المشروع الحضاریّ الإسلامیّ -قراءة نقدیَّة فی الفقه السیاسیّ-

نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

جامعة

المستخلص

تعالج هذه المقالة إشکالیّات عدّة تتمحور على المشروع الحضاریّ الإسلامیّ على مستوى التنظیر السیاسیّ والتطبیق العملیّ؛ من قبیل: ما هو الفقه السیاسی؟ وما علاقته بالمشروع الحضاریّ الإسلامیّ؟ ولماذا ینادی بعضهم بسقوط ما یسمّى "الإسلام السیاسیّ"؟ وهل سقط الإسلام السیاسیّ واقعاً؟ وهل یعیش الفقه السیاسیّ الإسلامیّ أزمة عمیقة؟ وما هو مستقبل التفکیر السیاسیّ الإسلامیّ فی ضوء التحوّلات والمستجدّات، وما الذی یجب على الفقه السیاسیّ الإسلامیّ أن یکون علیه؟
وتأتی هذه المقالة محاولة لتلمّس أجوبة علمیّة موضوعیّة عن هذه الأسئلة والإشکالیّات؛ من خلال بیان ماهیّة الفقه السیاسیّ وضرورته وتحوّلاته التاریخیّة ومساراته، والکشف عن مأزق الفقه السیاسیّ المعاصر؛ بفعل عدم انطلاقه من رؤیة استراتیجیّة وحضاریّة مسدّدة، بل قیامه باستیحاء مفرداته من الحوادث التاریخیّة، وخضوعه لحوادث التاریخ وتقلّباته، وانتزاعه الأطروحة والنموذج من التجربة التاریخیّة للأمّة؛ بما تحویه من عقد وتعقیدات!!
ثمّ تتوقّف المقالة عند جذور الوهن فی الفقه السیاسیّ؛ من خلال استقصاء مکامن الخلل المنهجیّ فیه.
وتختم بالتأکید على أنّ المشروع الحضاریّ الإسلامیّ حاجة متأصّلة، وتحقیق أنّ الأزمة لیست فی المشروع الحضاریّ الإسلامیّ وعصبه الحیّ؛ وهو الفقه السیاسیّ الإسلامیّ؛ بل الأزمة فی مسار من مسارات هذا الفقه! لقد استطاع مسار الإمامة والولایة أن یتجاوز کلّ العوائق المنهجیّة التی وقع فیها المنحى الآخر؛ بما امتلک من مقوّمات القوّة والنجاح على مستوى التنظیر والتطبیق.

نقاط رئيسية

أوَّلاً: الفقه السیاسیّ؛ الماهیَّة والضرورة والتحوّل

ثانیاً: الفقه السیاسیّ الإسلامیّ..المحاور والمسارات

1. محاور الفقه السیاسیّ

2. مسارات الفقه السیاسیّ

ثالثاً: مأزق الفقه السیاسیّ المعاصر

رابعاً: جذور الوهن فی الفقه السیاسیّ

خامساً: المشروع الحضاریّ الإسلامیّ حاجة متأصِّلة

الكلمات الرئيسية


المشروع الحضاریّ الإسلامیّ -قراءة نقدیّة فی الفقه السیاسیّ-

                                                         الشیخ الأسعد بن علی قیدارة[1]

خلاصة المقالة:

تعالج هذه المقالة إشکالیّات عدّة تتمحور على المشروع الحضاریّ الإسلامیّ على مستوى التنظیر السیاسیّ والتطبیق العملیّ؛ من قبیل: ما هو الفقه السیاسی؟ وما علاقته بالمشروع الحضاریّ الإسلامیّ؟ ولماذا ینادی بعضهم بسقوط ما یسمّى "الإسلام السیاسیّ"؟ وهل سقط الإسلام السیاسیّ واقعاً؟ وهل یعیش الفقه السیاسیّ الإسلامیّ أزمة عمیقة؟ وما هو مستقبل التفکیر السیاسیّ الإسلامیّ فی ضوء التحوّلات والمستجدّات، وما الذی یجب على الفقه السیاسیّ الإسلامیّ أن یکون علیه؟

وتأتی هذه المقالة محاولة لتلمّس أجوبة علمیّة موضوعیّة عن هذه الأسئلة والإشکالیّات؛ من خلال بیان ماهیّة الفقه السیاسیّ وضرورته وتحوّلاته التاریخیّة ومساراته، والکشف عن مأزق الفقه السیاسیّ المعاصر؛ بفعل عدم انطلاقه من رؤیة استراتیجیّة وحضاریّة مسدّدة، بل قیامه باستیحاء مفرداته من الحوادث التاریخیّة، وخضوعه لحوادث التاریخ وتقلّباته، وانتزاعه الأطروحة والنموذج من التجربة التاریخیّة للأمّة؛ بما تحویه من عقد وتعقیدات!!

ثمّ تتوقّف المقالة عند جذور الوهن فی الفقه السیاسیّ؛ من خلال استقصاء مکامن الخلل المنهجیّ فیه.

وتختم بالتأکید على أنّ المشروع الحضاریّ الإسلامیّ حاجة متأصّلة، وتحقیق أنّ الأزمة لیست فی المشروع الحضاریّ الإسلامیّ وعصبه الحیّ؛ وهو الفقه السیاسیّ الإسلامیّ؛ بل الأزمة فی مسار من مسارات هذا الفقه! لقد استطاع مسار الإمامة والولایة أن یتجاوز کلّ العوائق المنهجیّة التی وقع فیها المنحى الآخر؛ بما امتلک من مقوّمات القوّة والنجاح على مستوى التنظیر والتطبیق.

 

مصطلحات مفتاحیّة:

المشروع الحضاریّ الإسلامیّ، الفقه السیاسیّ، الفقه السلطانیّ، الإمامة، الولایة، التنظیر، التطبیق، المنهج، السلفیّة، التکفیر، ولایة الفقیه، ...

 

مقدّمة:

إنّ تصاعد موجة التطرّف الدینیّ، واستفحال ظاهرة الجماعات القتالیّة التکفیریّة، یدعوان إلى التفکیر جدّیّاً فی وضع خطط ورؤى مرحلیّة وإستراتیجیّة لمحاصرة التداعیات السلبیّة لهذه الظواهر، والحدّ من انعاکاساتها الخطیرة على وحدة الأمّة ومستقبل هذا الدین.

فقد اتّخذت هذه الظواهر ذریعة للهجوم على الإسلام، والطعن فی أصوله وفروعه، والتشکیک فی قدرته على مواکبة الزمن، والاستجابة لمتطلّبات العصر؛ فهو فی أحسن الأحوال: صیغة اجتماعیّة وحیاتیّة رائعة لمجتمع قبلیّ بدائیّ! أمّا مجتمعات الیوم -بترکیباتها الدیموغرافیّة الضخمة، وتعقیداتها التقنیّة والإنتاجیّة، وتشعّباتها الخدماتیّة، وطفراتها الرقمیّة- فتبدو عصیّة على الانضواء فی منظومة الإسلام العقدیّة والأخلاقیّة!!

وفی سیاق الهجوم المنظَّم على مفاهیم الإسلام؛ بالتزامن مع إیقاعات جرائم تلک الجماعات المجرمة وفظاعاتها، تأتی حملة التشکیک فی الفقه السیاسیّ الإسلامیّ، ورمیه بأبشع النعوت؛ لأنّه لم یجلب لهذه الأمّة وللعالم سوى الخراب والدمار والتناحر والفتن المذهبیّة والطائفیّة...

ومن المفارقات التاریخیّة أن یتحوّل مصیر المشروع الحضاریّ الإسلامیّ وعصبه الحیّ؛ وهو "الفقه السیاسیّ الإسلامیّ"، من طموح ومشروع تتحرّک نحوه جماعات الصحوة الإسلامیّة فی عقود القرن العشرین، إلى کابوس ومأزق یتبرّأ منه کثیرون ویبشّرون بسقوطه، فی السنوات الأخیرة، بعد الإخفاقات التی شهدتها تحوّلات ما سمّی بـ"الربیع العربیّ".

فما هو الفقه السیاسی؟ وما علاقته بالمشروع الحضاریّ الإسلامیّ؟ ولماذا ینادی بعضهم بسقوط ما یسمّى الإسلام السیاسیّ؟ وهل سقط الإسلام السیاسیّ واقعاً؟ وهل یعیش الفقه السیاسیّ الإسلامیّ أزمة عمیقة؟ وما هو مستقبل التفکیر السیاسیّ الإسلامیّ فی ضوء التحوّلات والمستجدّات؟ أو بالأحرى: ما الذی یجب على الفقه السیاسیّ الإسلامیّ أن یکون علیه؟

وتأتی هذه المقالة محاولة لتلمّس أجوبة علمیّة موضوعیّة عن هذه الأسئلة والإشکالیّات.

 

أولاً: الفقه السیاسیّ؛ الماهیّة والضرورة والتحوّل:

توحی التسمیة التی تقیّد الفقه بـ "السیاسیّ" بأنّ الفقه یتألّف من أبواب عدیدة، وینقسم إلى مجالات مختلفة. وهذا أمر طبیعیّ یفرضه موضوع علم الفقه وغایاته؛ فالفقه هو العلم بالأحکام الشرعیّة من أدلّتها التفصیلیّة، والأحکام الشرعیّة هی -فی النهایة- التشریعات الصادرة من الشارع التی تنظّم حیاة الناس الفردیّة والجماعیّة. ولذلک یمکن تقسیم الفقه حسب مجالات الحیاة. وهذا ما حصل تاریخیّاً فی المصنّفات الفقهیّة، فقد شاع فی مرحلة مبکّرة التقسیم الثنائی: عبادات ومعاملات، وظهرت تقسیمات ثلاثیّة ورباعیّة؛ میّزت؛ تارة فی فقه المعاملات بین العقد والإیقاع، وتارة أخرى میّزت الأحکام بوصفها عنواناً مستقلاً...

ومع تشعّب الحیاة ونموّ الخبرات التقنینیّة والتشریعیّة للمجتمعات البشریّة، استفاد بعض الفقهاء من التبویب المعاصر لمجالات الحیاة وطرائق التصنیف القانونیّ، فأصبحنا نواجه ما یسمّى بـ"الفقه السیاسیّ"، "الفقه الجزائیّ"، و"فقه الأحوال الشخصیّة"...

ویراد من الفقه السیاسیّ: الأحکام والتشریعات التی تتّصل بالجماعة وبالمجتمع المسلم؛ من جهة الحکم، والسلطة، وإدارة شؤون الدولة الداخلیّة والخارجیّة.

وعرّفه البعض بأنّه: "الفهم الدقیق لشؤون الأمّة الداخلیّة والخارجیّة، وتدبیر هذه الشؤون ورعایتها فی ضوء أحکام الشریعة وهدیها"[2].

فالفقه السیاسیّ هو مجموعة الأحکام الشرعیّة التی تتناول القضایا السیاسیّة؛ کالحکم، وإدارة الدولة، والعلاقات الخارجیّة. وهذه الأحکام مستنبطة من مصادر الفقه الإسلامیّ، مضافاً إلى الأعراف والتقالید التی درجت علیها الدولة الإسلامیة، بما لا یتنافى مع المبادئ الإسلامیّة.

وحتى لا نستغرق فی جدال التعریفات، وتغیب عنّا القضایا الأهمّ، یمکن القول إنّ التعریفات اتّفقت -تقریباً- فی تحدید موضوع هذا الفقه؛ بأنّه: "الحکم، والسلطة، والدولة، ومتعلّقاتها"؛ وبالتالی تدخل فیه العناوین الفقهیّة الآتیة: الولایة، القضاء، الجهاد، الجبایة، الخراج، وغیرها.

وتبدو أهمّیّة الفقه السیاسیّ واضحة للعیان فی ضوء هذا التحدید؛ فأحکامه مقدِّمة مهمّة لبناء ما یسمّى بـ "المذهب السیاسیّ الإسلامیّ" أو "النظام السیاسیّ الإسلامیّ"؛ وهذا الأخیر حاجة ملحّة لکلّ مدرسة فکریّة جادّة ترید أن تسوس الناس وتقود الحیاة.

وانطلاقاً من مرکزیّة النظام السیاسیّ فی إدارة شؤون الحیاة وإعطائها صبغة حضاریّة معیّنة، یمثّل الفقه السیاسیّ عصب الحیاة فی المشروع الحضاریّ؛ بوصفه رؤیة شاملة للوجود والإنسان والحیاة، ینبثق عنها نظام سیاسیّ واجتماعیّ واقتصادیّ. ویستهدف هذا المشروع تحقیق العدالة؛ بوصفها قیمة علیا، کما یستهدف إیصال الناس إلى أقصى درجات الکمال والسعادة والرفاه.

ولذلک؛ لا یمکن أن نتعامل مع الفقه السیاسی بوصفه فقهاً هامشیّاً أو منفصلاً عن سائر النظم الإسلامیّة الأخرى؛ الفردیّة منها أو الجماعیّة. وقد التفت بعض العلماء إلى هذه المعضلة؛ مبیّناً "أنّ النهج الأکثر سداداً ودقّة فی هذه المسألة هو الذی یقضی بدرس قضایا المجتمع السیاسیّ والدولة والنظام والحکومة فی الإسلام على أساس أنّ تشریعاتها مندمجة فی النسیج المتلاحم لکلّیّات العقیدة والشریعة ومفرداتهما فی الإسلام؛ ملابسة لکلّ مبدأ وقاعدة وحکم فیهما. فقضیة الحکم لیست قسماً من أقسام الشریعة الإسلامیّة، وفصلاً من فصولها، وباباً من أبوابها؛ وإنّما هی طبیعة فیها، ونتیجة لها، وسمة فیها، تتولّد منها تولّد الثمرة من الشجرة والضوء من الشمس"[3].

فـ"الإخلال بالالتزام السیاسیّ بالسلطة الشرعیّة الإسلامیّة إخلال بالالتزام کاملاً؛ لأنّ مسألة الحکم دخیلة فی ترکیب الشریعة بکاملها؛ فمع فقدان هذا الالتزام یکون ثمّة خلل عمیق لا ینحصر فی مسألة الحکم؛ وإنّما یسری فی جمیع وجوه الحیاة للمسلم"[4].

وباستقراء التراث الفقهیّ الإسلامیّ یُلاحظ ضعف العطاء فی هذا المجال؛ حتى اعتبره بعض الباحثین الحلقة الأضعف من حیث التوسّع والشرح والتفصیل[5].

 

ثانیاً: الفقه السیاسیّ الإسلامیّ.. المحاور والمسارات:

1. محاور الفقه السیاسیّ:

تتنوّع  البحوث فی قضایا السیاسة وشؤون الحکم فی محاور أربعة؛ هی:

- المحور الکلامی: عرف المتکلّمون عموماً، ومؤرّخو الفرق أنّ أخطر القضایا العقدیّة التی وقع فیها سجال کبیر، وبسببها تعمّقت الفرقة بین المسلمین؛ هی مسألة الإمامة، حتّى قیل: "ما سلّ فی الإسلام سیف على قاعدة دینیّة مثل ما سلّ على قاعدة الإمامة"[6]. وقد استوعب البحث الکلامیّ قضایا وجوب الإمامة، وعلى من تجب؟، وطرق ثبوتها، وصفات الإمام، ورکنیّة الإمامة للدین...

والتزم  المتکلّمون من مختلف المذاهب ببحث مسألة الإمامة أو الخلافة فی المتون الکلامیّة؛ وإنْ أنکر کثیر منهم أنّها من أصول الاعتقادات. وبرّر بعضهم هذا التمشّی بأنّه من باب مسایرة السابقین. قال عضد الدین الإیجی: "الإمامة ومباحثها عندنا من الفروع؛ وإنّما ذکرناها فی علم الکلام تأسّیاً بمن کان قبلنا"[7].

- المحور الفقهیّ: ویتجلّى فی عطاءات التراث؛ فی فقه القضاء، والولایات، والحدود، والجهاد...، وما له علاقة بإدارة شؤون المجتمع، وإدارة الدولة، وعلاقتها بالآخرین.

- المحور الأخلاقیّ: ویُقصد به النصوص التی کتبت عن خصائص الملوک والسلاطین والأمراء وآدابهم، والطرائق التی یجب أن یسلکوها مع مختلف فئات المجتمع؛ ککتاب "التاج فی أخلاق الملوک" للجاحظ، و"الأدب الکبیر" لابن المقفّع، و"نصیحة الملوک" للماوردیّ، و"سراج الملوک" للطرطوشیّ، و"التبر المسبوک فی نصیحة الملوک" للغزالی، وغیرها.

- المحور الفلسفیّ: ویشمل هذا المحور المدارس والآراء والمذاهب فی الفلسفة السیاسیّة؛ ومن أشهرها: آراء الفارابی فی المدینة الفاضلة، آراء الغزالی، وأفکار ابن خلدون فی الاجتماع السیاسیّ.

ومن المحیّر اختزال کثیرٍ من الباحثین الفقهَ السیاسیَّ فی بعده التقنینیّ التشریعیّ الخالص، مهملین اکتشاف المذهب، أو صیاغة النظریّة الإسلامیّة فی أسسها الفلسفیّة والکلامیّة وأبعادها الأخلاقیّة! بل نجد أغلب الباحثین فی بناء منظومة الفقه السیاسیّ الإسلامیّ على نمط "الأحکام السلطانیّة والولایات الدینیّة" لأبی الحسن الماوردیّ (364-450هـ.ق) الذی یُعرّف بکتابه فی مقدّمته: "ولمّا کانت الأحکام السلطانیّة بولاة الأمور أحقّ وکان امتزاجها بجمیع الأحکام یقطعهم عن تصفّحها مع تشاغلهم بالسیاسة والتدبیر؛ أفردتُ لها کتاباً امتثلت فیه أمر من لزمت طاعته؛ لیعلم مذاهب الفقهاء فی ما له منها فیستوفیه، وما علیه منها فیوفیه؛ توخیاً للعدل فی تنفیذه وقضائه، وتحرّیاً للنصفة فی أخذه وعطائه. وأنا أسأل الله -تعالى- حسن معونته(....)"[8]. ویعدّد فی المقدّمة ما تضمّنه الکتاب من أحکام سلطانیّة وولایات دینیّة فی عشرین باباً؛ منها: عقد الإمامة تقلید الوزارة، وتقلید الإمارة... ویذکر تقلید الإمارة على الجهاد، وولایة القضاء، وولایة المظالم، والولایة على إمامة الصلوات، والولایة على الحجّ...

2. مسارات الفقه السیاسیّ:

إنّ دراسة أزمة الفقه السیاسیّ الإسلامیّ المعاصر، لا تکتب لها الدقّة والموضوعیّة إنْ لم تؤسَّس على استقراء تاریخیّ لمسیر هذا الفقه ومنحنیاته عبر الزمن.

ومن الغریب أن نجد أنّ بعض المحاولات القلیلة التی اقتحمت هذا الباب قد سقطت فی السطحیّة والعمومیّة. ومن ذلک ما کتبه أحد الباحثین فی مقالته "نظریّات الدولة الإسلامیّة الحدیثة"؛ حیث یقسّم المراحل التی مرّ بها الفقه السیاسیّ -فی ما أسماها بمدرسة الخلافة- بالمراحل الآتیة: مرحلة الکتابات فی العهد الأمویّ؛ وهی -کما یقول-: "فی الغالب أحادیث وروایات؛ هدفها تسویغ الحکم وممارساته وإضفاء الشرعیّة علیه؛ من جهة، والتشکیک بالمدرسة المنافسة (الإمامة)؛ من جهة أخرى. ثمّ ظهرت المؤلّفات الأساسیّة فی العهد العباسیّ؛ ومعها بدأت المرحلة الثانیة التی استمرّت حتى أواخر القرن التاسع عشر المیلادی؛ حین دخل الفقه السیاسیّ لمدرسة الخلافة مرحلته الثالثة من خلال النتائج الجدیدة للفقهاء والمفکّرین الإصلاحیّین، وظلّ یعیش هذه المرحلة حتّى الثلاثینیات من القرن العشرین؛ حیث بدأت المرحلة الرابعة -التی لا تزال قائمة-، وفیها ظهرت مؤلّفات وبحوث مهمّة استوعبت جمیع جوانب فقه الدولة الإسلامیّة ونظمها"[9].

أمّا المحاولة الثانیة فقد أوردها أحمد الغامدی فی کتابه "تجدید الفقه السیاسیّ الإسلامیّ"؛ فأشار إلى أربعة مراحل شهدها التاریخ الإسلامیّ بعد وفاة رسول الله (ص)؛ وهی:

- المرحلة الأولى: المرحلة الراشدیّة: وتمتدّ إلى نهایة عهد الخلفاء الراشدین. یقول الکاتب مقوّماً هذه الحقبة: "هذه حقبة زمنیّة فریدة، کانت الأمّة فیها عزیزة، والحقوق مأخوذة، والدماء مصونة، والأعراض محفوظة"[10]، وامتدت زمنیّاً إلى سنة (41هـ.ق).

- المرحلة الثانیة: هی مرحلة التوریث والولایة القهریّة: وتمتدّ من خلافة یزید إلى سقوط الدولة العثمانیّة؛ أی من سنة (60هـ.ق) إلى سنة (1342هـ.ق).

- المرحلة الثالثة: ویسمّیها مرحلة الاستعمار وما بعده؛ وتمتدّ من تسعین سنة قبل سقوط الدولة العثمانیّة إلى سنة اندلاع أوّل شرارة من شرارات ما سمّی بالربیع العربیّ فی تونس.

- المرحلة الرابعة: تبدأ من سنة (1432هـ.ق)؛ وتؤسّس لمنعطف تاریخیّ؛ کما یظنّ الکاتب، تتحرّر فیه الشعوب من ربقة الاستبداد، وترنو للحرّیّة والعدالة والکرامة!!

فی الواقع، إنّ تحقیب مراحل تطوّر الفقه السیاسیّ لا بدّ فیه من التمییز بین مسارین؛ هما: مسار عامّ، وآخر خاصّ. ویقصد بالمسار العامّ؛ التطوّر الذی شهده تطوّر الفقه السیاسیّ الرسمیّ الذی تبنّى القراءة الرسمیّة لمسار الخلافة بعد رسول الله (ص)، ومن ثمّ التسلل التاریخیّ للدول التی قامت وحکمت باسم الإسلام؛ کالدولة الأمویّة، والعبّاسیّة، والعثمانیّة. ویمکن الحدیث فی هذا المسار العامّ عن مراحل خمس بعد عهد الرسالة؛ هی:

أ. المرحلة الأولى: وهی تشبه مرحلة التأسیس؛ وتمتاز بالتراث غیر المکتوب لسیرة الخلفاء وخطبهم وتجاربهم السیاسیّة، ویشکّل هذا التراث الخمیرة النصّیّة للفقه السیاسیّ الذی سیتشکّل فیما بعد.

ب. المرحلة الثانیة: مرحلة الفقه الضمنیّ؛ وتتمیّز بالخوض فی موضوعات الحکم، والخلافة، وصفات الحاکم، والجهاد، والخراج... ولکنْ ضمن البحوث الفقهیّة العامّة؛ وهذا ما تحویه عموم المصنّفات الفقهیّة لمختلف المذاهب.

ج. المرحلة الثالثة: تتمیّز بظهور المصنّفات الفقهیّة المتخصّصة بالشأن السیاسیّ والولایات ووظائف الحاکم أو السلطان ممّا تعارف علیه بـ"الأحکام السلطانیّة"؛ وهی تسمیة مستوحاة من کتاب الماوردیّ ومؤلّفین آخرین کتبوا تحت العنوان نفسه؛ کالفرّاء الحنبلیّ (383_458هـ.ق) الذی یقول فی مقدّمته: "... وقد رأیت أنْ أفرد کتاباً فی الإمامة؛ أحذف ما ذکرت هناک (یعنی کتاب الإمامة) من الخلاف والدلائل، وأزید فصولاً أُخر تتعلّق بما یجوز للإمام فعله من الولایات وغیرها"[11]، کما صنّفت مؤلّفات فی قضایا اقتصادیّة؛ کالخراج؛ وهی الأسبق زماناً. ومن ذلک: "کتاب الخراج" للقاضی أبی یوسف یعقوب بن إبراهیم (ت192هـ.ق)، وقد حوى هذا الکتاب موضوعات أخرى ترتبط بالفقه السیاسیّ؛ کحکم المرتدّ، وقتال أهل البغی والشرک... کما کتب یحیى بن آدم القرشیّ (ت204هـ.ق) کتاباً بالعنوان نفسه "الخراج"، وفی الفترة نفسها کتب أبو عبید القاسم بن سلام (ت224هـ.ق) کتاب "الأموال". وتمتدّ هذه المرحلة إلى سقوط الدولة العثمانیّة؛ والذی کان إیذاناً ببدء مرحلة جدیدة.

د. المرحلة الرابعة: مرحلة الصدمة: شکّل سقوط الخلافة العثمانیّة صدمة للضمیر المسلم الذی فقد بسقوط الخلافة إحساسه بالانتماء إلى کیان سیاسیّ یحمل رایة الإسلام ویمثّل الأمّة، على الرغم من کلّ الانحرافات التی تلبّست بها هذه الخلافة، والاهتراء والضعف والهوان الذی بلغته. وأمام هذا التحوّل الکبیر فی تاریخ الأمّة، انقسمت الآراء إلى ثلاثة اتّجاهات؛ هی:

- اتّجاه أیّد سقوط الخلافة، واعتبر ذلک تحوّلاً إیجابیّاً یحرّر الشعوب العربیّة والإسلامیّة من إرث الماضی الثقیل، ومن هیمنة الأتراک واستبدادهم، ومن نمط نظام سیاسیّ بالٍ یخلط الدینیّ بالزمنیّ؛ وهو نظام لم تفلح أوروبا فی تحقیق نهضتها وقیامها الحضاریّ وهیمنتها على العالم إلا بعد القطیعة معه، وتجاوزه إلى نظام علمانیّ حدیث یقوم على سلطة الشعب، والدیمقراطیّة، والفصل بین السلطات، ...

- اتّجاه سلفیّ یتباکى على مجد الإسلام، ویطالب بالعودة إلى الخلافة. وهذا کان الاتّجاه السائد بین علماء الدین. ولا تزال بعض التیّارات السلفیّة تتبنّى هذه الأطروحة.

- اتّجاه یدعو إلى تطویر الخلافة؛ وأنموذجاً على ذلک یمکن أن نشیر إلى القانونیّ الشهیر عبد الرزاق السنهوری (ت1971م) الذی اقترح تطویر الخلافة إلى ما یشبه  "الجامعة "، أو اتّحاد دول، وألّف کتاباً فی الموضوع "فقه الخلافة وتطوّرها لتصبح عصبة أمم شرقیّة".

هـ. المرحلة الخامسة: وهی مرحلة ما یسمّى بالصحوة الإسلامیّة وقیام الحرکات الإسلامیّة التی نادت بالحکم الإسلامیّ والدولة الإسلامیّة. وفی هذه المرحلة تصاعدت بعض الخطابات لتنادی بـ"الحاکمیّة" و"تطبیق الشریعة" و"جاهلیّة المجتمع"، ولکنّها فشلت فی تحقیق ذلک؛ بل تقهقرت أغلب هذه التجارب فی سلفیّات متطرّفة تکفیریّة هدّدت أمن بلدانها وسلامة نسیجها الاجتماعیّ. ولم تفلح بعض التجارب الأخرى فی مراجعة أدبیّاتها السیاسیّة لتتصالح مع شعارات الدیمقراطیّة والتداول على السلطة ونبذ العنف، فلم تنفع کلّ تلک المراجعات وتبنّی الشعارات اللمّاعة فی نجاح هذه التجارب والحرکات؛ بل نراها تغوص أکثر فأکثر فی ازدواجیّة الخطاب وبراغماتیّة سیاسیّة مفضوحة لا تنطلی على أغلب الناس.

وأمّا المسار الخاصّ؛ فهو مسار تنبع خصوصیّته من انفصاله منذ لحظة التأسیس الأولى عن المسار السابق؛ فهو لم یعترف بمشروعیّة الخلافة الأولى، وکان له نظریّاته الخاصّة فی الاجتماع السیاسیّ وقیادة الأمّة. فأطروحته تستند إلى عقیدة الإمامة وفلسفتها الاجتماعیّة والسیاسیّة؛ کما تمیّز الفقه السیاسیّ فی هذا المسار الذی التزم خطّ أهل البیت (عله) بسمات بارزة؛ أهمّها:

- الإمامة امتداد للنبوّة: فدولة ما بعد الرسول (ص) لا تختلف فی الجوهر عن الدولة النبویّة؛ فتلک استمرار لهذه، ولا قطیعة فی البین.

- العصمة والنصّ یمثّلان الإطار الدینیّ للقیادة وأساس الشرعیّة الدینیّة لدولة الإمامة.

- دولة الإمامة واشتراط النصّ شکلٌ من أشکال الوصایة الدینیّة على تجربة سیاسیّة طریّة تحدق بها المخاطر من الداخل والخارج؛ مع قصد إیصال الناس إلى مرحلة من النضج؛ یصبحون معها قادرین على ممارسة السلطة الشعبیّة.

- العدل أصل من أصول الدین وأساس من أسس الحکم، وبالتالی؛ فإنّ القیادة المعصومة هی ضرورة لحفظ العدالة.

- حتمیّة انتصار الحقّ، وسیادة العدل، وقیام المجتمع العالمیّ العادل، وإنْ ساد الظلم والجور طویلاً؛ فالعقیدة السیاسیّة لهذا المسار تؤمن بالمستقبل السعید للبشریّة وحتمیة ظهور المهدیّ (عج).

- فی زمن غیبة الإمام (عج) تُوکل هذه النظریّة القیادة ومسؤولیّة إدارة شؤون الأمّة إلى الفقهاء العدول؛ فهم الأقدر على حفظ مقاصد الحکم الإسلامیّ وتحقیق أهدافه.

- یتمیّز هذا المسار بمواکبة التحوّلات التاریخیّة؛ فهو لا یقدّم نظریّة مغلقة فی قوالب جامدة؛ بل فقهاً سیاسیّاً یواکب التحوّلات الاجتماعیّة ویتکیّف معها.

أمّا الإنتاج العلمیّ للفقه السیاسیّ فی هذا المسار، فیمثّله سیرة الرسول (ص) زمن الدعوة، ونصوص المعصومین (عله) وسیرتهم زمن الإمامة. وقد فصّلنا هذا الإرث ووزعناه على أربعة أسفار تواکب التحوّلات الاجتماعیّة السیاسیّة التی شهدها المجتمع المسلم (سفر الرسالة)، وفقه مواجهة الفتنة، وفقه الصلح والمهادنة، وفقه الثورة[12].

وفی عصر الغیبة تصدّى فقهاء هذه المدرسة للقضایا الفقهیّة، وتعرّضوا ضمنیّاً إلى قضایا الحکم والسیاسة بمعناها العامّ؛ فلا نجد إلى حدود القرن العاشر للهجرة مصنّفات فقهیّة خاصّة بالفقه السیاسیّ، ولکنّنا نرى أنّ مدوّنات الفقه منذ مرحلة قریبة من عصر الغیبة حوت موضوعات ترتبط بهذا الفقه السیاسی؛ ففی المقنعة للشیخ المفید (ت413هـ.ق) نجد عناوین: الخمس، والأنفال، والغنائم، وکتاب الجزیة، وکتاب القضاء والشهادات، وکتاب القصاص والدیات. وفی الانتصار للشریف المرتضى (ت436هـ.ق) نرصد کتاب القضاء والشهادات. وفی الکافی لأبی الصلاح الحلبیّ (ت 447هـ.ق) نجد کتاب الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، وأحکام القصاص، وأحکام الدیات. وفی کتب الشیخ الطوسی (ت460هـ.ق) نجد بعض العناوین الأخرى؛ کعمل السلطان، وأخذ جوائزهم؛ فی کتاب النهایة، وکتاب الجهاد، وکتاب قتال أهل الردّة، وکتاب قطّاع الطرق؛ فی المبسوط...

ومن الطبیعیّ أن یتأخّر ظهور مصنّفات خاصّة بقضایا الفقه السیاسیّ، بعد أن تمّ الترکیز على أصل الإمامة والتصنیف فیه فی علم الکلام، وبعد أن نحا الفقه الإمامیّ منحًى فردیّاً، وضمرت التوجّهات المجتمعیّة؛ بحکم الأوضاع الصعبة التی کان یعیشها أعلام المذهب وأتباعه وتصنیفهم؛ بوصفهم اتّجاهاً معارضاً للفقه الرسمیّ للدولة!

ولکنْ مع قیام الدولة الصفویّة وتصدّی فقهاء شیعة لمناصب فی أجهزة هذه الدولة، بدأت تظهر رسائل خاصّة فی موضوعات الحکم ومتعلّقاته؛ فکتبوا فی الخراج، وصلاة الجمعة، وفی مرحلة متقدّمة فی الجهاد.

وبدأت تبرز فکرة نیابة الفقهاء عن المعصومین (عله) مع المحقّق الکرکیّ (ت 940هـ.ق) الذی صرّح فی کتابه "جامع المقاصد" أنّ الفقیه الجامع لشرائط الحکم والفتوى؛ هو النائب العامّ للمعصوم (عج) زمن الغیبة[13].

وتکاملت الفکرة مع الشیخ النراقیّ (ت1245هـ.ق) الذی أفرد بحثاً فی کتابه "عوائد الأیام" عن ولایة الحاکم، وما له من الولایة؛ على ما جاء فی الأخبار، واعتبره بعض الباحثین "أوّل من صاغ بشکل واضح الوظیفة السیاسیّة للفقهاء فی عصر الغیبة"[14].

وفی فترة لاحقة، عرف الفقه السیاسیّ الشیعیّ مخاضاً حکمته سجالات فی موضوعین أساسین؛ هما:

- مناقشات فی أدلّة ولایة الفقیه العامّة ودائرتها؛ سعة وضیقاً.

- سجالات حادّة بین أنصار المشروطة فی إیران وخصومها.

ولکنّ النقلة الکبرى فی تاریخ هذا الفقه، تمّت مع تبلور أطروحة ولایة الفقیه والحکومة الإسلامیّة على ید الإمام الخمینی (قده)؛ وانتصار هذه الأطروحة میدانیّاً بقیام الجمهوریة الإسلامیّة فی إیران.

 

ثالثاً: مأزق الفقه السیاسی المعاصر:

یتّفق جلّ الباحثین على وجود أزمة فی الفقه السیاسیّ الإسلامیّ، ولکنّهم یختلفون فی تشخیص أسبابها. والمسار التاریخیّ القلق الذی تحرّک فیه هذا الفقه -کما بیّنا- یکشف بجلاء عن أنّ الفقه السیاسیّ العامّ سار فی منحى انحداریّ، وإنْ شهد فترات ازدهار نسبیّ، لکنّها انتعاشات موضعیّة لا یمکن أن تقتلع هذا الفقه من السیاق التراجعیّ الذی انقاد إلیه.

فالفقه السیاسیّ، کان دوماً الأقلّ توسّعاً وتفصیلاً فی هذا التراث الفقهیّ؛ وهذا أمر مفهوم إذا علمنا أنّه کُتِب تحت وطأة الاستبداد واللاشرعیّة الشعبیّة والدینیّة.

لقد تحکّم فی هذا الفقه ظلّ السلطان، فکان "فقهاً سلطانیّاً" کُتِبَ خدمة للحاکم ولمصلحته. وتاریخیّاً، فإنّ أغلب کتب الأحکام السلطانیّة کُتِبَت بطلب من خلیفة العصر أو حاکم البلد، أو حظیت على الأقلّ بمبارکته وتزکیته.

وقد حاول الباحثون تشریح أزمة هذا الفقه، ومعرفة تجلّیاتها، وتحدید أسبابها؛ فتحدّثوا عن تضخّم شخصیّة الحاکم وضمور شخصیّة الأمّة، وعن مقولة الفتنة التی اتّخذت سیفاً مسلطاً ضدّ کلّ دعوة إصلاحیّة أو حرکة معارضة "الفتنة نائمة لعن الله من أیقظها".

کما انتقدوا مبدأ الشوکة والغلبة ونظریّة حکم المتغلّب التی سادت فی التاریخ السیاسیّ للمسلمین، وکیف برّر الفقه السیاسیّ الإسلامیّ سلطة المتغلّب ولو فقد بعض مقوّمات الشرعیّة؛ وبرّروا ذلک بخشیة الفتنة، والحفاظ على وحدة الأمّة!

مع وجاهة هذه الملاحظات التی دوّنت نقداً لهذا الفقه السیاسیّ، فهی لا تلامس عمق الأزمة وجوهرها؛ فهذه الأعراض التی یتحدّثون عنها تعتبر نتائج طبیعیّة لمسار تاریخیّ قلق ومضطرب منذ بدایاته (بعد عصر الرسالة ووفاة النبی (ص))، لینتهی بنا الیوم إلى فقه الجماعات التکفیریّة المتطرّفة؛ مروراً بکلّ ذلک التاریخ من الاستبداد السیاسیّ والإخفاقات المتتالیة فی تاریخ الدولة الإسلامیّة، وفشلها فی تحقیق أهداف هذه الدولة وتجسید قیمها ومثلها.

فالأزمة -فی العمق- لا تعود إلى القصور فی الموقف من السلطان، ودور الشورى ومداها، وتشریع حکم المتغلّب... بل هی أزمة منهج، لم ینطلق من رؤیة استراتیجیّة وحضاریّة مسدّدة؛ بل استوحى مفرداته من الحوادث التاریخیّة، وخضع لحوادث التاریخ وتقلّباته، وانتزع من التجربة التاریخیّة للأمّة -بما تحویه من عقد وتعقیدات- الأطروحة والأنموذج؛ فکانت فجوة التناقضات فی هذا المنهج عمیقة بعمق التناقضات فی هذا الرصید التاریخیّ، وتحوّل بذلک إلى غطاء دینیّ تبریریّ لواقع فاسد لا یمتلک أصالة أو شرعیّة.

ویجسّد الفقه السیاسیّ للجماعات التکفیریّة المعاصرة التتویج التاریخیّ لتجربة سیاسیّة مدیدة انقادت الأمّة معها؛ من "الخلافة" والشورى المزعومة إلى الدولة التکفیریّة العنیفة!

هی نقلة انقلب فیها الفقه السیاسیّ لدولة الرسالة والنبوّة القائم على مبدأ: {وما أرسلناک إلا رحمة للعالمین}[15] إلى فقه سیاسیّ شاذ قائم على مبدأ: "بالذبح جئناکم"!

هو فقه شاذ انقلب معه الجهاد؛ من باب من أبواب الجنّة، وسبیل لتحریر الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وحفظ الدین والأعراض، والدفاع عن المظلومین، إلى تقتیلٍ للأبریاء، وهتکٍ للأعراض، وتنکیلٍ بالأقلّیّات والمخالفین، وسبیٍ للنساء، وحروبٍ عشوائیّة تدیرها عقول مریضة! فقه انقلب معه التدیّن من التزام بالقیم، وتقیّد بحدود الله وضوابط الأخلاق الإسلامیّة، إلى طاعة عمیاء للأمیر فی ما یأمر وینهى، وإنْ کان بالقتل والإجرام والفحشاء! فقه شاذ یعجّ بفتاوى عجیبة لم یشهد لها التاریخ مثیلاً -إلا مع الجماعات الباطنیّة فی التاریخ- کالقرامطة والحشّاشین... فقه أباح المنکرات وسوّغ الفواحش، وجوّز انتهاک الحرمات وهتک الأغراض، وأحلّ التقتیل والتمثیل؛ کلّ ذلک بحجّة إقامة الدولة الإسلامیّة أو الإمارة الإسلامیّة!

هکذا تتحوّل السیاسة -مع هذا الفقه السیاسیّ المریض- من إدارة شؤون الناس إلى إدارة التوحّش؛ فقد نظّر بعض رموز السلفیّة القتالیّة[16] لمرحلة انتقالیّة سمّاها "إدارة التوحّش" تعقبها مرحلة قیام الدولة الإسلامیّة المزعومة؛ حیث یقول: "فإذا نجحنا فی إدارة هذا التوحّش؛ ستکون تلک المرحلة -بإذن الله- هی المعبر لدولة الإسلام المنتظرة منذ سقوط الخلافة، وإذا أخفقنا -أعاذنا الله من ذلک-، فلا یعنی ذلک انتهاء الأمر، ولکنّ هذا الإخفاق سیؤدّی إلى مزید من التوحّش"[17].

وتؤکّد التجربة التی عاشتها المناطق المنفلتة من قبضة دولها والساقطة تحت إدارة هؤلاء "المتوحّشین" أنّهم نجحوا فعلاً فی نشر فوضى التوحّش فی هذه البقاع! فغیاب سلطة الدولة، وشذوذ هؤلاء الفکریّ والنفسیّ والسلوکیّ؛ کلّ هذه العناصر أغرتهم بالعلوّ والطغیان فی الأرض؛ فعاثوا فیها فساداً.

ومن الغریب أن یتمّ إسقاط مصطلح "إدارة التوحّش" على تاریخ الدعوة الإسلامیّة؛ فی محاولة إعطاء مشروعیّة تاریخیّة لهذا المصطلح الغریب؛ بادّعاء "أنّ إدارة التوحّش قامت فی تاریخنا الإسلامیّ مرّات عدیدة، وأوّل مثال لها کان بدایة الدولة الإسلامیّة فی المدینة"[18].

وبذلک تتحوّل السیاسة من رعایة شؤون الناس وإدارة حاجاتهم ومتطلّباتهم الدینیّة والدنیویّة، إلى إدارة تعمّق الفوضى والتوحّش والاستبداد باسم الشریعة وتحت شعار الدولة الإسلامیّة!

إنّها ثمرة تسلسل تاریخیّ مشبوه لفکر سیاسیّ منبَّتٍ؛ بها "یعرف التالون غبّ ما أسّس الأوّلون"[19].

رابعاً: جذور الوهن فی الفقه السیاسیّ:

تقدّم أنّ جوهر الأزمة یکمن فی المنهج الذی سلکه هذا الفقه، لا فی المقولات التی تبنّاها فقط.  ویمکن استقصاء مکامن الخلل المنهجیّ فی العناصر الآتیة:

أ. الخلط بین الزمنیّ والدینیّ:

حیث ضاع هذا الفقه بین تَسییس الدین وتدیین السیاسة، وجذور الأزمة فی هذا السیاق تعود إلى الحوادث بعد وفاة رسول الله (ص)؛ فقد أصرّ أتباع المسار العامّ أو الرسمیّ للفقه السیاسیّ الإسلامیّ على أنّ تعیین خلیفة بعد الرسول (ص) لا علاقة للوحی والسماء به؛ وهو شأن دنیویّ یحسمه الصحابة فی ما بینهم. وهذا ما تمّ فعلاً فی حادثة السقیفة؛ کما تحدّثنا کتب التاریخ. ولکنّهم فی ما بعد اضطرّوا إلى أن یمنحوا هذا الأسلوب الذی اعتمد -بحجّة أنّ الخلافة شأن زمانیّ- صبغة دینیّة، فأضحت (الشورى) منهجاً دینیّاً معتمداً. فبعد أن سیّسوا الدین -بإنکار دوره فی شأن خلافة رسول الله (ص)- اضطرّوا لتدیین خیاراهم السیاسیّ ومنحه شرعة دینیّة! کما منحوا الخلیفة صفة وأدواراً دینیّة، فهم یقطعون مع الرسول (ص) من جهة؛ بإنکار دوره فی تعیین الإمام أو الخلیفة من بعده، ومن جهة أخرى یصلونه ویحاولون أن یکون لهذا الخلیفة نوع امتداد للرسول (ص)! 

ومن جانبٍ آخر، نراهم یبحثون قضایا الخلافة والإمامة فی کتب الکلام، مع أنّهم لا یعتقدون بأنّها من أصول الاعتقادات؛ بل هی من القضایا الحیاتیّة الفرعیّة التی صّرح أکثر من متکلّم وفقیه أنّها بالفقه ألیق! فلا عجب -مع هذا الاضطراب- أن تصبح وظیفة فقهاء السیاسة إعطاء الشرعیّة لکلّ سلطة قائمة، ولو بالغلبة والقهر! ویبدو أنّ هذه المعضلة هی التی دعت الشیخ علی عبد الرازق (ت1966م) إلى إنکار وجود خلافة دینیّة فی الإسلام فی کتابه "الإسلام وأصول الحکم"، وذهابه إلى أنّ مسألة الحکم لیست من الدین فی شیء، وأنّ الإسلام دعوة دینیّة أسّست لمجتمع دینیّ، وأنّه لا یوجد نظام سیاسیّ فی الإسلام! وهو فی الواقع ینطق بالمسکوت عنه فی مسار الفقه السیاسیّ الإسلامیّ العامّ.

ب. التبریر قبل التنظیر:

أوقع التفکیک الذی حصل بین النظریّة السیاسیّة والتطبیق التاریخیّ لمسار الدولة، الفقهَ السیاسیّ العامّ فی هذه المشکلة؛ فغدا دور فقیه السیاسة أن یبرّر للسلطان موقعیّته وصلاحیّاته الواسعة؛ عوض أن یکون دوره تنظیریّاً قائماً على استنطاق النصّ ونقد الواقع.

ویمکن تفسیر هذا الخلل بأنّ التنظیر یتطلّب حرّیّة فی التعاطی مع النصّ والقراءة المستقلّة للواقع، ولکنْ فی أجواء القهر والاستبداد، لا یمکن للفقیه أن یصدع بسلبیّات الواقع، أو ینادی بالإصلاح، أو یکشف عن استحقاقات الأمّة وحقوق الناس؛ خشیة سطوة السلطان. فلا یبقى أمامه إلا تبریر الواقع وتغطیته بغطاء دینیّ! والمثال على هذه الأفکار التبریریّة: مبدأ الغلبة؛ الذی یرجعه بعضهم إلى أبی الحسن الماوردیّ، حیث یقول: "الفضل یعود إلى الماوردیّ فی تأسیس نظریّة الضرورة فی الواقع السیاسیّ؛ والتی تبنّاها کلّ من الغزالی وابن جماعة؛ عندما استخدما النظریّة نفسها لتبریر الاستیلاء على الإمارة، أو ما یعرف بالفکر الإسلامیّ: "ولایة المتغلّب""[20].

وقد التفت بعض الباحثین إلى خطورة هذا العقم التنظیریّ فی التاریخ، وانعکاسه أزمات فی واقع الأمّة، فـ"ما تعیشه الأمّة من أزمات سیاسیّة لا یمکن فصله عمّا عرفه التاریخ الإسلامیّ على مستوى التنظیر؛ بشقّیه الفقهیّ والفلسفیّ فی مجال الحکم وبناء السلطة، والذی یصل إلى حدّ الإغراء بالاستبداد المنتج للتخلّف والمؤذن بخراب العمران"[21].

 

ج. المرکز لیس للصلاحیّات بل للسلطان:

من خلال استقراء کتب الفقه السیاسیّ، یسجّل الباحث ملاحظة حسّاسة فی منهج استکشاف تفاصیل المذهب السیاسیّ؛ وهی تضخّم موقع الحاکم والسلطان فی هذا الفقه، وضمور موقع الأمّة وحقوقها وأدوارها السیاسیّة. وهذا یجعل الفقه السیاسیّ یصطدم مع غایته الأساسیّة والدعوى بأنّ السیاسة الشرعیّة تستهدف إیصال الناس إلى کمالهم النوعیّ.

فالسلطان هو مرکز الاهتمام، وهو أهمّ من السیاسات والخطط والأنظمة. وقد تعشعش هذا الارتکاز فی العقول والأرواح، حتّى غدا السلطان ظلّ الله فی الأرض، وغدت الأمّة "رعاعاً " و"عامةً" و"رعیّةً" و"غوغاء"! فأبو جعفر المنصور -مثلاً- یسمّی نفسه سلطان الله فی أرضه، والخلیفة الثالث یردّ على مطالب الثوّار بالاعتزال "ما کنت لأنزع قمیصاً ألبسنیه الله"!

حتى مصنّفات المحور الأخلاقیّ فی فقه السیاسة، التی یتوقّع منها -باعتبار أنّها کُتِبت للنصح والتوجیه- نقد السلطان والتخلّص من نزعة التمجید والتعظیم والتقدیس، نجدها فی الغالب تنزع نحو الاتّجاه نفسه، وتکرّس تلک الصورة الأسطوریّة للسلطان. یرى الماوردی فی کتابه "نصیحة الملوک" أنّ السلطة والقدرة للملوک، وهم اختیار الله للرعیّة، کما یجعل البشر مسخّرین لهم، ویفضّلهم على طبقات البشر؛ حیث یقول: "فضّل الله جلّ ذِکْره الملوک على طبقات البشر، تفضیل البشر على سائر أنواع الخلق وأجناسه"[22]، ویقول -أیضاً-: "إنّ الله جعل الملوک خلفاءه فی بلاده، والسلطان ظلّ الله فی الأرض، وسمّاهم رعاة عباده؛ تشبیهاً لهم بالرعاة الذین یرعون السوائم والبهائم، وتمثیلاً لرعایاهم بالإضافة إلیهم بها. ولهذا المعنى سمّاهم الحکماء ساسة؛ إذ کان محلّهم من مسوسیهم محلّ السائس ممّا یسوسه من البهائم والدوابّ الناقصة الحال؛ من القیام بأمور نفسها، والعلم بمصالحها ومفاسدها. وسمّوا أفعالهم الخاصّة بهم سیاسة"[23]!

لقد کان لهذا التضخّم انعکاسات على محاور أخرى فی الفقه السیاسیّ؛ منها المحور الفلسفیّ المتکفّل ببلورة الفلسفة السیاسیّة، حیث الإشکالیة التی تفرض نفسها فی هذا السیاق: أنّ المسلمین استفادوا من التراث الیونانیّ وترجموا فلسفته ومنطقه وعلومه، واحتلّ أرسطو وأفلاطون مکانةً بارزة لدى الفلاسفة والعلماء المسلمین عموماً، فلماذا لم تتمّ الاستفادة العمیقة من الآراء السیاسیّة فی کتاب السیاسة لأرسطو، وکتاب الجمهوریّة لأفلاطون؟ وبتعبیر علی عبد الرازق: "لماذا وقفوا حیارى أمام ذلک العلم (علوم السیاسة)، وارتدّوا دون مباحثه حاسرین؟ ما لهم أهملوا النظر فی کتاب الجمهوریّة لأفلاطون، وکتاب السیاسة لأرسطو؛ وهم الذین بلغ من إعجابهم بأرسطو أنْ لقّبوه بالمعلّم الأوّل؟ وما لهم رضوا أن یترکوا المسلمین فی جهالة مطبقة بمبادئ السیاسة وأنواع الحکومات؛ وهم الذین ارتضوا أن ینهجوا بالمسلمین مناهج السِّرْیَان فی علم النحو"[24].

لا شکّ فی أنّ تضخّم موقع السلطان والاستبداد السیاسیّ یکمن وراء هذه الظاهرة. وبسبب ذلک -أیضاً- ضیّق الفقهاء الأسباب الموجبة للعزل، فاعترف بعضهم بشرعیّة حاکم طرأ علیه الجنون؛ إنْ کان جنونه أدواریّاً لا إطباقیّاً!

 

د. انخرام الأساس القیمیّ:

مع تمرکز المنهج حول السلطان، کان من الطبیعیّ أن تتلاشى القیم؛ وبخاّصة قیمة الحرّیّة والعدالة، فکیف بحاکم یکرّس نفسه بوصفه ذاتاً تفوق البشر، ویحمل صفات الإله! یقول الماوردیّ: "الله أکرمهم بالصفة التی وصف بها نفسه، فسمّاهم ملوکاً وسمّى نفسه ملکاً، فقال ملک یوم الدین"[25]. فیُمنح کلّ هذا النفوذ المالیّ والاجتماعیّ والعسکریّ، وفوق ذلک تُصبغ علیه شرعیّة دینیّة وقداسة إیمانیّة! فکیف لحاکم -مع کلّ هذه الامتیازات- ألا یتجرّأ على الناس، ویغریه هذا الوضع بالاستبداد والطغیان؟! کیف لا؛ والنفس البشریّة جبلت على الاستعلاء والطغیان کلّما توهّمت أنّها تملک عناصر القوّة، وأنّ لها من الاستقلالیّة والاستغناء عن الآخرین ما یخوّلها لإخضاع الجمیع وتسخیرهم لخدمته: {کلا إنّ الإنسان لیطغى* أن رآه استغنى}[26].

ولمّا شرّع هذا الفقه الغلبة والاستیلاء، واعتبره طریقاً قانونیّاً للوصول إلى الخلافة –وبالفعل، یحدّثنا التاریخ أنّ أغلب الحکّام اکتسبوا شرعیّتهم من هذا الطریق- ولمّا کان الأساس فی المستولی أنّه ذو شوکة حتّى یخضع له من حوله؛ تنازل الفقه السیاسیّ عن کلّ الشروط التی اشترطها -من حیث المبدأ- فی الخلیفة. ولذلک، یمکن القول: إنّ "شرط العدالة الذی یذکرونه هو شرط شکلیّ، وصریح کلماتهم یکشف عن أنّها شرط شکلیّ لا یؤثّر زوالها فی استدامة الإمامة إجماعاً. والمشهور أنّه لا یؤثّر عدمها فی انقعاد الإمامة وشرعیّة سلطة الإمام، فیجوز أن یکون الإمام فاسقاً جائراً خارجاً عن أحکام الشریعة وجادة الشریعة بین الناس"[27].

وعلیه، فإنّ الذین اشترطوا شرط العدالة إنّما قیّدوه بحال القدرة. أمّا فی حال العجز، فیسقط هذا الشرط؛ وتکون الإمامة من باب الضرورة، أو هی" خلافة ناقصة"؛ کما یعبّر القانونیّ عبد الرزّاق السنهوریّ.

ویقودنا الفقه السیاسیّ إلى نتیجة قاسیة، یسقط معها أساس الحکم وقیم الحیاة العامّة. وللأسف لم یکتفِ بذلک؛ بل ضیّق هذا الفقه موجبات العزل؛ وکأنّ الخلیفة إذا تصدّى للخلافة، فقد امتلک حصانة تزول معها کلّ الشروط المبدئیّة التی یتحدّث عنها، فعلى قول المشهور: لا یوجب طروّ الفسق على الخلیفة عزله!

کما قاد هذا المنهج فی هذا السیاق إلى انخرام منظومة القیم؛ لأنّه تذرّع بقاعدة درء الفتنة؛ وأنّ الفتنة خطّ أحمر لا یسمح بتخطّیه، فکان شعار تجنّب الفتنة موجباً لاختزال أهل الحلّ والعقد أو أهل الشورى فی أقلّ عدد ممکن من الأشخاص المؤهّلین، کما کان تجنّب الفتنة ذریعة لما أشرنا إلیه سابقاً من تضییق موجبات العزل، وبالتالی؛ باسم تجنّب الفتنة أفرغنا الفقه السیاسیّ الإسلامیّ من مقاصده.

ویصحّ القول: إنّ من المفارقات التاریخیّة أنّ هذا الفقه -باسم تجنّب الفتنة- أوقع الأمّة فی فتن متلاحقة، لا تزال الأمّة تتجرّع مراراتها إلى الیوم!

 

خامساً: المشروع الحضاریّ الإسلامیّ حاجة متأصلة:  

لقد قادت أزمة الفقه السیاسیّ الإسلامیّ فی مساره العامّ -الذی اتّخذ اتّجاهاً انحداریّاً بلغت معه الأزمة ذروتها مع استشراء ظاهرة الجماعات التکفیریّة المعاصرة- العدید من الأقلام والمفکّرین والسیاسیّین إلى ادّعاء فشل المشروع الحضاریّ الإسلامیّ، وسقوط ما یسمّونه "الإسلام السیاسیّ".

کما أدّت أحداث العقود الأخیرة إلى تحوّل عمیق فی مسار ما سمّی بـ"الصحوة الإسلامیّة" فی القرن الماضی؛ وبالخصوص فی عقوده الثلاثة الأخیرة.

وعمّقت هذه الأزمة الفشل الذریع لأغلب الحرکات الإسلامیّة التی تصدّت لشؤون الحکم فی سیاق ما سمّی بـ "الربیع العربیّ"، فاختفت من الشوارع المظاهرات والمسیرات التی تطالب بتطبیق الشریعة؛ بعدما رأى العالم کیف تنتهک الجماعات التکفیریّة حرمات الناس وتعتدی وتنکّل بهم باسم الشریعة! ولم تعد الدولة الإسلامیّة حلم الشباب ولا الکهول، بعد أن نجحت الدوائر الاستخباراتیّة فی تشویه هذا المصطلح وشحنه بکلّ دلالات العنف والوحشیّة والإرهاب؛ من خلال تسمیة الفصیل الأکثر تطرّفاً فی هذه الجماعات باسم الدولة الإسلامیّة! وأضحت شعارات السبعینات والثمانیات من القرن الماضی -"الإسلام هو الحلّ"، و "القرآن شریعتنا"، وغیرها- بلا رصید جماهیریّ کبیر!

إنّنا ندرک کلّ ذلک، ونرى المسار الانحداریّ الذی سلکه الفقه السیاسیّ الإسلامیّ العامّ؛ من شورى شکلیّة إلى "دیکاتوریّة التوحّش"، ولکنّه لا یصلح أن یکون دلیلاً على إفلاس المشروع الحضاریّ الإسلامیّ؛ بل إنّ هذا الأخیر لا یمثّل -فقط- حاجة ماسّة للعالم الإسلامی، وإنّما للبشریة جمعاء، مع انسداد الأفق، وتفاقم الأزمات فی العالم، وشیوع الیأس والإحباط والتوتر؛ شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً!

یعیش العالم الیوم إفلاساً حضاریّاً؛ على الرغم من کلّ ما یزخر به من إنجازات علمیّة وتقنیّة... فکلّ هذه التراکمات فی عالم الأشیاء لا تزید البشریّة إلا إحساساً بالفراغ والضیاع واللامعنى!

وقد یتساءل القارئ: کیف تدّعون ذلک؛ وأنتم ترصدون جیّداً عمق الأزمة التی شرحتم أسبابها وحلّلتم أبعادها؟

ویکمن الجواب فی أنّ هذه الأزمة التی حلّلناها هی النتیجة الطبیعیّة لمسار الدولة الرسمیّة فی تاریخنا الإسلامیّ، والتی لا یمکن أن تعطی مقدّماته إلا مثل هذه النتائج.. إنّه منطق التاریخ، والتراکمات التاریخیّة!

ولکنّ المشروع الحضاریّ الإسلامیّ لا یمکن أن یسقط؛ لمجرّد فشل مشروع من مشاریع الفقه السیاسیّ الإسلامیّ! والدلیل على ذلک وجود مسار آخر للفقه السیاسیّ الإسلامیّ (الفقه الإمامیّ) تحرّک إلى جانب مسار الفقه الأوّل، لکنّه یعیش عصر انتصارات وفتوحات؛ فهذا المنحى الخاصّ للفقه السیاسیّ الإسلامیّ یقود دولة إسلامیّة بلغت مستویات مشرِّفة من التقدّم والازدهار على أکثر من صعید، وفرضت نفسها قوّة ورقماً صعباً فی المعادلات الإقلیمیّة والدولیّة. وهذا الفقه نجح فی التأطیر لحرکات نضالیّة مقاومة، وتجارب سیاسیة رائدة، تسجّل الانتصار تلو الانتصار، على درب تحریر الأوطان، ومواجهة الصهیونیّة وقوى الاستکبار والعمالة.

إذاً، لیست الأزمة فی المشروع الحضاریّ الإسلامیّ وعصبه الحیّ، وهو الفقه السیاسیّ الإسلامیّ؛ بل الأزمة فی مسار من مسارات هذا الفقه، یرید البعض أن یستغلّه ویعمّمه ویوظّفه فی حربه على الإسلام، مستغلاً النفور والرفض القاطع لعموم جماهیر الأمّة للتکفیریّین، ونبذهم لأفکارهم وممارساتهم، ورفضهم لکلّ شعاراتهم الدینیّة المزیّفة.

إنّ المسار الخاصّ -الذی تحدّثنا عنه سابقاً- یملک من مقوّمات القوّة ما یفسّر نجاجه الدائم وفعّالیّته. لقد استطاع هذا المسار أن یتجاوز کلّ العوائق المنهجیّة التی وقع فیها المنحى الآخر؛ للأمور الآتیة:

- أنّه انطلق من رؤیة متکاملة ومحدّدة وواضحة هی مسار الإمامة؛ إمامة متعیّنة فی شخصیّات محدّدة؛ فالنصّ دوره التعیین، ودور الأمّة التمکین.

- أنّ منظومة القیم مقدّسة، ولا یمکن المساس بها. وقد حرص هذا المسار على صونها وحفظها؛ مهما کانت الظروف؛ فالعدل مقصد أساس، وهو أصل من أصول الدین قبل أن یکون مقصداً فی السیاسة والاجتماع والاقتصاد. والعصمة تمثّل الدرجة الأعلى لملکة العدالة فی الإنسان، وهی ضمانة لهذه القیمة فی شخص الإمام وسیاساته فی الناس.

- نجح هذا المسار فی عصر الإمامة فی أنْ یستوعب کلّ الملابسات والتحوّلات التی عصفت بتجربة دولة النبوّة، فی سیاق برنامج متکامل أشرنا إلیه سابقاً.

- کان هذا المسار واقعیّاً، مدرکاً أنّ التجربة الجدیدة للدولة الإسلامیّة تتطلّب وصایة فکریّة، وتمتدّ فترة زمانیّة مدیدة نسبیّاً، تتهیّأ من خلالها الأمّة، وتنضج قدراتها لقیادة الدولة وإدارة شؤونها بنفسها. فالأمّة لم یکن یناسبها فی المنعطف بعد وفاة رسول الله؛ أسلوب "الشورى الشکلیّة"؛ وإنّما أصل الإمامة.

- اتّسم هذا المسار؛ بمراعاة الواقع فی تحدید نمط النظم، وأسالیب قیادة المجتمع، فبعد عصر الإمامة، لم یجمد هذا الفقه، بل استفاد من تأطیر الأئمّة (عله) وحرکة الأمّة زمن غیبتهم، فکانت قیادة الفقهاء العدول والعلماء الربّانیّین الذین تصدّوا للقیادة الدینیّة والسیاسیّة کلّما أتیحت لهم الفرصة، إلى أنْ کلّل الله هذه الجهود بقیام الإمام الخمینی (قده) وتأسیس الجمهوریّة الإسلامیّة فی إیران.

- کان قیام الحمهوریّة إیذاناً بنقلة کبیرة فی تاریخ الفقه السیاسیّ الإسلامیّ الذی شهد تحوّلاً کمّیّاً ونوعیّاً، وبرزت إلى الساحة رؤى واجتهادات وأطروحات عمّقت المشروع ورسّخته أکثر. کما کان هذا القیام إیذاناً بدور أعظم للأمّة، على مستوى الأداء السیاسیّ؛ أداء یتطوّر وینمو فی ظلّ قیادة رشیدة تنظِّر للسلطة الشعبیّة الدینیّة.

وهکذا تضعنا التجربة التاریخیّة للمسارین أمام مفارقة محیّرة: منحى فیه انتقال من شورى مزعومة إلى دکتاتوریّة التوحّش، ومنحى فیه انتقال من وصایة إلهیّة إلى سلطة شعبیّة دینیّة!

فتصطدم مقوّمات المشروع الحضاریّ الإسلامیّ وسماته العامّة مع أطروحات الفقه السیاسیّ الإسلامیّ العامّ؛ فهذا المشروع یستند إلى رؤیة کونیّة واقعیّة شاملة نجحت فی صهر کلّ الثنائیّات التی عجزت الفلسفات والتنظیرات الغربیّة والشرقیة أن تحلّ معضلتها؛ فقد جمع هذا المشروع بین "الغیب والشهادة"، و"الروح والجسد"، و"الموت والحیاة"، و"الدنیا والآخرة"، و"الفرد والمجتمع"، و"الرجل والمرأة"، و"الأنا والآخر"، و"السلام والجهاد"، و"الثابت والمتغیّر"، ... واتّسم بسمات وممیّزات أهمّها:

- الإنسانیّة: وتتجلّى أساساً فی الاستجابة لمتطلّبات الإنسان الواقعیّة، فی مختلف المجالات الاقتصادیّة والسیاسیّة والاجتماعیّة.

- المرونة: ویمکن تلخیص هذا المبدأ بتنوّع عناصر التشریع الإسلامیّ إلى ثوابت ومتغیّرات. وهذه المرونة عبر التاریخ هی التی أقدرت الإسلام على استیعاب مختلف الحضارات والثقافات، فصهر الإسلام بیئات عربیّة وفارسیّة وکردیّة وترکیّة... ولم یکن الإسلام لیبقى دیناً وثقافةً وحضارةً لولا قدرته على التکیّف مع متطلّبات العصر، ومع معطیات الزمان والمکان. وجوهر هذه القابلیّة یکمن فی ثنائیّة "الثابت والمتغیّر" فی منظومة التشریع؛ فالجانب الثابت یستجیب للحاجات والمتطلّبات الثابتة، والجانب المتغیّر ناظر إلى المتحوّلات فی حیاة الناس وأنشطتهم وعلاقاتهم فی مختلف المجالات. ومن هنا، کان الاجتهاد ضرورة لاستکمال بناء المشروع الحضاریّ فی مفرداته المتبدلّة والمتحرّکة.

إنّ المشروع السلفیّ التکفیریّ وفقهه السیاسیّ یصطدم کلّیّة مع هاتین الدعامتین؛ وهما: المرونة، والإنسانیّة، فمظاهر القسوة والشدّة والتوحّش والعنف التی یقوم علیها هذا المشروع المریض لا تترک مجالاً للقیم والأخلاق والإنسانیّة. والمنهج الحرفیّ السطحیّ والقشریّ فی فهم الدین لا یدع مجالاً للحدیث عن المرونة؛ هذه الجماعات هی أعداء المشروع الحضاریّ الإسلامیّ، وإنْ ادّعوا الانتساب إلیه، أو رفعوا شعاراته!

 

خاتمة:

یبقى السؤال الکبیر: هل یستطیع المسلمون وطلائعهم الفکریّة والعلمیّة أن یتجاوزوا الأطر المذهبیّة الضیّقة لاجتهاد سیاسیّ منفتح على کلّ القراءات والسیاقات التاریخیّة؟ وإلى أیّ مدى یستطیع فقهاء السیاسة فی زماننا أن یتخلّصوا من المواقف المسبقة ضدّ الإمامة ومبدأ الوصایة الإلهیّة؟ وهل یملک هؤلاء الجرأة على القراءة النقدیّة لمسار الفقه السیاسیّ الرسمیّ؛ منذ انطلاقته الأولى وانقلابه إلى ملک عضوض؟ وهل یمکن أن یستفیدوا من تأصّل هذه التجربة وتجذّرها فی منظومة العقیدة (أصل العدل)، وإیمانها الحتمیّ بالانتصار، وقیام المجتمع العالمیّ العادل، ومن إنجازاتها فی عصرنا الحالی؛ للتخلّص من عقد الماضی، وظلال التاریخ، والانخراط فی مشروع لامذهبیّ یستهدف تحقیق الحضارة الإسلامیّة؟ لقد أکّد الإمام الخامنئی (دام ظلّه) على أنّ "هدف الثورة، لیس تصدیر الثورة؛ وإنّما تحقیق الحضارة الإسلامیّة، کما إنّ الحضارة الإسلامیّة لیست بفتح البلدان الأخرى، بل بتأثّر الشعوب فکریّاً بالإسلام"[28].



[1]  باحث فی الفکر الإسلامیّ، من تونس.

[2] الفهدوی، خالد: الفقه السیاسیّ الإسلامیّ، ط3، دمشق، دار الأوائل، 2008م، ص75.

[3]  شمس الدین، محمد مهدی: فی الاجتماع السیاسیّ الإسلامیّ، ط1، بیروت، المؤسّسة الدولیّة للدراسات والنشر، 1992م، ص4.

[4]  شمس الدین، فی الاجتماع السیاسیّ الإسلامیّ، م.س، ص4.

[5]  انظر: النجّار، عبد المجید: "تجدید فقه السیاسة الشرعیّة"، بحث مقدّم للدورة 16 فی المجلس الأوروبیّ للإفتاء والبحوث، إسطنبول، یولیو2006م. انظر: موقع المجلس على الرابط الآتی:  www.e-cfr.org

[6]  الشهرستانی، محمد بن عبد الکریم: الملل والنحل، ط2، بیروت، دار الکتب العلمیّة، 1992م، ص13.

[7]  الإیجی، عضد الدین: المواقف، تحقیق: عبد الرحمن عمیرة، ط1، بیروت، دار الجیل، 1417هـ.ق/ 1997م، ج3، ص574.

[8] الماوردیّ، أبو الحسن: الأحکام السلطانیّة والولایات الدینیّة، تحقیق: أحمد المبارک، ط1، الکویت، دار ابن قتیبة، 1409هـ.ق/ 1989م، ص1.

[9]  المؤمن، علی: نظریّات الدولة الإسلامیّة الحدیثة"، مجلة المنهاج، فصلیّة فکریّة تخصّصیّة تصدر عن مرکز الغدیر للدراسات، العدد20، شتاء 2000م، ص258.

[10]  الغامدی، أحمد: تجدید الفقه السیاسیّ فی المجتمع الإسلامیّ، ط2، القاهرة، دار ابن رجب، 2013م، ج1، ص13.

[11]  الفراء الحنبلیّ، محمد بن الحسین: الأحکام السلطانیّة، تحقیق: محمد حامد الفقیه، بیروت، دارالکتب العلمیّة، 2000م، ص19.

[12]  انظر: للکاتب نفسه: "قیام الحسین (ع) وفقه الثورة"، دراسة قُدِّمت لمؤتمر "الإمام الحسین (ع).. نهضة حیاة وإحیاء دین"، تنظیم جامعة المصطفى(ص) العالمیّة، بیروت، آذار2016م.

[13] الکرکی، علی بن حسین: جامع المقاصد فی شرح القواعد، تحقیق ونشر: مؤسّسة آل البیت (عله)، ط1، قم المقدّسة، 1411هـ.ق، ج11، ص266.

[14] الرفاعی، عبد الجبار: مقدّمة کتاب تنبیه الأمّة وتنزیه الملّة (المحقّق النائینی)، ط1، بغداد، مرکز دراسات فلسفة الدین، 2014م.

[15] سورة الأنبیاء، الآیة 107.

[16]  انظر: ناجی، أبو بکر: إدارة التوحّش، لا م، مرکز الدراسات والبحوث الإسلامیّة، لا ت.

[17]  م.ن، ص4.

[18]  ناجی، إدارة التوحّش، م.س، ص12.

[19]  ابن بابویه، محمد بن علی (الصدوق): معانی الأخبار، تصحیح وتعلیق: علی أکبر الغفاری، لا.ط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامیّ التابعة لجماعة المدرّسین بقم المقدّسة، 1379هـ.ق/ 1338هـ.ش، باب معانی قول فاطمة (علیها السلام) لنساء المهاجرین والأنصار فی علّتها، ص355.

[20]  روزنثال، فرانز: مقدّمة تحقیق کتاب الأحکام السلطانیة (للماوردی)، م.س، ص (ت ت).

[21]  النجّار، "تجدید فقه السیاسة الشرعیّة"، م.س.

[22]  الماوردی، أبو الحسن: نصیحة الملوک، تحقیق: خضر محمد خضر، ط1، الکویت، مکتبة الفلاح، 1402هـ.ق/ 1983م، ص50.

[23]  الماوردی، نصیحة الملوک، م.س، ص51.

[24]  عبد الرازق، علی: الإسلام وأصول الحکم، تقدیم: محمد عمارة، ط1، المؤسّسة العربیّة للدراسات والنشر، 2000م، ص128.

[25]  الماوردیّ، نصیحة الملوک، م.س، ص50.

[26] سورة العلق، الآیتان 5-6.

[27]  شمس الدین، محمد مهدی: نظام الحکم والإدارة، ط2، بیروت، المؤسّسة الدولیّة للدراسات والنشر، 1991م، ص205.

[28] من خطاب السیّد الإمام الخامنئی (دام ظلّه) فی لقاء مع الشورى المرکزیّة فی مرکز الأنموذج الإسلامیّ الإیرانیّ للتقدّم؛ بتاریخ: 25/4/2016م.

[1] الفهدوی، خالد: الفقه السیاسیّ الإسلامیّ، ط3، دمشق، دار الأوائل، 2008م، ص75.
[1]  شمس الدین، محمد مهدی: فی الاجتماع السیاسیّ الإسلامیّ، ط1، بیروت، المؤسّسة الدولیّة للدراسات والنشر، 1992م، ص4.
[1]  شمس الدین، فی الاجتماع السیاسیّ الإسلامیّ، م.س، ص4.
[1]  انظر: النجّار، عبد المجید: "تجدید فقه السیاسة الشرعیّة"، بحث مقدّم للدورة 16 فی المجلس الأوروبیّ للإفتاء والبحوث، إسطنبول، یولیو2006م. انظر: موقع المجلس على الرابط الآتی:  www.e-cfr.org
[1]  الشهرستانی، محمد بن عبد الکریم: الملل والنحل، ط2، بیروت، دار الکتب العلمیّة، 1992م، ص13.
[1]  الإیجی، عضد الدین: المواقف، تحقیق: عبد الرحمن عمیرة، ط1، بیروت، دار الجیل، 1417هـ.ق/ 1997م، ج3، ص574.
[1] الماوردیّ، أبو الحسن: الأحکام السلطانیّة والولایات الدینیّة، تحقیق: أحمد المبارک، ط1، الکویت، دار ابن قتیبة، 1409هـ.ق/ 1989م، ص1.
[1]  المؤمن، علی: نظریّات الدولة الإسلامیّة الحدیثة"، مجلة المنهاج، فصلیّة فکریّة تخصّصیّة تصدر عن مرکز الغدیر للدراسات، العدد20، شتاء 2000م، ص258.
[1]  الغامدی، أحمد: تجدید الفقه السیاسیّ فی المجتمع الإسلامیّ، ط2، القاهرة، دار ابن رجب، 2013م، ج1، ص13.
[1]  الفراء الحنبلیّ، محمد بن الحسین: الأحکام السلطانیّة، تحقیق: محمد حامد الفقیه، بیروت، دارالکتب العلمیّة، 2000م، ص19.
[1]  انظر: للکاتب نفسه: "قیام الحسین (ع) وفقه الثورة"، دراسة قُدِّمت لمؤتمر "الإمام الحسین (ع).. نهضة حیاة وإحیاء دین"، تنظیم جامعة المصطفى(ص) العالمیّة، بیروت، آذار2016م.
[1] الکرکی، علی بن حسین: جامع المقاصد فی شرح القواعد، تحقیق ونشر: مؤسّسة آل البیت (عله)، ط1، قم المقدّسة، 1411هـ.ق، ج11، ص266.
[1] الرفاعی، عبد الجبار: مقدّمة کتاب تنبیه الأمّة وتنزیه الملّة (المحقّق النائینی)، ط1، بغداد، مرکز دراسات فلسفة الدین، 2014م.
[1] سورة الأنبیاء، الآیة 107.
[1]  انظر: ناجی، أبو بکر: إدارة التوحّش، لا م، مرکز الدراسات والبحوث الإسلامیّة، لا ت.
[1]  م.ن، ص4.
[1]  ناجی، إدارة التوحّش، م.س، ص12.
[1]  ابن بابویه، محمد بن علی (الصدوق): معانی الأخبار، تصحیح وتعلیق: علی أکبر الغفاری، لا.ط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامیّ التابعة لجماعة المدرّسین بقم المقدّسة، 1379هـ.ق/ 1338هـ.ش، باب معانی قول فاطمة (علیها السلام) لنساء المهاجرین والأنصار فی علّتها، ص355.
[1]  روزنثال، فرانز: مقدّمة تحقیق کتاب الأحکام السلطانیة (للماوردی)، م.س، ص (ت ت).
[1]  النجّار، "تجدید فقه السیاسة الشرعیّة"، م.س.
[1]  الماوردی، أبو الحسن: نصیحة الملوک، تحقیق: خضر محمد خضر، ط1، الکویت، مکتبة الفلاح، 1402هـ.ق/ 1983م، ص50.
[1]  الماوردی، نصیحة الملوک، م.س، ص51.
[1]  عبد الرازق، علی: الإسلام وأصول الحکم، تقدیم: محمد عمارة، ط1، المؤسّسة العربیّة للدراسات والنشر، 2000م، ص128.
[1]  الماوردیّ، نصیحة الملوک، م.س، ص50.
[1] سورة العلق، الآیتان 5-6.
[1]  شمس الدین، محمد مهدی: نظام الحکم والإدارة، ط2، بیروت، المؤسّسة الدولیّة للدراسات والنشر، 1991م، ص205.
[1] من خطاب السیّد الإمام الخامنئی (دام ظلّه) فی لقاء مع الشورى المرکزیّة فی مرکز الأنموذج الإسلامیّ الإیرانیّ للتقدّم؛ بتاریخ: 25/4/2016م.