنا تلزم الإشارة إلى أنّ المفسّرین من مختلف مدارسهم، ومن عصور متعدّدة، لم تتّفق کلمتهم على أنّ الآیة التی ساقها المودودیّ وسیّد قطب هی نصّ فی ارتداد مَنْ لم یحکم بما أنزل الله،کما إنّ إثبات النفی لیس دلیلاً على ضدّه؛ أی إنّ وصف مَنْ لم یحکم بما أنزل الله بالکفر لا یعنی إلزام الناس بالحکم بما أنزل، إلا على مسلک مفهوم المخالفة؛ وهو مفهوم الشرط؛ وهو حجّة غیر مُلزمة من الناحیة الدلالیّة، ناهیک عن أنْ یکون المراد بما أنزل الله هو فهم خاصّ للدین.

وقد قام سیّد قطب بنقل فکرة الحاکمیّة من عقیدة ساکنة عند المودودیّ إلى عقیدة متحرّکة؛ حیث یصرّح أنّ ربوبیّة الله وحده تعنی الثورة على حاکمیّة البشر بجمیع صورها وأشکالها والتمرّد الکامل علیها[34]، ثمّ یوسّع نطاق حرکیّة عقیدة الحاکمیّة باتّجاه الناس، فیرى أنّ التحاکم إلى القوانین البشریّة -أیّاً کانت- هو مخالفة للدین، وإشراکٌ فی الحاکمیّة[35]؛ لأنّ توحید الألوهیّة یعنی توحید الربوبیّة؛ وهی تعنی حاکمیّة الله[36]. وبذلک فقد أظهر مصطلحاً جدیداً؛ هو توحید الحاکمیّة.

وقد تعمّق المفهوم فی تعبیر سیّد قطب بتصریحه أنّ هذه الفکرة لیست فکرة اجتهادیّة للحوار؛ وإنّما هی ممّا عُلِم من الدین بالضرورة؛ ومعناها أنّ منکر فکرة سیّد قطب کافر مرتدّ، وأنّ من تحاکم إلى غیر شرع الله مرتدّ؛ فـ"من حکّم فی أمرٍ من أمور حیاته غیر الله لیس من المسلمین"[37].

ویُعدّ تفسیر "فی ظلال القرآن" من التفاسیر الحدیثة، فقد کتبه سیّد قطب فی السجن، وضمّنه رؤیته الحرکیّة. ومن یتابعْ تفسیره هذا بخصوص الآیات ذات الصلة بالحکم والحاکمیّة یستطعْ أن یکوِّن صورة واضحة عن رؤیته للحاکمیّة، وعن الإضافة التی أضافها على ما نظّر له مؤسّس عقیدة الحاکمیّة الشیخ المودودیّ.

ویرى سیّد قطب فی تفسیره لآیة الکرسیّ[38] أنّ القاعدة المرکزیّة التی ینبثق عنها التصوّر الإسلامیّ هی التوحید؛ وعنه تنبثق الحاکمیّة، فیکون الله هو المشرِّع للعباد، ویکون التشریع کلّه مستمدّاً من شریعة الله، فلا اعتبار لقیمة من قیم الحیاة إذا لم یقبلها میزان الله، ولا شرعیّة لوضع یخالف منهج الله[39].کما صرّح أنّ الذی حاجّه إبراهیم -على ما ورد فی القرآن الکریم- کان منکراً لحاکمیّة الله، فلمّا أمره الله أنْ یحاججه، وأنْ یبلّغه کلمة الله؛ فقد ظهر أنّ الحاکمیّة هی رسالة الأنبیاء[40].

وفی تفسیره للآیات الأولى من سورة آل عمران، یرى أنّ لهذا الدین حقیقة ممیّزة لا یوجد إلا بوجودها؛ وهی "الطاعة لشریعة الله"؛ وهی الحاکمیّة فی حیاة البشر؛ وهذه هی مثل حاکمیّته فی تدبیر أمر الکون[41]. ویرى أنّ القرآن قد سمّى من لم یحکم بما أنزل الله بـ"الطاغوت"؛ لما فیه من الطغیان بادّعاء إحدى خصائص الألوهیّة؛ وهی الحاکمیّة[42].

وفی معرض تفسیره للآیة 60 من سورة النساء، یرى أنّ القرآن إنّما وصم الیهود بالشرک لأنّهم کانوا یتّخذون أحبارهم أرباباً من دون الله؛ وذلک لأنّهم منحوهم حقّ الحاکمیّة[43].

وفی صدد تفسیره للآیة 70 من السورة نفسها یذهب إلى أنّ الحاکمیّة لله وحده؛ فی ما جلّ وفی ما دقّ، وفی ما کبُر منها، وفی ما صغُر[44].

وفی تفسیره لمطلع سورة المائدة، یرى سیّد قطب أنّ ادّعاء الحاکمیّة من قِبَل البشر هو خروج صریح على الدین[45].

ویتوقّف سیّد قطب کثیراً فی تفسیره للآیات (44-47) من سورة المائدة، حیث یتساءل عن قیمة دعوى الإیمان أو الإسلام باللسان دون العمل؛ إذا کان العمل ینطق بالکفر[46].

ویشاطر سیّد قطب المودودیّ فی "أنّ الزمان استدار کهیئته یوم جاء هذا الدین بـ (لا إله إلا الله)؛ لأنّ بشریّة الیوم ارتدّت إلى عبادة العباد؛ وإنْ ظلّ فریق منها یردّد قول (لا إله إلا الله) على المآذن، دون أنْ یدرک مدلولها؛ لأنّه لم یرفض شرعیّة العباد وحاکمیّتهم"[47].

"فالمشرک من أشرک بإحدى خصائص الألوهیّة؛ سواء بالاعتقاد بألوهیّة أحد مع الله، أو بتقدیم الشعائر التعبّدیّة لأحد مع الله، أو بقبول الحاکمیّة والشریعة مع أحد مع الله"[48]. ویسمّی سیّد قطب مناقشة فکرة التوحید ومستندها وتأویلها "مماحکة" هدفها التهرّب من الحقیقة، ویرى أنّ التأویل فیها تحریف للکلم عن مواضعه، ثمّ یلج سید قطب عالم الصراع السیاسیّ؛ باعتبار أنّ مقولة الحاکمیّة مقولة سیاسیّة، فیقول: "لمّا یئس الیهود من تدمیر المسلمین من خلال الشیوعیّة أو التبشیر، عمدوا إلى إقامة نظم سیاسیّة ]تتزیّى[ بزیّ الإسلام، ولا تنکر الدین جملة، لکنّها تحکم بغیر ما أنزل الله، وتقصی شریعة الله، والناس یتوهّمون أنّهم یعیشون فی مجتمع مسلم"[49].

وفی صدد المقارنة بین الجاهلیّة الأولى والجاهلیّة المعاصرة یقول: "لقد کان العرب فی جاهلیّتهم الأولى أرقى من مجتمعات الجاهلیّة العلمیّة الحدیثة؛ لأنّهم کانوا -فقط- لا یرون الله مشرّعاً؛ بینما الجاهلیّة الحدیثة تنکر علیه حاکمیّته ویزاولونها هم بأنفسهم؛ فهم أکثر شرکاً؛ ولذلک سمّاهم القرآن بثلاث تسمیات: الکفر، والفسق، والظلم"[50].

ویلخّص سیّد قطب عقیدة الحاکمیّة بقوله: "قضیّة التشریع هی قضیّة الحاکمیّة؛ وقضیّة الحاکمیّة هی قضیّة الإیمان"[51]. ویرى أنّ حدود العقیدة والإیمان الذی جوهره الحاکمیّة یتّسع حتّى یتناول جمیع جوانب الحیاة؛ فقضیّة الحاکمیّة قضیّة العقیدة[52].

والمتتبّع لتفسیر "فی ظلال القرآن" یلاحظ فیه:

- أنّه محاولة للبحث عن أسانید قرآنیّة لفکرة مکوَّنة مسبقاً فی ذهن المؤلِّف؛ یتلمّس لها نصوصاً مرجعیّةً؛ باختزال دلالتها على المراد الإیدیولوجیّ من دون أن یراعی الاحتمالات الأخرى التی یحتملها النصّ، ومن دون أن یذکرها؛ بوصفها ممّا یمکن أن ینتجه النصّ ذاته من معانٍ. وهذا لیس تفسیراً للنصّ؛ إنّما استجداء البرهنة من النصوص المرجعیّة على فکرة سیاسیّة اتّخذت مظهراً دینیّاً.

- أنّ کتاب تفسیر  "فی ظلال القرآن" لم یکتشف نظریّة الحاکمیّة؛ وإنّما التقطها من المودودیّ، وحاول الاستدلال علیها؛ لأنّها کانت عند المودودیّ أفکاراً غیر مبرهن علیها مرجعیّاً، فلا یمکن اعتبارها اکتشافاً فکریّاً لسیّد قطب من النصّ؛ وإنّما هی بحث عن طریق التأویل عن أسانید لفکرة سیاسیّة بشریّة.

- أنّ الذی أضافه سیّد قطب لأفکار المودودیّ -إضافة إلى الإسناد بواسطة تأویل النصوص المرجعیّة القرآنیّة وتوجیه دلالتها- هو دعم الفکرة بالسلوک الحرکیّ؛ فقد أوجد الباعث النفسیّ والعقدیّ لمحاولات تحقیق الفکرة على أرض الواقع؛ برسم إستراتیجیّة لمستقبل عمل الجماعات الأصولیّة على وفق ما یحقّق الحاکمیّة.

- توظیف هذا التفسیر لسیرة الأنبیاء التی وردت فی القرآن الکریم على أنّها نماذج عملیّة لفکرة الحاکمیّة؛ فهم دعاتها، وخصومهم هم المتسلّطون على حقّ الله بالتشریع. ویلاحظ علیه أنّه حشد المفاهیم التراثیّة فی سیاقها التاریخیّ محمّلة بقوّتها الدینیّة، وقام بإسقاطها على القضایا المعاصرة للمجتمع مع إحاطتها بالقداسة.

- لم یرَ سیّد قطب مقوّمات الإیمان فی أنّه اعتقاد بالقلب وإقرار باللسان؛ وإنّما جعل المدار على قبول الاحتکام إلى الشریعة. وهذا قد یکون تطبیقاً قسریّاً ربّما یتخلّله النفاق الذی هو بظاهره موافقة للشریعة وبباطنه مخالفة لها؛ إضافة إلى أنّ هذا المسلک فیه قدرٌ کبیر من الاختزال المضمونیّ للإیمان فی جزءٍ منه؛ وهو قبول الاحتکام إلى الشریعة.

- لم تراعِ نظریّة سیّد قطب المراد من مصطلح "الشریعة" فی أنّها النصّ الثابت ذو المعنى المحدّد الظاهر ظهوراً مانعاً من مزاحمة ظهورٍ آخر، وکذلک لم تراعِ القدر الضروریّ من الاجتهاد، وملء الفراغ الذی سمّاه العلماء "منطقة العفو"، أو "منطقة الفراغ التشریعیّ". فالنظریّة ساکتة عن هذا، وتوحی عبارتها فی مواضع کثیرة أنّ صاحبها لا یمیل إلى اعتبار هذا النوع من التقنین؛ على الرغم من أنّه یتوافق مع الضوابط العامّة والقواعد الکلّیّة للشریعة.

- فی تفسیر ظلال القرآن رؤیة تتّهم المجتمع المعاصر برمّته بعدم فهم التوحید والإسلام، وترى فی الذهنیّة الأصولیّة تمجید الأنموذج الأوّل من متلقّی الشریعة الأوائل؛ وفی ذلک ما فیه من إهدار للحاضر والمستقبل.

- فی تفسیر سیّد قطب تصریح بأنّ کلّ الآراء الأخرى فی الحاکمیّة التی تختلف معه هی باطلة، وأنّها تحریف لکلام الله؛ ما یدلّ على انطلاقه من "حالة امتلاک الحقیقة الربّانیّة".

- أشارت بعض المصادر[53] إلى أنّ کتاب سیّد قطب "معالم فی الطریق" قد اکتمل فی مسوّدته الأولى عام 1962م؛ وکان خلاصة مرکّزة من تفسیره فی ظلال القرآن، حیث استفاد من خبرته فی التفسیر، وبرع فی کتاب المعالم لإثبات الحاکمیّة؛ بالعودة المباشرة إلى النصوص، وبناء التحلیل على أسس نقلیّة تختزل الواقع المعاصر بکلّ تداخلاته وتعقیداته فی النصوص، بل کان المنهج یقرأ الواقع من خلال النصّ؛ بما ینتقد به مستند الحاکمیّة.

وبعد هذا العرض التحلیلیّ لفکرة الحاکمیّة من خلال توصیف المودودی وسیّد قطب؛ یمکن ملاحظة أنّها:

- منعت البشر من أیّ مساهمة فی صناعة قوانین الحیاة؛ ولو فی الفروع والتفاصیل وفی ما سکت عنه النصّ.

- منعت الناس من أن یتحاکموا إلى قوانین البشر کافّة؛ فأغلقت باب الإفادة من ثقافات الأمم.

- اعتبرت المشرّع الإنسانیّ والذی یقبل التشریع من الناس مشرِکَیْن.

- قسّمت الناس -بناءً على ذلک- إلى أتباع منهج الله، وأتباع منهج البشر.

- دعت إلى الثورة على أتباع منهج البشر الذین وسمّتهم بالجاهلیّة الجدیدة، واعتبرته حرباً مقدّسة هدفها إنقاذ الإنسانیّة من العبودیّة.

- قرّرت أنّ دور الأنبیاء والرسل هو دور المکلَّف بالتطبیق والتنفیذ، وأنّ الفقهاء مفسّرون للنصّ فقط.

- ألغت النظریّة کلّ شکل من أشکال العلاقة الإیجابیّة مع الآخر الدینیّ، وافتقدت إلى أیّ فسحة للحوار والتسامح بین الاجتهادات المتعدّدة داخل الفکر الإسلامیّ نفسه.

- أصبحت نظریّة الحاکمیّة بهذا الشکل القاعدة الفکریّة الفلسفیّة التی نُقِلت من نطاق الفقه والاجتهاد -بما یتّسم به من مشروعیّة الاختلاف- إلى نطاق العقائد والأصول الأساسیّة التی لا مجال فیها للتعدّد والاختلاف وتباین الآراء.

 

ثالثاً: مناقشة الأدلّة القرآنیّة المُساقة للاستدلال على عقیدة الحاکمیّة:

ساق منظّرو الحاکمیّة السیاسیّة فی الفکر الأصولیّ المعاصر مجموعةً من الأدلّة القرآنیّة للاستدلال على صیاغتهم الإیدیولوجیّة للحاکمیّة، وسنعرض أهمّها ونبیّن وجه الدلالة فیها ونناقشها.

1. قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِیهَا هُدًى وَنُورٌ یَحْکُمُ بِهَا النَّبِیُّونَ الَّذِینَ أَسْلَمُوا لِلَّذِینَ هَادُوا وَالرَّبَّانِیُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ کِتَابِ اللَّهِ وَکَانُوا عَلَیْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَیَاتِی ثَمَنًا قَلِیلًا وَمَنْ لَمْ یَحْکُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِکَ هُمُ الْکَافِرُونَ* وَکَتَبْنَا عَلَیْهِمْ فِیهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَیْنَ بِالْعَیْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ کَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ یَحْکُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِکَ هُمُ الظَّالِمُونَ* وَقَفَّیْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِیسَى ابْنِ مَرْیَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَیْنَ یَدَیْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَیْنَاهُ الْإِنْجِیلَ فِیهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَیْنَ یَدَیْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِینَ* وَلْیَحْکُمْ أَهْلُ الْإِنْجِیلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِیهِ وَمَنْ لَمْ یَحْکُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِکَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[54].

تقریب الدلالة: إنّ تفسیر الآیة، طبقاً لسبب نزولها وحصرها فی کونها خطاباً للیهود، لیس صائباً؛ لأنّ العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص سبب النزول، وهو قول جماهیر أهل العلم. ومقتضى ذلک: أنّ الآیة، وإنْ کانت قد نُزِّلَتْ فی الیهود أو فی واقعة بعینها، فإنّ حکمها یعمّ الناس جمیعاً فی جمیع العصور وعلى اختلاف الوقائع وتنوّع الأحداث. وعلیه، فلا وجه لحصر الآیة فی الیهود. ومن جهة الدلالة، فقد صُدِّرت الآیات الثلاث بلفظ "مَنْ"، وهی من ألفاظ العموم؛ أی دخول کلّ عاقل تحت حکم الآیة، ودلالة العموم استغراقیّة شمولیّة لکلّ من یدخل فی حکمها[55].

نقد الدلالة:

أ. دلالة الآیات بحسب السیاق وأسباب النزول:

سبب نزول الآیة الأولى -کما ورد فی کتب التفسیر ومصنّفات أهل السنّة- أنّها نزلت فی الیهود عندما زنى رجل منهم، وکان حکمه فی التوراة الرجم، فسألوا الرسول (ص) فی شأنه، فلمّا سألهم عن حکمه فی التوراة کتموه وجحدوه وادّعوا حکماً على الله غیر ما جاء فی التوراة[56]، وعندئذ وسمهم بالکفر؛ لأنّهم کتموا الحکم الإلهیّ وجحدوه وغیّروه.

ویشیر النصّ القرآنیّ إلى أنّ الیهود کتموا حقیقة حکم التوراة فی الجنایة تلک؛ فقال: {ولاتشتروا بآیاتی ثمناً قلیلاً}، وعندئذ قال: {ومن لم یحکم بما أنزل الله فأولئک هم الکافرون}، حیث یظهر من النصّ أنّ الذین وسمهم القرآن بالکفر هم أولئک الذین عَلِموا حکم الله وأخفوه عمداً، ورجوا حکماً آخر، على الرغم من أنّهم یزعمون أنّ توراتهم فیها هدى ونور وشریعة، وقد حکم بها النبیّون، فالکفر الذی فی الآیة على فرض أنّنا اعتبرناه "خروجاً من الدین" لا یتحقّق على وفق منطق الآیة، إلا مع الجحد والعناد والضمیمة التی تنتقل من حکم الله عامدة مستحلّة إلى حکم آخر؛ بغیة تخفیف الحکم. وقد جاء الوصف فی ما بعد هذا المقطع بالظالمین والفاسقین لحیثیّاتٍ أخرى.

وتؤکّد الآیة الثانیة مبدأ القصاص -إلا إذا تصدّق المجنیّ علیه- فهو کفّارة له. ثمّ تنصّ الآیة على أنّ من لم یحکم بالقصاص ظالم؛ والظلم أن یُترَک الجانی دون عقاب مستحقّ، والظالم أعمّ من الکافر، ثمّ یطالب النصّ أهل الإنجیل أن یحکموا بما أنزل الله فیه، ویُورِد أنّ من لم یحکم بما فیه فأولئک هم الفاسقون؛ أی "العصاة". ویظهر هنا أنّ الجملة الشرطیّة فی الآیة کانت واحدة: {ومن لم یحکم بما أنزل الله}، وأنّ جوابها تعدّد فی سیاق ثلاث آیات متتابعات، ومن تعدّد الأوصاف یتبیّن:

- أنّ الجاحد المستحلّ الذی یبحث عن حکم من قانون آخر بغیة الحصول على حکم غیر حکم الله، هو "کافر"، وإن اختلفوا فی کفره؛ فقال أکثر المفسّرین إنّه لیس کفر اعتقاد؛ وإنّما کفر عصیان.

- أنّ من لم یعاقب الجناة بالقصاص هو ظالم.

- أنّ أهل الإنجیل إذا ترکوا الاهتداء به فهم فاسقون عصاة.

فالتحلیل السیاقیّ للنصّ لا یساعد أبداً دعاة الحاکمیّة الذین یحتجّون بهذه الآیة على کفر من حکم بشرع غیر شرع الله بلا جحدٍ ولا استحلال ولا معاندة مع الله، ولا یساعد على تکفیر الناس الذین وجدوا نظاماً قانونیّاً تلزمهم به الدولة، فساروا على وفقه؛ فکلّ ذلک حکم باللازم، وهو لازم مدّعى للنصّ غیر لازم.

- إنّ تعدّد الأوصاف (کافرون/ فاسقون/ ظالمون)، على ما بینها من تفاوت فی المعانی، دلیلٌ على أنّ المراد یتبع سیاق الجملة الشرطیّة ذاتها، وتعدّدها على جملة شرط واحدة من الفسق إلى الظلم -وکلاهما من جنس العصیان- یجعل لفظ الکفر من الجنس ذاته؛ أی کفر النعمة، ولیس کفر الجحود.

فمن السیاق ومن أسباب النزول یظهر أنّ النصّ القرآنیّ المُستدلّ به ظنّی الدلالة على مدّعاهم؛ لأنّه یحتمل وجوهاً متعدّدة؛ ولا یصلح ظنّی الدلالة مستنداً للتکفیر. ثم إنّ الکافر کُفْرَ الاعتقاد هو العامد المصمّم على ترک حکم الله؛ ولذا أرید من الکفر الوارد فی الآیة 45 الکفر الأصغر؛ وهو کفر الذنوب والمعاصی، ولیس کفر الاعتقاد؛ لأنّ الحکم بما أنزل الله من أعمال الجوارح، وترک العمل لا یکفی حجّةً على کفر صاحبه؛ وإنْ کان ینتقص من إیمانه. کما إنّ تعدّد الوعید (الکافرون/ الظالمون/ الفاسقون) مرتبط کلّ واحد منه بسابقه من النصّ؛ بحیث یُشعر بالتجانس.

وقد تساءل الدارسون عن جزاء من لا یحکم بما أنزل الله فی الآیة: هل هو جزاء للفرد، أم هو خطاب للجماعة، أم هو حکمٌ خاصٌّ بالدولة؟

فإذا قلنا: إنّه یخصّ مَنْ یقدر على العمل بما أنزل الله -تعالى-؛ فهو خاصّ بالدولة والحاکمین فیها؛ فلا یشمل الأفراد، ولا الجماعات؛ وبالتالی، تعمیم الحکم واستغلاله حجّةً ومستنداً لتکفیر الناس فیه تعدیة لا دلیل علیها؛ لأنّ عامّة الناس لا یتحدّد صلاحها بحسب حکّامهم!

 

ب. دلالة الآیات عند الصحابة والتابعین:

اختلف الصحابة فی دلالة الآیة اختلافاً واضحاً نقله المفسّرون؛ فعن ابن عباس أنّه یراها فی من یجحد حکم الله، فلا یجوز تعمیمها على من لا یجحد. وعن ابن مسعود أنّه یرى عموم الآیة فی الکفّار الذین غیّروا حکم الله. وعن البراء بن عازب أنّه یرى نزولها فی الکفّار خاصّة، فلا دلیل على جعلها فی المسلمین. ومعه الضحّاک وعکرمة وقتادة[57]؛ من التابعین.

 

ج. دلالة الآیات عند المفسّرین:

ورد الاختلاف بین المفسّرین فی المراد من الکفر الوارد فی هذه الآیات؛ فقال الرازی إنّ المقصود من النصّ تهدید الیهود لإقدامهم على تحریف الحکم بتغییر حدّ الزانی، وإنکار حکم الله، ولأجله؛ فهم لا یستحقّون وصف الإیمان[58]. وقد وضّح أنّ المراد من قوله -تعالى-: {ومن لم یحکم بما أنزل الله فأولئک هم الکافرون} هم الیهود، وعقّب بأنّ الخوارج احتجّوا بهذه الآیة؛ فقالوا إنّ کلّ من عصى الله هو کافر، وخالفهم جمهور الأئمّة؛ وهم أهل الحقّ فی محاکمة الرازی للآراء.

ونقل الرازی عن عطاء أنّ المراد بالکفر -هنا- لیس الکفر الذی یُخرج المرء من الملّة؛ وإنّما هو دون الکفر الاعتقادیّ، ومثله ورد عن طاووس؛ فهو لیس کالکفر بالله والیوم الآخر. وردّ الرازی هذا التأویل واصفاً إیّاه بالضعف؛ لأنّ الکفر إذا أُطلِق انصرف إلى الکفر بالدین[59]، کما نقل عن أبی الأنباریّ أنّ المعنى یمکن أن یکون أنّ من لم یحکم بما أنزل الله؛ فقد فعل فعلاً یضاهی الکفر؛ وقال الرازی: وهذا ضعیف أیضاً؛ لأنّه عدول عن الظاهر بلا موجب[60].

ونقل عن عکرمة: أنّ الوعید یتناول من أنکر بقلبه وجحد بلسانه. أمّا من عرف بقلبه وبلسانه وأتى بما یضادّه؛ فهو حاکم بما أنزل الله، فلا یدخل تحت مسمّى الکافرین. وقد عقّب الرازی على هذا بالقول: وهذا هو الجواب الصحیح[61].

وأمّا الزمخشریّ، فقد قال إنّ المراد بالآیات الثلاث المتقدّمة خاصٌّ بأهل الکتاب، فمن جحد حکم الله منهم فقد کفر، ومن لم یحکم به -وهو مقرّ- فهو ظالم أو فاسق[62].

وعند الطوسیّ فی التبیان أنّها عامّة؛ فی من حکم بغیر ما أنزل الله مستحّلاً لذلک[63].

ویرى الطباطبائی فی المیزان أنّ الآیات الثلاث متّصلة الأجزاء یرتبط بعضها ببعضها الآخر، وأنّ وصفهم بالکافرین لأنّهم لم یلتزموا بالمیثاق الذی تعاهدوا فیه على حفظ کتابهم[64]، وعلى أن لا یشتروا بآیات الله ثمنا قلیلاً. وقال: "لقد اختلف المفسّرون فی معنى کفر من لم یحکم بما أنزل الله على آراء... وهی مسألة فقهیّة. الحقّ فیها أنّها المخالفة لحکم شرعیٍّ أو لأیّ أمرٍ ثابتٍ فی الدین فی صورة العلم بثبوته، مع الردّ له والقدرة على العلم به. أمّا ما لایوجب علماً فلا یوجب کفراً ولافسقاً؛ لکونه قصوراً یعذر فیه"[65].

وفسّر الفیض الکاشانی وصف الکافرین بأنّه یعود على الجاحد، وأمّا وصف الفاسقین والظالمین؛ فیعود على من أقرّ بقلبه وترک العمل به[66].

وأمّا القرطبیّ، فقد صرفها إلى أهل الکتاب؛ مستدلاً بأنّ سورة المائدة کلّها نزلت فیهم، فلا یمکن حملها على المسلم تارک العمل بالأحکام؛ لأنّ المسلم لا یکفّر وإنْ ارتکب کبیرة... واختار القرطبیّ أن یقدّر فی الآیة إضماراً؛ بمعنى: ومن لم یحکم بما أنزل الله رادّاً على الله أو جاحداً؛ فأولئک هم الکافرون[67].

ووافقه ابن عاشور مؤوّلاً النّصب بأنّ من لم یحکم بما أنزل الله؛ فإنّ فعله شبیه بأفعال الکافرین[68].

ونصّ ابن عطیة على أنّ جماعة عظیمة من أهل العلم قالت: إنّ تکفیر الآیة لأمراء هذه الأمّة تکفیر معصیة؛ لا یُخرجهم من الإیمان. ولفظ الآیة خاصّ عنده.

واستدلّ الفاضل بن عاشور بالسیاق وسبب النزول على أنّ الآیة خاصّة بالیهود؛ لأنّهم اشتروا بآیات الله ثمناً قلیلاً، فـ "من" فی الآیة لیست للعموم؛ وإنّما للعهد. ویقول إنّ جمهور المفسّرین من أهل السنّة یرون أنّ الآیة مجملة؛ لأنّ ترک الحکم بما أنزل الله یقع على أحوال کثیرة، ولا بدّ من بیان الإجمال فی أدلّة أخرى. وحتّى یوسم التارک لحکم الله بالکفر؛ لا بدّ من أن یکون جاحداً له أو مستخفّاً به، أو طاعناً فی حقیقته، بعد ثبوت کونه من عند الله، ثمّ قال: وهذا هو قول ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والحسن البصری[69].

لقد اتّفق علماء المسلمین على أنّ من ترک شیئاً من واجبات الدین لا یُعدّ کافراً؛ ما دام غیر مستحلّ ولا مستبیح. ولا خلاف فی هذا الأمر عند المسلمین -إلا ما نُقِلَ عن الخوارج- وبهذا قال کثیرٌ من العلماء؛ منهم: الطبری، وابن القیّم وغیرهما.

وقال ابن تیمیّة: "لا نکفّر مسلماً بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل"[70]. وإنّما یکفّر المستحلّ أو الجاحد، لا لأنّه ترک الحکم؛ وإنّما لأنّه استحلّ ما حرّمه الله وجحد حقّه.

2. قوله تعالى: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّیْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُکُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُکْمُ إِلَّا لِلَّهِ}[71].

تقریب الدلالة: إنّ جملة الحصر (النفی والاستثناء) تحصر الحکم مطلقاً بالله -تعالى-، وأمره بأنْ لا تکون العبادة إلا له بمعنى الطاعة؛ فدلّت الآیة على مشروعیّة الحاکمیّة.

یقول سیّد قطب فی تفسیر هذه الآیة: "الربوبیّة لا تکون إلا لله، ولکنّ الشرّ فی الجاهلیّات المتعدّدة الأشکال ]التی[ تعطی لنفسها خاصّیّة الحکم والسلطان، والله لم یجعل لها سلطاناً، ولم ینزّل بها من سلطان. ومن ادّعى له هذا الحقّ فقد نازع الله فی ألوهیّته، سواء أکان فرداً، أو طبقةً، أو حزباً، أو أمّةً، أو الناس جمیعاً. ومن نازع الله، فقد کفر کفراً بواحاً، ویعتبر کفره من المعلوم من الدین بالضرورة حتّى یحکم هذا النصّ وحده، ولیس شرطاً أن یقول: "أنا الله"، إنّما بمجرّد أن ینحّی شریعة الله، ویستمدّ القوانین من مصدر آخر، وبمجرّد أن یقول: "إنّ غیر الله مصدر السلطات"، ولو کان مجموع الأمّة أو مجموع البشریّة؛ إنّما مصدر الحاکمیّة هو الله"[72].

نقد الدلالة: لقد جاءت الآیة فی سیاق ذمّ عبادة الأوثان والأصنام؛ أی إنّها تنطوی على فعل جحد ألوهیّة الله؛ خالقاً ومُوجداً، ولیست فی مجال العمل والالتزام بالتکالیف؛ وسیاق الآیة کافٍ فی تحدید وجهتها ومقامها.

3. قوله تعالى: {وَمَا کَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ یَکُونَ لَهُمُ الْخِیَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ یَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِینًا}[73].

تقریب الدلالة: یرى سیّد قطب أنّ الآیة نصّ فی أنْ لا یکون للمؤمنین دستور ولا قانون؛ إلا شریعة الله ورسوله[74]، وأنّها تقرّر قاعدة "أنّ الأمر لله ولرسوله"[75].

نقد الدلالة: لقد دلّت الآیة على أنّ أمر الرسول (ص) مانع من الاختیار وموجب للامتثال؛ أی لا یصحّ من مؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن یکون لهم الاختیار؛ بل الواجب أن یجعلوا رأیهم تبعاً لرأیه. وقوله -تعالى-: {ومن یعصِ الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبیناً} فیه تصریح بالمعصیة؛ وهی مرتبة دون الکفر، وتصریح بالضلال بمعنى التیه.

وقد نبّه صاحب التحریر والتنویر على أنّ کلمة قضى؛ أی إذا عزم أمره، ولم یجعل للمأمور خیاراً فی الامتثال[76].

ویقول الرازیّ: إنّ قضاء الله -تعالى- أمره التکوینیّ[77].

وقد تتبّع الأنصاریّ المفردة فی جذرها اللغویّ والقرآنیّ؛ فلم یجدها إلا فی "الحکمة"، أو "الفصل بین المنازعات"، ولم یدلّ مرّة على کونه مصطلحاً سیاسیّاً[78]؛ فنفى المرجعیّة القرآنیّة للمفهوم.

 

خاتمة:                         

لقد مزج المودودیّ بین المفهوم الإلهیّ للحکم والمفهوم السیاسیّ الإنسانیّ للأمر، کما تبنّى سیّد قطب الفکرة بمفهومها الإطلاقیّ فی أنّ نظریة الحاکمیّة منفصلة عن نظریّة الاستخلاف، وکان الأولى أنْ تکون الأخیرة مکمّلة لها؛ إذ تُعد النظریّتان رؤیةً مختزلةً ذات بعدٍ واحدٍ. وهی تقف هنا حائلاً أمام نظریّة الفراغ التشریعیّ التی تتولّى إشغال الفراغ بین النصّ الثابت والمحدّد، والمتغیّرات الحادثة واللامحدودة؛ فتکون الحاکمیّة نظریّة للسلطة، ولیس نظریّة للدولة[79].

ویُلاحظ على التنظیر الفکریّ والعقدی للحاکمیّة -حسب المفهوم الأصولیّ- الملاحظات النقدیّة الآتیة:

- إنّ مفهوم الحاکمیّة مفهوم فقهیّ؛ لکونه من مسائل الولایات العامّة وسیاسة الحکم، والفقه من الفروع التی تکثر فیها مساحات المتغیّر؛ بخلاف المفهوم العقدیّ الذی تکثر فیه مساحات الثابت. وعلى الرغم من هذا التسالم التقلیدیّ فی الفکر الاسلامیّ؛ فإنّ الذهنیّة الأصولیّة نقلته من نطاق الفروع إلى  نطاق الأصول الاعتقادیّة والأفکار المرکزیّة المؤسّسة؛ أی من الفقه السیاسیّ إلى مصافّ التوحید والاعتقاد؛ حتّى قدّمه  بعضهم على توحید الربوبیّة والألوهیّة والأسماء والصفات، وسمّاه "توحید الحاکمیّة"، وقرّر أنّ الإخلال به نقض لأصول التوحید؛ وبذلک تلاحظ سمة الترکیز واختزال العقائد والمفاهیم فی جزئیّات وتطویرها؛ بحیث تعبّر عن متطلّبات الإیدیولوجیا الوظیفیّة المصلحیّة المرتجاة من المعرفة، فلقد تمّت عملیّة زحزحة المفهوم من مدلولاته الشرعیّة والمعرفیّة، وإقحامه فی میادین أکبر، وإعطاؤه أبعاداً دلالیّة أکثر، حیث وضعه المودودیّ مصوغاً برؤیة مصلحیّة ضمن الحیّز السیاسیّ المعتضد بالاعتقاد. أمّا سیّد قطب فقد نقله تماماً إلى الحیّز الاعتقادیّ التغییریّ، وأعطاه زخماً حرکیّاً.

إنّ نقل الموضوع إلى حیّز العقائد یعود على أصله بالنقض؛ لأنّ جمهور أهل السنّة یرون أنّ الإیمان یزید وینقص، ولا یکون الخروج منه إلا بالجحود، فترک العمل بالشریعة یقلّل من درجة الإیمان ولا یکفّر. وبهذا یلاحظ أنّ الصیاغة الأصولیّة للحاکمیّة قد خرجت على مبدأ مهمّ من مبادئ الإیمان التقلیدیّة لدى جمهور أهل العلم، وأنّها وضعت رؤیة جدیدة مضادّة تماماً لما کان علیه الحال لدى الأسلاف الذین قامت الأصولیّات الإسلامیّة على احترام ما استقرّوا علیه من مبادئ؛ وأهمّها عقائد السلف.

- یرى باحثون أنّ فکرة الحاکمیّة مأزومة النشأة فی سیاق صدامیّ بین المسلمین الهنود والسیطرة البوذیّة فی الهند، وبین الإخوان وحکومة عبد الناصر فی مصر، وکان یفترض أن تظهر بعد سقوط الخلافة العثمانیّة؛ لمواجهة ما سبّبه احتلال الغرب للعالم الإسلامیّ من تغییرات فی أنظمة الحکم والدساتیر[80].

- إنّ مفهوم الحاکمیّة فی تفاصیله یقع فی منطقة ضبابیّة؛ لأنّ غایته تطبیق الشریعة؛ علماً أنّ للشریعة إطلاقین؛ الأوّل منهما: النصوص الثابتة القاطعة والمحکمة. والثانی منهما: النصوص کافّة، واجتهادات الفقهاء وآراؤهم.

هذا الموضوع یتداخل فیه البشریّ والإلهیّ؛ حیث ظهرت طروحات أخرى؛ مثل: حاکمیّة الکتاب، أو حاکمیّة البشر فی ظلّ الشریعة، ولا یزال الأمر فی نطاق إیدیولوجیا مصالح الجماعات الأصولیّة.

- شخّص بعض الدارسین سمة الانتقائیّة الذرائعیّة فی الذهنیّة الأصولیّة عند عرض الأصولیّین للحاکمیّة والتحیّز فی التعامل مع النصوص ومع النقول الواردة عن العلماء التاریخیّین، فکانت أبحاثهم فروعاً ملحقة على غیر أصل، أو توظیفاً لآراء تراثیّة لم تکن تعنى بنظام الحکم[81].

- إنّ من الآثار الخطیرة لنظریّة الحاکمیّة أنّها محاولة فکریّة لنقض مفهوم القانون والعلاقات الدولیّة فی شکلها المعاصر، کما تحوّلت من رؤیة فکریّة إلى ممارسة عملیّة تجرِّم الحکومات، وتدین أنظمة الحکم، والأخطر أنّها تعدّت فی ذلک إلى تجریم المجتمعات والمؤسّسات وأفراد الناس.

- یرتبط مفهوم الحاکمیّة ذهنیّاً بالثیوقراطیّة التی سادت فی أوروبا فی العصور الوسطى، والفواجع التی حصلت فیها؛ لأنّ المدلول الجوهریّ لها أنّها سلطة تحکم باسم الله، وتصبح تصرّفاتها السیاسیّة کأنّها أحکام الله، ومن یعارضها یُعدّ معارضاً لله. وبذلک یختفی الفارق بین مفهوم تحکیم الشریعة، وبین حکم الله؛ وهذا ما أدّى بالمفکّر طه جابر العلوانی إلى طرح الفکرة تحت عنوان "حاکمّیة الکتاب"؛ أی الالتزام بما جاء بالقرآن نظاماً قانونیّاً. لکن یبقى التساؤل: هل آراء المفسّرین والفقهاء تأخذ صفة أحکام الله؟!

إنّ هذه الرؤیة مجملة تصادر فقه الاجتهاد والمتغیّرات والفراغ التشریعیّ، وتجعله فی دائرة المحظور وجوداً وشرعیّةً؛ ولهذا نجد أنّ أحد الباحثین قد اقترح أن تسمّى "حاکمیّة الإنسان فی ظلّ الشریعة"؛ بمعنى مرجعیّة الشریعة.



[1]باحث فی الفکر الإسلامیّ وأستاذ فی جامعة الکوفة وعضو الهیئة الاستشاریّة فی المجلة، من العراق.

[2] الإیدیولوجیا: هی نسق من التصوّرات الفکریّة التی تغلب علیها الوظیفة الاجتماعیّة المحدّدة، أو: هی تعبیر فکریّ محدّد بوظیفة مصلحیّة، أو تأویل ذاتیّ للمعطیات الموضوعیّة.

[3] وهو قانون خلیط من الشعائر والأحکام وضعه جنکیز خان؛ بحسب هواه، وزعم أنّه یوحى إلیه، فصار شریعة حکم بها الناس بعد احتلال المغول المشرق عام 656هـ.ق وما بعده.

[4] أبو الأعلى المودودیّ: رجل داعیة مسلم هندی، ولد 1903م، وعاصر المهاتما غاندی الذی دعا إلى وطنیّة هندیّة عابرة للمعتقدات، تضمّ جمیع الأدیان والإثنیّات.

[5]انظر: الزئبق، محمد شریف: "أبو الأعلى المودودیّ"، مجلة الجامعة الإسلامیّة، المدینة المنورة، العدد18، ص425.

[6]المودودیّ، أبو الأعلى: المصطلحات الأربعة، ط1، مصر، دار الشروق، 1970م، ص66.

[7]الشاذلی، إبراهیم (سیّد قطب): معالم فی الطریق، ط2، القاهرة، دار الشروق، 1960 ص66؛ فی ظلال القرآن، القاهرة، دار المعارف، 1972م، ج2، ص314.

[8] الحاکمیّة لغةً مصدر صناعیّ من "حکم"، ألحقت فیها یاء النسبة بلفظة "حاکم"؛ وختمت بالتاء، فصار اللفظ"حاکمیّة". قال فی المحیط: "الحکم والحکمة هو العدل والحلم، والحاکم هو الذی یردّ النفس عن هواها، وحکّمنا فلاناً؛ أی أمرناه أن یحکم" (ابن عبّاد، الصاحب: المحیط فی اللغة، ط2، بیروت، دار الفکر، 1974م، ج11، ص176؛ ابن درید، محمد بن الحسن: جمهرة اللغة، ط1، بیروت، دار الفکر، 1975م، ج1، ص293).

وجاء فی القاموس المحیط: "الحُکم بالضم؛ القضاء، والحاکم؛ منفّذ الحکم"( الفیروز آبادی، محمد بن یعقوب: القاموس المحیط، ط1، بیروت، دار إحیاء التراث، 1412هـ.ق، ج3، ص210؛ ابن سیده، کمال الدین: المحکم، ط1، مصر، دار مصطفى البابی الحلبی، 1972م، ج1، ص428).

وقال فی تهذیب اللغة: "الحکم: الفقه والعلم؛ لقوله تعالى: {وآتیناه الحکم صبیّاً}، وقیل: القضاء بالعدل، ویجوز أن یسمّى الحکیم حاکماً. ونقل عن الأصمعی أنّ أصل الحکومة ردّ الرجل عن الظلم (الأزهری، محمد بن أحمد: تهذیب اللغة، ط1، مصر، الدار المصریة للتألیف، 1964م، ج1، ص475؛ وانظر: ابن منظور، محمد بن مکرم: لسان العرب، ط1، بیروت، دار الکتب العلمیّة، 1426هـ.ق، ج1، ص428).

وبناءً على ما تقدّم؛ فإنّ معنى الجذر "حَکَمَ" یدور بین الإتقان، والعدل، والقضاء، والمنع من الظلم.

[9] سورة ص، الآیة 26.

[10] الطبری، محمد بن جریر: جامع البیان عن تأویل آی القرآن، ط2، مصر، دار مصطفى البابی الحلبی، 1954م، ج6، ص74.

[11] الرزای، فخر الدین محمد بن عمر: مفاتیح الغیب، ط1، بیروت، دار الکتب العلمیّة، 1421هـ.ق، ج13، ص184.

[12] سورة المائدة، الآیة 42.

[13] سورة المائدة، الآیة 43.

[14] سورة المائدة، الآیة 44.

[15] سورة النساء، الآیة 58.

[16] الطبری، محمد بن جریر: تاریخ الأمم والملوک، ط1، مصر، المطبعة الحسینیّة، 1326هـ.ق، ج6، ص99.

[17] الرازی، مفاتیح الغیب، م.س، ج6، ص68.

[18] انظر: الآمدی، علی بن محمد: الإحکام فی أصول الأحکام، ط2، مصر، دار المکتب الإسلامیّ، 1402هـ.ق، ج1، ص72.

[19] انظر: الغزالی، محمد بن محمد: المستصفى فی علم الأصول، ط1 بیروت، دار الکتب العلمیّة، 1317هـ.ق، ج1، ص1.

[20] انظر: الآمدی، الإحکام فی أصول الأحکام، م.س، ج1، ص72.

[21] انظر: الخیّاط، علی بن أحمد: المعتمد فی أصول الفقه، ط1، القاهرة، دار النصر، لا ت، ج1، ص297.

[22]ابن أمیر الحاج، محمد بن محمد: التقریر والتحبیر على تحریر بن الهمام، ط1، مصر، المطبعة الأمیریّة، 1316هـ.ق، ج2، ص282.

[23] انظر: ابن رشد، محمد بن أحمد: الکشف عن مناهج الأدلّة فی عقائد الملّة، ط1، بیروت، دار الفکر، 1415هـ.ق، ج1، ص36.

[24] انظر: المودودیّ، المصطلحات الأربعة، م.س، ص36.

[25] انظر: المودودیّ، أبو الأعلى: نظریّة الإسلام وهدیه، ترجمة: جلیل حسن، ط1، دمشق، دار الفکر، 1969م، ص77.

[26] المودودیّ، المصطلحات الأربعة، م.س، ص28.

[27] انظر: م.ن.

[28] م.ن، ص29.

[29] انظر: م.ن، ص63.

[30] انظر: م.ن، ص32.

[31] انظر: سیّد قطب، معالم فی الطریق، م.س، ص9.

[32] انظر: سیّد قطب، معالم فی الطریق، م.س، ص10.

[33] انظر: م.ن، ص31.

[34] انظر: م.ن، ص80.

[35] انظر: م.ن، ص81.

[36] انظر: م.ن، ص 82.

[37] م.ن، ص41.

[38] سورة البقرة، الآیة 255.

[39] انظر: سیّد قطب، فی ظلال القرآن، م.س، ج1، ص276.

[40] انظر: م.ن.

[41] انظر: م.ن، ص359.

[42] انظر: م.ن، ج2، ص152.

[43] انظر: سیّد قطب، فی ظلال القرآن، م.س، ج2، ص160.

[44] انظر: م.ن، ص163.

[45] انظر: م.ن.

[46] انظر: م.ن، ص376.

[47] م.ن، ص494.

[48] م.ن، ج3، ص78.

[49] م.ن، ج2، ص465.

[50] سیّد قطب، فی ظلال القرآن، م.س، ج2، ص483.

[51] م.ن، ج3، ص143.

[52] انظر: م.ن، ج4، ص416.

[53] انظر: ابن عبد لاوی، المختار: قراءة فی الإسلام المعاصر فی خطابات التأویل (مقاربة منهجیّة)، تونس، دار الیاسمین، 2006م، ص236.

[54] سورة المائدة، الآیات 44-47.

[55] انظر: الأندلسیّ، محمد بن یوسف: تفسیر البحر المحیط، ط1، بیروت، دار الکتب العلمیّة، 2001م، ج7، ص86.

[56] انظر: الواحدی، علی بن أحمد: أسباب نزول آیات القرآن، ط1، مصر، مطبعة البابی الحلبی، 1968م، ج1، ص70.

[57] انظر: الطوسی، محمد بن الحسن: التبیان فی تفسیر القرآن، ط1، النجف الأشرف، المطبعة العلمیّة، 1965م، ج3، ص532؛ الراوندی، سعید بن هبة الله: فقه القرآن، ط2، قم المقدّسة، مکتبة المرعشیّ النجفیّ، 1405هـ.ق، ج2، ص2.

[58] انظر: الرازی، مفاتیح الغیب، م.س، ج5، ص267؛ السیوطی، عبد الرحمن بن أبی بکر: الدر المنثور فی التفسیر بالمأثور، ط1، بیروت، دار إحیاء التراث العربی، 1421هـ.ق، ج2، ص379.

[59] انظر: الرازی، مفاتیح الغیب، م.س، ج6، ص68.

[60] انظر: م.ن.

[61] انظر: م.ن.

[62] انظر: الزمخشری، جار الله محمود بن عمر: الکشّاف عن غوامض التنزیل، ط1، بیروت، دار الکتاب العربی، ص669.

[63] انظر: الطوسی، التبیان فی تفسیر القرآن، م.س، ج3، ص533؛ الرواندی، فقه القرآن، م.س، ج2، ص2.

[64] انظر: الطباطبائیّ، محمد حسین: المیزان فی تفسیر القرآن، ط3، بیروت، مؤسّسة الأعلمیّ، 1425هـ.ق، ج5، ص200.

[65] م.ن.

[66] انظر: الکاشانیّ، محسن بن محمد بن مرتضى: تفسیر الصافی، ط1، مشهد المشرّفة، مؤسّسة الأعلمیّ، 1982م، ج2، ص43.

[67] انظر: القرطبی، محمد بن أحمد: الجامع لأحکام القرآن، ط2، بیروت، دار الکتب العلمیّة، 1424هـ.ق، ج2، ص75.

[68] انظر: ابن عاشور، محمد الطاهر: التحریر والتنویر، ط1، تونس، الدار التونسیّة، 1982م، ج1، ص194.

[69] انظر: م.ن، ج4، ص207.

[70] ابن تیمیة، أحمد بن عبد الحلیم: مجموع الفتاوى، ط1، عمان، دار الجیل، 1997م، ج2، ص282.

[71] سورة یوسف، الآیة 40.

[72] سیّد قطب، فی ظلال القرآن، م.س، ج4، ص309.

[73] سورة الأحزاب، الآیة 36.

[74] انظر: سیّد قطب، فی ظلال القرآن، م.س، ج4، ص48.

[75] م.ن، ج6، ص82.

[76] انظر: ابن عاشور، التحریر والتنویر، ج11، ص260.

[77] انظر: الرازی، مفاتیح الغیب، م.س، ج6، ص307.

[78] انظر: الأنصاریّ، محمد جابر: التأزّم السیاسیّ عند العرب، ط1، بیروت، المؤسّسة العربیّة للدراسات، 1999م، ص163.

[79] انظر: عمارة، محمد: أبو الأعلى المودودیّ والصحوة الإسلامیّة، القاهرة، دار الشروق، 1990م، ص198.

[80]انظر: الداینی، یوسف: فتنة الحاکمیّة (قراءة فی ممارسة جماعات الإسلام السیاسیّ)، دبی، مرکز المسبار للدراسات، 2007م، ص220.

[81]انظر: م.ن.

[1] الإیدیولوجیا: هی نسق من التصوّرات الفکریّة التی تغلب علیها الوظیفة الاجتماعیّة المحدّدة، أو: هی تعبیر فکریّ محدّد بوظیفة مصلحیّة، أو تأویل ذاتیّ للمعطیات الموضوعیّة.
[1] وهو قانون خلیط من الشعائر والأحکام وضعه جنکیز خان؛ بحسب هواه، وزعم أنّه یوحى إلیه، فصار شریعة حکم بها الناس بعد احتلال المغول المشرق عام 656هـ.ق وما بعده.
[1] أبو الأعلى المودودیّ: رجل داعیة مسلم هندی، ولد 1903م، وعاصر المهاتما غاندی الذی دعا إلى وطنیّة هندیّة عابرة للمعتقدات، تضمّ جمیع الأدیان والإثنیّات.
[1]انظر: الزئبق، محمد شریف: "أبو الأعلى المودودیّ"، مجلة الجامعة الإسلامیّة، المدینة المنورة، العدد18، ص425.
[1]المودودیّ، أبو الأعلى: المصطلحات الأربعة، ط1، مصر، دار الشروق، 1970م، ص66.
[1]الشاذلی، إبراهیم (سیّد قطب): معالم فی الطریق، ط2، القاهرة، دار الشروق، 1960 ص66؛ فی ظلال القرآن، القاهرة، دار المعارف، 1972م، ج2، ص314.
[1] الحاکمیّة لغةً مصدر صناعیّ من "حکم"، ألحقت فیها یاء النسبة بلفظة "حاکم"؛ وختمت بالتاء، فصار اللفظ"حاکمیّة". قال فی المحیط: "الحکم والحکمة هو العدل والحلم، والحاکم هو الذی یردّ النفس عن هواها، وحکّمنا فلاناً؛ أی أمرناه أن یحکم" (ابن عبّاد، الصاحب: المحیط فی اللغة، ط2، بیروت، دار الفکر، 1974م، ج11، ص176؛ ابن درید، محمد بن الحسن: جمهرة اللغة، ط1، بیروت، دار الفکر، 1975م، ج1، ص293).
وجاء فی القاموس المحیط: "الحُکم بالضم؛ القضاء، والحاکم؛ منفّذ الحکم"( الفیروز آبادی، محمد بن یعقوب: القاموس المحیط، ط1، بیروت، دار إحیاء التراث، 1412هـ.ق، ج3، ص210؛ ابن سیده، کمال الدین: المحکم، ط1، مصر، دار مصطفى البابی الحلبی، 1972م، ج1، ص428).
وقال فی تهذیب اللغة: "الحکم: الفقه والعلم؛ لقوله تعالى: {وآتیناه الحکم صبیّاً}، وقیل: القضاء بالعدل، ویجوز أن یسمّى الحکیم حاکماً. ونقل عن الأصمعی أنّ أصل الحکومة ردّ الرجل عن الظلم (الأزهری، محمد بن أحمد: تهذیب اللغة، ط1، مصر، الدار المصریة للتألیف، 1964م، ج1، ص475؛ وانظر: ابن منظور، محمد بن مکرم: لسان العرب، ط1، بیروت، دار الکتب العلمیّة، 1426هـ.ق، ج1، ص428).
وبناءً على ما تقدّم؛ فإنّ معنى الجذر "حَکَمَ" یدور بین الإتقان، والعدل، والقضاء، والمنع من الظلم.
[1] سورة ص، الآیة 26.
[1] الطبری، محمد بن جریر: جامع البیان عن تأویل آی القرآن، ط2، مصر، دار مصطفى البابی الحلبی، 1954م، ج6، ص74.
[1] الرزای، فخر الدین محمد بن عمر: مفاتیح الغیب، ط1، بیروت، دار الکتب العلمیّة، 1421هـ.ق، ج13، ص184.
[1] سورة المائدة، الآیة 42.
[1] سورة المائدة، الآیة 43.
[1] سورة المائدة، الآیة 44.
[1] سورة النساء، الآیة 58.
[1] الطبری، محمد بن جریر: تاریخ الأمم والملوک، ط1، مصر، المطبعة الحسینیّة، 1326هـ.ق، ج6، ص99.
[1] الرازی، مفاتیح الغیب، م.س، ج6، ص68.
[1] انظر: الآمدی، علی بن محمد: الإحکام فی أصول الأحکام، ط2، مصر، دار المکتب الإسلامیّ، 1402هـ.ق، ج1، ص72.
[1] انظر: الغزالی، محمد بن محمد: المستصفى فی علم الأصول، ط1 بیروت، دار الکتب العلمیّة، 1317هـ.ق، ج1، ص1.
[1] انظر: الآمدی، الإحکام فی أصول الأحکام، م.س، ج1، ص72.
[1] انظر: الخیّاط، علی بن أحمد: المعتمد فی أصول الفقه، ط1، القاهرة، دار النصر، لا ت، ج1، ص297.
[1]ابن أمیر الحاج، محمد بن محمد: التقریر والتحبیر على تحریر بن الهمام، ط1، مصر، المطبعة الأمیریّة، 1316هـ.ق، ج2، ص282.
[1] انظر: ابن رشد، محمد بن أحمد: الکشف عن مناهج الأدلّة فی عقائد الملّة، ط1، بیروت، دار الفکر، 1415هـ.ق، ج1، ص36.
[1] انظر: المودودیّ، المصطلحات الأربعة، م.س، ص36.
[1] انظر: المودودیّ، أبو الأعلى: نظریّة الإسلام وهدیه، ترجمة: جلیل حسن، ط1، دمشق، دار الفکر، 1969م، ص77.
[1] المودودیّ، المصطلحات الأربعة، م.س، ص28.
[1] انظر: م.ن.
[1] م.ن، ص29.
[1] انظر: م.ن، ص63.
[1] انظر: م.ن، ص32.
[1] انظر: سیّد قطب، معالم فی الطریق، م.س، ص9.
[1] انظر: سیّد قطب، معالم فی الطریق، م.س، ص10.
[1] انظر: م.ن، ص31.
[1] انظر: م.ن، ص80.
[1] انظر: م.ن، ص81.
[1] انظر: م.ن، ص 82.
[1] م.ن، ص41.
[1] سورة البقرة، الآیة 255.
[1] انظر: سیّد قطب، فی ظلال القرآن، م.س، ج1، ص276.
[1] انظر: م.ن.
[1] انظر: م.ن، ص359.
[1] انظر: م.ن، ج2، ص152.
[1] انظر: سیّد قطب، فی ظلال القرآن، م.س، ج2، ص160.
[1] انظر: م.ن، ص163.
[1] انظر: م.ن.
[1] انظر: م.ن، ص376.
[1] م.ن، ص494.
[1] م.ن، ج3، ص78.
[1] م.ن، ج2، ص465.
[1] سیّد قطب، فی ظلال القرآن، م.س، ج2، ص483.
[1] م.ن، ج3، ص143.
[1] انظر: م.ن، ج4، ص416.
[1] انظر: ابن عبد لاوی، المختار: قراءة فی الإسلام المعاصر فی خطابات التأویل (مقاربة منهجیّة)، تونس، دار الیاسمین، 2006م، ص236.
[1] سورة المائدة، الآیات 44-47.
[1] انظر: الأندلسیّ، محمد بن یوسف: تفسیر البحر المحیط، ط1، بیروت، دار الکتب العلمیّة، 2001م، ج7، ص86.
[1] انظر: الواحدی، علی بن أحمد: أسباب نزول آیات القرآن، ط1، مصر، مطبعة البابی الحلبی، 1968م، ج1، ص70.
[1] انظر: الطوسی، محمد بن الحسن: التبیان فی تفسیر القرآن، ط1، النجف الأشرف، المطبعة العلمیّة، 1965م، ج3، ص532؛ الراوندی، سعید بن هبة الله: فقه القرآن، ط2، قم المقدّسة، مکتبة المرعشیّ النجفیّ، 1405هـ.ق، ج2، ص2.
[1] انظر: الرازی، مفاتیح الغیب، م.س، ج5، ص267؛ السیوطی، عبد الرحمن بن أبی بکر: الدر المنثور فی التفسیر بالمأثور، ط1، بیروت، دار إحیاء التراث العربی، 1421هـ.ق، ج2، ص379.
[1] انظر: الرازی، مفاتیح الغیب، م.س، ج6، ص68.
[1] انظر: م.ن.
[1] انظر: م.ن.
[1] انظر: الزمخشری، جار الله محمود بن عمر: الکشّاف عن غوامض التنزیل، ط1، بیروت، دار الکتاب العربی، ص669.
[1] انظر: الطوسی، التبیان فی تفسیر القرآن، م.س، ج3، ص533؛ الرواندی، فقه القرآن، م.س، ج2، ص2.
[1] انظر: الطباطبائیّ، محمد حسین: المیزان فی تفسیر القرآن، ط3، بیروت، مؤسّسة الأعلمیّ، 1425هـ.ق، ج5، ص200.
[1] م.ن.
[1] انظر: الکاشانیّ، محسن بن محمد بن مرتضى: تفسیر الصافی، ط1، مشهد المشرّفة، مؤسّسة الأعلمیّ، 1982م، ج2، ص43.
[1] انظر: القرطبی، محمد بن أحمد: الجامع لأحکام القرآن، ط2، بیروت، دار الکتب العلمیّة، 1424هـ.ق، ج2، ص75.
[1] انظر: ابن عاشور، محمد الطاهر: التحریر والتنویر، ط1، تونس، الدار التونسیّة، 1982م، ج1، ص194.
[1] انظر: م.ن، ج4، ص207.
[1] ابن تیمیة، أحمد بن عبد الحلیم: مجموع الفتاوى، ط1، عمان، دار الجیل، 1997م، ج2، ص282.
[1] سورة یوسف، الآیة 40.
[1] سیّد قطب، فی ظلال القرآن، م.س، ج4، ص309.
[1] سورة الأحزاب، الآیة 36.
[1] انظر: سیّد قطب، فی ظلال القرآن، م.س، ج4، ص48.
[1] م.ن، ج6، ص82.
[1] انظر: ابن عاشور، التحریر والتنویر، ج11، ص260.
[1] انظر: الرازی، مفاتیح الغیب، م.س، ج6، ص307.
[1] انظر: الأنصاریّ، محمد جابر: التأزّم السیاسیّ عند العرب، ط1، بیروت، المؤسّسة العربیّة للدراسات، 1999م، ص163.
[1] انظر: عمارة، محمد: أبو الأعلى المودودیّ والصحوة الإسلامیّة، القاهرة، دار الشروق، 1990م، ص198.
[1]انظر: الداینی، یوسف: فتنة الحاکمیّة (قراءة فی ممارسة جماعات الإسلام السیاسیّ)، دبی، مرکز المسبار للدراسات، 2007م، ص220.
[1]انظر: م.ن.