نوع المستند : المقالة الأصلية
المؤلف
جامعة
المستخلص
نقاط رئيسية
أولاً: المنهجیّة الأصولیّة فی فقه النصّ الشرعیّ
ثانیاً: أسس فهم النصّ الشرعیّ وضوابطه
ثالثاً: أهمّیّة النصّ الشرعیّ فی الثقافة العربیّة الإسلامیّة
رابعاً: ضوابط التوثیق والتحقیق والضبط عند علماء أصول الفقه
خامساً: ضوابط القراءة والتفسیر والفهم عند علماء أصول الفقه
الكلمات الرئيسية
مرجعیّات الاجتهاد البیانیّ -الاجتهاد فی النصّ-
الدکتور محمد بنعمر[1]
خلاصة:
تُعدّ صناعة الاجتهاد من أبرز الصناعات التی أولاها العلماء أهمّیّة بالغة، وعنایة فائقة فی الإسلام. ومن أبرز الجهات ذات الصلة بالاجتهاد، والتی أولاها العلماء أهمّیّة بالغة، وعنایة کبیرة وفائقة، فقه الخطاب الشرعیّ؛ وهو المعبّر عنه بین الأصولیّین بالاجتهاد فی النصّ، أو الاجتهاد البیانیّ. ومن العلوم التی اشتغلت على الاجتهاد فی النصّ، واحتضنت هذا الشکل من الاجتهاد: علم أصول الفقه، والذی بدوره یرتبط، من حیث کونه أداة ومرجعاً فی الاجتهاد البیانیّ، بعلوم اللغة العربیّة ومباحثها المتّصلة بفهم النصّ.
والناظر فی البحوث المشیّدة لهذا العلم فی جمیع محاوره، یلاحظ بما لا مجال للشکّ فیه، ذلک الحضور القویّ لهذه البحوث اللغویّة فی مؤلّفات الأصولیّین، ما یجعله یستحسن أن ینعت علم أصول الفقه أو یسمّیه بـ "علم النصّ"، من حیث هو مسلک للاجتهاد البیانیّ.
وهذا یعنی أنّ علماء الأصول أولوا عنایة کبیرة بهذا النوع من الاجتهاد -من حیث هو مقدّمة أساسیّة فی فهم النصّ الشرعیّ- من أجل استنباط الحکم الشرعیّ منه، وتنزیل هذا الحکم من النصّ على الوقائع الجدیدة التی لا تحمل نصّاً صریحاً.
ومن هذا المنطلق، لا بدّ من تنقیح المنهجیّة الأصولیّة فی فقه النصّ الشرعیّ، وتقعید أسس فهم النصّ الشرعیّ وضوابطه، وإدراک أهمّیّة النصّ الشرعیّ فی الثقافة العربیّة الإسلامیّة، والعنایة بضوابط التوثیق والتحقیق والضبط من جهة، وضوابط القراءة والتفسیر والفهم مجهة ثانیة، عند علماء أصول الفقه وتقویمها، والکشف عن علاقتها بعلوم اللغة العربیّة ومباحثها.
مصطلحات مفتاحیّة:
الاجتهاد البیانیّ، الاجتهاد فی النصّ، علم أصول الفقه، علوم اللغة العربیّة، فقه النصّ، النصّ القرآنی، السنّة النبویّة، المنهجیّة الأصولیّة، أسس فهم النصّ، التوثیق، التحقیق، الضبط، القراءة، التفسیر، الفهم، جهة اللفظ، حروف المعانی، دلالة الخطاب القرآنی، عربیّة الخطاب، حجّیّة ظاهر الخطاب، المشترک اللفظی، وحدة الموضوع، ...
مقدّمة:
تُعدّ صناعة الاجتهاد من أبرز الصناعات التی أولاها العلماء أهمّیّة بالغة، وعنایة فائقة فی الإسلام، إذ إنّ الأصل فی الشریعة الإسلامیّة أنّ استمرار الخطاب الشرعیّ یسایر استمرار الحیاة الإنسانیّة إلى أن یرث الله الأرض ومن علیها.
وهذا الثابت والأصل هو الذی یفسّر لنا الحاجة الماسّة، والضروریّة إلى الاجتهاد فی جمیع الأزمنة والأمکنة، وإنْ کانت الحاجة إلى الاجتهاد قد ازدادت الیوم بشکل ملحّ ومثیر؛ بسبب کثرة الحوادث التی تنامت بشکل کبیر فی الفترة المعاصرة.
ومن أبرز الجهات ذات الصلة بالاجتهاد -والتی أولاها العلماء أهمّیّة بالغة، وعنایة کبیرة، وفائقة- فقه الخطاب الشرعیّ؛ وهو المعبّر عنه بین الأصولیّین بالاجتهاد فی النصّ، أو الاجتهاد البیانیّ.
ویکتسی هذا الشکل من الاجتهاد أهمّیّة بالغة فی صناعة الاجتهاد؛ لأنّ جمیع المراحل الصانعة للاجتهاد ترتبط بهذه المرحلة. کما إنّ أی خلل أو تقصیر أو تهاون فی إعداد هذه المرحلة -بما تستحقّ- سیؤثّر -لا محالة- سلباً على جمیع المراحل، والمحطّات الأخرى التی تلی هذه المحطّة المتعلّقة بالاجتهاد فی النصّ[2].
ومن العلوم التی اشتغلت على الاجتهاد فی النصّ، واحتضنت هذا الشکل من الاجتهاد: علم أصول الفقه، فهو العلم الکاشف للمقتضیات، والمجلّی للشروط، والمبیّن للآلیّات والأصول التی تدخل فی صناعة الاجتهاد، خاصّةً الاجتهاد فی النصّ؛ فهو علم مسدّد لفهم النصّ الشرعیّ، وهو ما جعله من مقدّمات العلوم التی عنی بها علماء الاسلام لتکون مدخلاً إلى الاجتهاد[3].
وقد ألحّ علماء الأصول على ضرورة تمکّن المجتهد من علم أصول الفقه. وعدوّا هذا التمکّن ضرورة لازمة له؛ بحکم اقتران الاجتهاد بفقه النصّ الشرعیّ.وکان منطلقهم فی هذا الاختیار والاشتغال أنّ هذا العلم تشترک مباحثه الکبرى، وتتقاسم محاوره الأساسیّة البحث عن الآلیّات الصانعة للاجتهاد، والمعینة علیه، والأشکال المکوّنة والخادمة للمعنى؛ بصفتها من أبرز مکوّنات العملیّة الاجتهادیّة.
کما إنّ هذا العلم یحمل کثیراً من القواعد التی لها قرابة مباشرة بفقه النصّ، ولا أدلّ على ذلک من هذا التعریف الذی اختاره الإمام القرافی، والذی یحدّد فیه علم أصول الفقه بأنّه عبارة عن: "قواعد الأحکام الناشئة عن الألفاظ العربیّة، وما یعرض لتلک الألفاظ من النسخ والترجیح، نحو الأمر للوجوب، والنهی للتحریم..."[4].
تعدّ هذه العناصر من أبرز الجوانب فی فقه النصّ الشرعیّ، وهذا الفقه هو المنعوت بین الأصولیّین، والمشهور عندهم بالاجتهاد فی النصّ، أو الاجتهاد البیانیّ.
أولاً: المنهجیّة الأصولیّة فی فقه النصّ الشرعیّ:
انطلق الفکر الأصولیّ فی بناء قواعده، وصیاغة أصوله، وفق منهجیّة صارمة، للکشف عن معانی الخطاب الشرعیّ؛ انطلاقاً من مجموع ما انتهى إلیه علماء اللغة من بحوث، وما قدّموه من دراسات، علماً أنّ مدوّنات الأصول وکتبه ملیئة بالقواعد اللغویّة المخصّصة للتفسیر، والبیان، والاستمداد.
لقد کانت غایة الأصولیّ من وراء الاشتغال على اللغة هی وضع قواعد البیان وضوابط التفسیر؛ من أجل رسم المنهج الضابط للفهم، والمسلک المعین على الاستنباط، ولتکون هذه القواعد مخصّصة للتفسیر، وللاستنباط، وأن تکون من مقدّمات الاجتهاد.
وکان المنطلق المنهجیّ والعلمیّ فی أنّ تفسیر النصّ الشرعیّ یتأسّس على مجموعة من الضوابط، والأصول، والمقتضیات، والمقدّمات التی تُعدّ ضرورة منهجیّة فی صناعة الاجتهاد؛ لأنّ هذه الضوابط موضوعة ومخصّصة فی أصلها -لبیان النصّ وفهمه- من أجل تحصیل المعنى اللغویّ والشرعیّ منه، علماً أنّ الفهم السدید للنصّ الشرعیّ هو أساس الاستدلال، والسند فی الاجتهاد، والمرجع فی الإفتاء.
فعلم أصول الفقه هو من أهمّ العلوم التی استطاعت أن تضع نظریّة متکاملة ومتّسقة فی تفسیر النصّ وتأویله، وهذا البعد هو الذی جعل کثیراً من الدارسین ینعتون هذا العلم بعلم فقه النصّ؛ لأنّه علم یتأسّس على منهج جامع ومرکّب، من الفهم، والاستنباط، والتنزیل. وهو یقوِّم عملیّة الاجتهاد، ویسدِّد النظر فی الفهم على قانون علمیّ صارم، محکم، مضبوط، ومتّسق، حیث لا یتیسّر الاستنباط إلا بفهم النصّ وفق ضوابط اللغة العربیّة، وأعرافها فی الأداء، ومنطقها فی التخاطب، کما لا تظهر ثمرة الاستدلال على الأحکام الشرعیة إلا بفهم النصّ الشرعی، کما صرّح بذلک الإمامالشاطبیفی الموافقات، حیث قال: "لا تظهر ثمرة الفهم إلا فی الاستنباط..."[5].
فتوجّه علم أصول الفقه نحو التفسیر، والقراءة، والبیان للنصّ الشرعی، شیء معترف به بین الباحثین والدارسین، قدیماً وحدیثاً. وهو توجّه یجد مبرّره وسنده فی توقّف الاستدلال على فهم النصّ، وعلى إدراک حمولته اللغویّة، ومعانیه الشرعیّة -بقسمیها الجزئیّ والکلّیّ- لأنّ الفهم هو الطریق والسبیل الأوّل للاستنباط، والاستدلال، وفهم النصّ الذی هو المرجع فی الاجتهاد، حیث شکّل النصّ الشرعیّ منطلقاً لکلّ الجهود العلمیّة والفکریّة فی التراث العربیّ الإسلامیّ، وهو ما جعل الإمام السهیلی الأندلسی یعترف بأنّ جمیع العلوم جاءت لتکون علوماً وأدوات معینة على فهم النصّ[6].
ثانیاً: أسس فهم النصّ الشرعیّ وضوابطه:
إنّ التلقّی السلیم للقرآن، من حیث هو الأصل فی الاجتهاد[7]، وفهم معانیه، وإدراک مقاصده الجزئیّة والکلّیّة، والوصول إلى مقاصده العلیا؛ لا یتیسّر إلا باستحضار جمیع الشروط، وتجمیع جمیع المکوّنات والمقتضیات المساهمة فی تشکیل المعنى فی هذا النصّ. ومن ثمّ، فإنّ تجاهل أیّ "عامل من هذه العوامل السالفة الذکر، أو أیّ شرط من الشروط الداعمة للمعنى، أو المؤسّسة له فی النصّ؛ فإنّه سیؤثّر لا محالة على عملیّة الاجتهاد، حیث إنّ الخطأ فی الاجتهاد، والبعد عن القصد، وعدم تمثّل الغایة من التشریع التی أرادها الشارع من الحکم الشرعیّ؛ هذه الأمور أکثر ما تکون ناتجةً عن عدم الفهم السدید للنصّ الشرعیّ، وعن عدم تمثّل القصد فی هذا المعنى، وهو ما سیؤثّر سلباً على جمیع المراحل الأخرى التی تلی الاجتهاد[8].
وهذا ما جعل مصنّفات علم أصول الفقه ومدوّناته مثقلة بالمباحث اللغویّة والبلاغیّة الدلالیّة والمعجمیّة، وهی مباحث الهدف والقصد منها هو تفهّم النصّ القرآنیّ فهماً سلیماً منسجماً مع طبیعة اللغة العربیّة، ومعهودها فی التخاطب، وأصولها فی التفسیر، ومنطقها فی البیان من دون حجب، أو تحریف، أو إبعاد للنصّ عن معناه الحقیقیّ، وبدون استشکال المعنى المحمول فی هذا النصّ عن المتلقّی.
من هنا ندرک أنّ الأصولیّین هم من تکفّلوا، وأسهموا فی بیان أصول استنباط الأحکام الشرعیّة وتفصیلها -من أجل فهمها- تمهیداً لاستنباط الحکم الشرعیّ منها، وتنزیلها على الواقع؛ حیث إنّ مقدّمات کتب الأصول احتوت على مباحث واسعة ودراسات شاسعة، لها صلة وطیدة ومباشرة باللغة وبعلومها، ولا أدلّ على ذلک من هذا التصریح الذی جاء على لسان الإمام أبی حامد الغزالی (ت: 505هـ)، بقوله: "إنّ المقدّمات اللغویّة -کعلم اللغة والنحو- هی آلة لعلم کتاب الله، وسنّة نبیه (ص). والسبب فی الخوض فی قضایا اللغة هو أنّ الشریعة جاءت بلغة العرب، وکلّ شریعة لا تظهر إلا بلغة، فیصیر تعلّم تلک اللغة من الضروریّات"[9].
کما اشتملت هذه المقدّمات اللغویّة على کثیر من القواعد التی لها صلة مباشرة بالتفسیر، وهی المسمّاة بالقواعد الأصولیّة اللغویّة؛ وهی قواعد مستمدّة ومستقرأة من اللغة العربیّة، وهی ضروریّة وملزمة لکلّ مشتغل بالتفسیر، ومهتمّ بفهم کتاب الله، أو ممارس للإفتاء والاجتهاد.
وبموجب هذه القواعد اللغویّة الأصولیّة فی التفسیر، فقد عملت کثیر من الدراسات والبحوث الجامعة على تجمیع هذه القواعد، ووضعها فی أیدی الباحثین والمشتغلین بالاجتهاد والإفتاء، والاستدلال على الأحکام الشرعیّة[10]؛ لتکون لهم معیناً ومساعداً وعوناً فی صناعة الاجتهاد.
من هنا، کان لا بدّ من الاعتراف بأنّ جمیع الاتّجاهات الفقهیّة، واللغویّة، والنحویّة فی التفسیر، تسعى دائماً إلى الوصول إلى معنى النصّ القرآنیّ والحدیثیّ، بقصد استمداد هذا المعنى من النصّ، والوقوف على مقاصده الأصلیّة، والتبعیّة المحمولة فی هذا النصّ؛ لبناء الحکم الشرعیّ للنوازل الطارئة والجدیدة. لکنّ علماء الأصول حاولوا أکثر من غیرهم بناء نظریّة دلالیّة متماسکة ومنسجمة فی الفهم والتأویل والقراءة؛ من أجل أن تکون أداة معینة لمن أراد الإفتاء وقصد الاجتهاد، فکان ضرورة ولزاماً التقیّد بمنهج الفهم والتفسیر، کما أرسى دعائمه علماء الأصول، وعلماء القرآن والتفسیر على حدّ سواء؛ بشکل خاصّ، والوقوف خاصّة على جهود الأصولیّین، بما قدّموه وبذلوه من إسهامات ومشارکات فی فهم النصّ وبیانه؛ فعلماء الأصول کانوا هم الجهة التی اختصّت واشتغلت على فقه النصّ وفهمه، وأُخِذَ عنهم مصطلح الاجتهاد البیانیّ[11].
وهذا یعود إلى أنّ البناء الأصولیّ -فی أساسه ومرجعیّته- یتطلّب العلم باللغة العربیّة. وهو ما کان داعیاً ومشروطاً على المجتهد أن یتمثّل هذا العلم فی جمیع المستویات والمکوّنات المؤسّسة للّغة العربیّة، والمکوّنات الکبرى المشکّلة لها[12]، خاصّة ما تعلّق منها بالترکیب، والمعجم، والسیاق بقسمیه الحالیّ والمقالیّ.
ثالثاً: أهمّیّة النصّ الشرعیّ فی الثقافة العربیّة الإسلامیّة:
یحظى النصّ بموقع خاصّ فی التراث العربیّ الإسلامیّ؛ لأنّ النصّ الشرعیّ الذی یتحدّد فی القرآن الکریم والسنّة النبویّة یشکّل الإطار المرجعیّ فی معرفة الأحکام والاستدلال علیها، ومعرفة قیم الإسلام وتعالیمه ومبادئه.
فالنصّ الشرعیّ -بهذه الأهمّیّة- یُعدّ مرجعیّة عقدیّة وأخلاقیّة وتشریعیّة علیا للأمّة المسلمة، ترجع إلیه فی أمورها کافّة، وتحتکم إلیه فی کلّ ما تنازعت فیه، أو ما وقع بینها، أو استحدث من قضایا ونوازل جدیدة.
هذا الموقع الخاصّ الذی یحتلّه النصّ فی الثقافة الإسلامیّة هو الذی کان من وراء التحام کثیر من العلوم واجتماعها من أجل خدمة النصّ الشرعیّ، سواء فی مستوى التوثیق والضبط، أم فی مستوى الفهم والتفسیر والتأویل؛ فالإسهامات الفکریّة والعلمیّة التی نشأت وتطوّرت فی أحضان التراث العربیّ الإسلامیّ تدور کلّها فی فلک فقه النصّ؛ من أجل محاولة فهمه، أو استمداد معانیه، والوقوف على مقاصده؛ لغایة تنزیل هذه المعانی على أرض الواقع[13].
ونظراً إلى أهمّیّة النصّ الشرعیّ فی بنیة الثقافة العربیّة الإسلامیّة؛ فإنّ الهاجس الذی شغل هذه الثقافة هو هاجس تفسیر النصّ، وبیان دلالته اللغویّة والشرعیّة، وتمثّل مقاصده الأصلیّة والتبعیّة، الکلّیّة والجزئیّة.
وهذا مؤشّر على أنّ جمیع العلوم التی نشأت فی أحضان التراث العربیّ الإسلامیّ -على الرغم من اختلافها من حیث المرجع- کانت وجهتها فی خدمة النصّ وتأسیس ضوابط الفهم، ووضع قواعد التفسیر[14].
وبمقتضى هذه المرجعیّة الکبرى التی نالها النصّ فی فضاء الثقافة العربیّة الإسلامیّة؛ فإنّ کثیراً من الدارسین والمشتغلین بمناهج تحلیل الخطاب وتفسیر النصّ -شرعیّاً کان أم لغویّاً- اختاروا وصف الثقافة الإسلامیّة بأنّها ثقافة نصّ، وهذا الوصف یعود أساساً إلى کون الثقافة الإسلامیّة قد قامت فی أصولها الأولى على النصّ المؤسّس، الذی هو القرآن الکریم، والسنّة النبویّة.
وقد قادت محوریّة النصّ فی فضاء الثقافة الإسلامیّة جمیع العلوم -خاصّة اللغویّة، والبیانیّة، والبلاغیّة منها- إلى خدمة النصّ فی عدد من مستویاته ومکوّناته، سواء على مستوى التوثیق والتحقیق، أم على مستوى البیان والتفسیر والقراءة.
وإذا کنّا نقرّ بأنّ تفسیر النصّ شکَّل قطاعاً مشترکاً بین کثیر من النظم، والمعارف، والعلوم التی شکَّلت المحاور المعرفیّة الکبرى فی التراث العربیّ الإسلامیّ؛ فإنّ ما قدّمه علم أصول الفقه -بشهادة کثیر- فاق ما قدّمته النظم المعرفیّة الأخرى، خاصّة النظم التی اشتغلت على التفسیر، والبیان، والاستمداد. فقد کان لعلماء الأصول منهجٌ جامعٌ فی فقه النصّ الشرعیّ، مؤسّسٌ ومشیّدٌ على عدد من الضوابط العلمیّة الصارمة.
ویمکن توزیع خدمات العلوم العربیّة للنصّ الشرعیّ على قسمین أساسیّین:
- مستوى التوثیق والتحقیق والضبط.
- مستوى التفسیر والفهم والتأویل.
رابعاً: ضوابط التوثیق والتحقیق والضبط عند علماء أصول الفقه:
فیما یتعلّق بهذا المستوى، فقد بذل علماء الإسلام جهوداً مضنیة فی خدمة النصّ القرآنیّ على مستوى التوثیق والتحقیق، حتى ینقل القرآن الکریم سالماً ومصوناً؛ من أجل صیانة النصّ القرآنیّ من کلّ أشکال التبدیل والتحریف، والتصحیف؛ فسلامة النصّ القرآنیّ أمر مجمع علیه بین جمیع علماء الإسلام -قدیماً وحدیثاً- على الرغم من تعدّد مذاهبهم، وتنوّع نزعاتهم، واختلاف منازعهم، ومدارسهم؛ إذ لا خلاف -کما قال ابن حزم- "بین أحد من الفِرق المنتمیة إلى المسلمین من أهل السنّة والمعتزلة والخوارج والمرجئة والزیدیّة فی وجوب الأخذ بما فی القرآن"[15].
وحتى ینقل القرآن الکریم کما أنزل إلى جمیع الأجیال، فقد قیّض الله حفظه؛ حیث -کما قال أبو إسحاق الشاطبی-: "لو زید فیه حرف واحد لأخرجه آلاف من الأطفال الأصاغر، فضلاً عن القرّاء الأکابر، وهکذا جرى الأمر فی جملة الشریعة"[16].
وأمّا السنّة النبویّة، فقد لقیت هی الأخرى عنایة کبیرة واهتماماً أوسع من لدن علماء الإسلام؛ لأنّها "راجعة فی معناها إلى الکتاب، فهی تفصیل مجمله، وبیان مشکله، وبسط مختصره"[17]. ولتحصین السنّة من کلّ دخیل، وحمایتها من المسّ، والوضع، والتحریف، فقد وضع علماء الإسلام علماً یُعرَف بعلم مصطلح الحدیث، وهو من العلوم التی اختصّت بها الحضارة الإسلامیّة دون غیرها من الحضارات، فقد حاز علماء الحدیث السبق والریادة فی نقد النصّ -داخلیّاً وخارجیّاً- فهم "سبقوا إلى إنشاء ما نسمّیه الیوم بالنقد الخارجیّ والنقد الداخلیّ للخبر، فأحکموا أسس الصنف الأوّل، ومتّنوا قواعده ودعائمه فی ما سمّوه بعلم الرجال أو علم نقد السند"[18]، فهذا العلم المهتمّ بالتوثیق، کان من العلوم التی انفردت بها حضارة الإسلام عن غیرها من الحضارات؛ ذلک أنّ إسناد النصّ، وضبط رجاله، وإحکام اتّصال رجاله ورواته من الأوصاف التی "خصّ الله تعالى بها المسلمین دون سائر أهل الملل کلّها"[19].
من هنا، کان علم المصطلح علماً فریداً ومتمیّزاً عند المسلمین؛ حیث "لا نجد له فی الحضارات الأخرى شبیهاً له"[20]، فهو المعیار الحاکم، والضابط الذی تقوم به الروایات، والمیزان الضابط للروایة الصحیحة من الروایة السقیمة.
إنّ هذه الجهود التی بذلها علماء الإسلام فی توثیق النصّ، تبقى جهوداً رائدة فی مجال إثبات النصّ وتصحیحه؛ حیث لم یترک السابق للاحق أیّ مزید فی هذا المجال المتعلّق بثوتیق النص.
خامساً: ضوابط القراءة والتفسیر والفهم عند علماء أصول الفقه:
1. فهم النصّ:
شکّل تفسیر النصّ وفهم الخطاب الشرعیّ قطاعاً مشترکاً بین کثیر من النظم البیانیّة التی ظهرت فی التراث العربیّ الإسلامیّ؛ فکلّ الاتّجاهات النحویّة واللغویّة والدلالیّة فی التراث العربیّ الإسلامیّ، کانت تهدف إلى الاقتراب من دلالة النصّ الشرعیّ، واستجلاء المعنى فی هذا النصّ بشکل صارم ومضبوط، لکنْ تبقى مساهمة علماء أصول الفقه مساهمة رائدة ومتمیّزة فی بابها[21].
وما یدلّ على نزوع علم الأصول نحو الفهم والتفسیر، هو هذا التصریح الذی جاء على لسان ابن جزی الکلبی المفسّر والأصولی فی مقدّمة تفسیره، فی سیاق حدیثه عن القواعد اللغویّة والأصولیّة ودورها فی عملیّة التفسیر: "وإنّه لنعم العون على فهم المعنى وترجیح الأقوال، وما أحوج المفسّر إلى معرفة النصّ والظاهر والمجمل والمبین، والعامّ والخاصّ، والمطلق والمقیّد، وفحوى الخطاب، ولحن الخطاب، ودلیل الخطاب، وشروط النسخ، ووجوه التعارض، وأسباب الخلاف، وغیر ذلک من علم أصول الفقه"[22].
ولقد أکّد هذا التصریح الشیخ الإمام الطاهر بن عاشور عندما قال: "إنّ علم الأصول یضبط قواعد الاستنباط ویفصح عنها، فهو آلة للمفسّر فی استنباط الأحکام الشرعیّة"[23].
وما یدلّ على نزوع علم أصول إلى فقه ینحو نحو تفسیر النصّ والبیان، هو استحضار علماء الأصول لکثیر من المباحث ذات المنحى اللغویّ والدلالیّ؛ فأغلب المباحث اللغویّة التی دوِّنت فی هذا العلم هی مباحث تنتمی فی أصلها إلى علم اللغة والدلالة، وهی مباحث تنزع نحو التفسیر. وهذا یعود إلى أنّ "الحقّ -سبحانه- خاطب العرب بلسانها، على ما تعرف من معانیها"[24].
فعلم أصول الفقه من العلوم التی حملت فی مباحثها کثیراً من العلوم؛ خاصّة علوم اللغة، علوم المنطق، علم الدلالة، وعلم المعجم؛ لأنّ هذا العلم أراد له مؤسّسه الإمام الشافعی (ت: 204هـ) أن یکون علماً ضابطاً للفهم، وضابطاً للاستدلال، ومسدّداً للاستنباط؛ لأنّ موضوع هذا العلم هو الاستدلال على الأحکام الشرعیّة، والأساس فی الاستدلال على الأحکام الشرعیّة هو فهم النصّ، وهذه القاعدة تکاد تشکّل منطلقاً منهجیّاً عامّاً عند جمیع الأصولیّین بمختلف مدارسهم، ومنازعهم، ومناهجهم؛ حیث لا ینضبط الاستدلال على الأحکام الشرعیّة إلا بفهم النصّ الشرعیّ، الذی مسلکه التمکّن من اللغة العربیّة وعلومها.
ومن ثمّ، فإنّ وجهة الأصولیّین اتّجهت نحو البحث اللغویّ. ویعود السبب فی ذلک إلى أن الخطاب الشرعیّ هو خطاب عربیّ، نزل وفق مقتضى مقاصد العرب فی التخاطب والأداء، فکان من الضروری أن یکون المنطلق فی الفقه، والتفسیر، والفهم، هو التمکّن من اللغة العربیّة؛ معجماً، وترکیباً، ودلالة.. وهذا قید أساس، وضابط رئیس متّفق علیه بین علماء الأصول، قدیماً وحدیثاً[25].
من هذا المنطلق، فإنّ الوجهة التی اختارها علماء الأصول فی فهمهم للنصّ الشرعیّ، هو التحقّق من المعنى بناء على هذه القاعدة، وهی أنّ إرادة المعنى آکد من إرادة الألفاظ؛ فإنّ المعنى هو المقصود، واللفظ وسیلة فقط[26].
لقد قرّر اللغویّون وعلماء الأصول أنّ سبب الخطإ فی العلوم الشرعیّة، وعدم إدراک معانی الوحی، واستیعاب القصد؛ إنّما یرجع إلى ضعف الاهتمام باللغة العربیّة، والقصور فی طلبها، أو فی عدم امتلاک ناصیتها، والضعف فی علومها. یقول ابن جنّی اللغوی: "وذلک أنّ أکثر من ضلّ من أهل الشریعة عن القصد فیها، وحاد عن الطریقة المثلى إلیها؛ فإنّما استهواه، واستخفّ حلمه ضعفه فی هذه اللغة الکریمة الشریفة"[27].
وبحکم توجّه علماء الأصول نحو تفسیر النصّ وفقه الخطاب وتمثّل القصد، فقد قاموا بمتابعة واسعة، ورصد کبیر لتراکیب اللغة العربیّة وأسالیبها، واستمدّوا من هذا الاستقراء مجموعة من القواعد والضوابط، واعتبروا التقیّد بها شرطاً ملزماً وضروریّاً فی عملیّة التفسیر، ولذا کان طبیعیّاً "-والعربیّة لسان شریعة الإسلام - أن توضع قواعد التفسیر فی ظلّ هذه الحقیقة، وهکذا وضعت تلک القواعد بعد استقراء لأسالیب العربیّة، وإدراک لطبیعتها فی الخطاب، ومعرفة ما یمکن أن تؤدّیه هذه الألفاظ والتراکیب من مدلولات ومعان"[28].
2. جهة اللفظ:
من أبرز الجهات اللغویّة التی کانت موضوع استقراء علماء أصول الفقه، جهة الألفاظ فی علاقتها بالمعانی. فلقد رصد "علماء الأصول دلالات الألفاظ من مختلف الزوایا والجهات. وحتى تتوافر لهم تلک المعرفة، رصدوها من زاویة ما وضعت له الألفاظ من حقائق، فوجدوها لا تخرج فی دلالتها عن العموم والخصوص والاشتراک، ورصدوها من زاویة ما تستعمل فیه، فوجدوها لا تخرج فی دلالتها عن الحقیقة والمجاز"[29]، فثنائیّة اللفظ والمعنى شکّلت سلطة معرفیّة قویّة، فی الدرس الأصولیّ؛ حیث اعتنى بهذه الثنائیّة جمیع الأصولیّین، على اختلاف مدارسهم واتّجاهاتهم المذهبیّة[30].
بناءً على هذا، فإنّ فهم النصّ الشرعیّ -کما قالت بنت الشاطئ- یبتدئ من التحقّق من اللفظة، فی جمیع أبعادها ومستویاتها، فی حالة الإفراد والترکیب، وفی حالة الاستعمال والإهمال، وعن طریق هذه الخدمة اللغویّة لألفاظ النصّ تنکشف المعرفة بالدلالة وبالمعجمیّة وبالسیاق لتلک الألفاظ؛ لأنّ هذه المعرفة هی التی تکشف لنا عن المعنى الإجمالیّ فی النصّ.
بل إنّ هذا الاشتغال اتّجه إلى البعد المطابقیّ للألفاظ؛ وهو المنطوق، والبعد التضمّنیّ؛ وهو المفهوم، ولم یغبْ عن الأصولیّین السیاق، والمقتضیات المحیطة بالألفاظ[31].
بل إنّ البحث عن المعنى الذی یحمله النصّ کان هو الأصل والقصد عند الأصولیّین، وهذا ما صرَّح به الإمام الشاطبی عندما قال: "إنّ الاعتناء بالمعانی المبثوثة فی الخطاب هو المقصود الأعظم؛ بناءً على أنّ العرب إنّما کانت عنایتها بالمعانی، وهذا الأصل معلوم عند أهل العربیّة"[32].
ولقد أفصح إمام الحرمین الجوینی عن هذا التوجّه، فقال: "اعلم أنّ معظم الکلام فی الأصول یتعلّق بالألفاظ والمعانی. أمّا المعانی، فستأتی فی کتاب القیاس إنْ شاء الله، أمّا الألفاظ، فلا بدّ من الاعتناء بها؛ فإنّ الشریعة عربیّة"[33].
ولم یشذّ عن هذا المعنى الإمام القرافی فی شرحه لنفائس الأصول عندما قال: "لمّا کان المرجع فی معرفة شرعنا إلى القرآن والأخبار؛ وهما واردان بلغة العرب ونحوهم وتصریفهم؛ کان العلم بشرعنا موقوفاً فی العلم بهذه الأمور"[34].
إنّ أساس هذا البناء فی منهج الفهم والبیان عند الأصولیّین، قائم على اللغة العربیّة، وعلى العلم بعلومها، والتمکّن من مکوّناتها. وأوّل منطلق فی هذا التمکّن والبناء، هو مدارسة اللفظ فی جمیع المستویات والمکوّنات؛ من أجل تعیین المعنى فی النص.
3. حروف المعانی:
ثمّة جهة أخرى لقیت اهتماماً أوسع وعنایة فائقة من لدن علماء أصول الفقه، وهذه الجهة هی جهة حروف المعانی؛ وهی المسمّاة عند المناطقة بالروابط والأدوات. وتوصف هذه الحروف عند الأصولیّین بأنّها "مدار المسائل الفقهیّة، وتشتدّ الحاجة إلیها"[35]، فمعرفة هذه الحروف تُعدّ من المهمّات المطلوبة؛ لاختلاف مواقعها، ولهذا یختلف الکلام والاستنباط بحسبها.
وبمقتضى هذه الأهمّیّة التی اکتسبتها حروف المعانی فی توجیه دلالة الخطاب وتمثّله، فقد أفرد لها علماء الأصول فصولاً خاصّةً وأبحاثاً مستقلّةً فی کتبهم؛ لدراسة هذه الحروف، حیث تتّفق کلمة علماء الأصول على شدّة الحاجة إلى حروف المعانی؛ لأنّها من جملة کلام العرب، مضافاً إلى أنّ الأحکام تختلف بسبب اختلاف معانیها ومواقعها فی الخطاب، فکانت الضرورة وحاجة الفقیه إلى معرفة أصولها.
وقد اعتنى علماء الأصول مع علماء التفسیر بهذا القسم، فتحدّثوا عن حروف المعانی؛ شارحین معانیها، ومحدّدین مواقعها فی النصوص الشرعیّة، وما تؤدّیه هذه الحروف من المعانی؛ تبعاً لاستعمالاتها فی الترکیب، وما یمیّز حروف المعانی هو أنّ بعضها یحلّ محلّ بعضها الآخر فی أداء المعنى، وهذا أحد أشکال تبادل الوظائف والأدوار الدلالیّة بین الحروف؛ بما یساهم فی اتّساع دلالة الخطاب فی إفادة المعانی داخل الخطاب القرآنی[36].
4. الدلالة وفهم الخطاب:
ومن الجوانب اللغویّة التی کانت موضوع دراسة الأصولیّین: الجانب الدلالیّ فی النصّ. والذی حذا بالأصولیّین على العنایة بهذا الجانب هو توقّف التفسیر والتأویل والاستنباط على معرفة دلالة اللفظ على المعنى من جمیع الجهات والزوایا؛ علماً أنّ دلالة الألفاظ على المعانی تأخذ عدّة أبعاد، وأقسام؛ بعضها منطوق، والبعض الآخر مفهوم.
فالدلالات تعین الفقیه على استخراج الأحکام واستنباطها من المنطوق، والانتقال إلى المفهوم غیر المصرّح به، وهی القضیّة المصرّح بها، کما تعینه على استنباط الأحکام غیر المصرّح بها من النصّ المصرّح به؛ أی غیر المنصوص علیها، وهذا الشکل فی الاستدلال یعرف عند المناطقة بقواعد التولید، والاستدلال بالمنطوق للمفهوم، عن طریق الفهم اللغویّ[37]. ومن هنا عدّت جهة الدلالات عمدة علم الأصول. فلا بدّ فی التفسیر من إدراک سلیم ومعرفة عمیقة بدلالات الألفاظ على المعانی، وبالتغیّر الذی یطرأ على دلالة الخطاب؛ تبعاً للسیاق المحیط بالخطاب، ولهذا الغرض نظر علماء أصول الفقه فی الألفاظ وفی علاقتها بالمعانی، فی جمیع أبعادها، کما انصرفت عنایتهم إلى الإلمام بالمقتضیات المحیطة بالخطاب؛ لأنّ الکلام الواحد تختلف دلالته تبعاً للمقتضیات المحیطة به، وما قرّره فی هذا الباب من حاکمیّة السیاق.
فدلالة الألفاظ تابعة لقصد المتکلّم وإرادته، ومن ثمّ لا بدّ من معرفة القصد والإرادة بواسطة القرائن المحیطة بالنصّ.
ویعدّ مبحث الدلالة عند الأصولیّین الأساس الذی یتأسّس علیه بناء علم أصول الفقه، وقد کشف عن هذا الإمام الغزالی؛ عندما قال فی المستصفى: "اعلم أنّ هذا القطب هو عمدة علم الأصول؛ لأنّه میدان سعی المجتهدین فی اقتباس الأحکام من أصولها واجتنائها من أغصانها"[38].
وممّا حفّز الأصولیّون على التوسّع فی المباحث اللغویّة والدلالیّة: هو درجة التفاوت الحاصل فی الألفاظ، من حیث درجة الوضوح والخفاء؛ فالألفاظ التی جاءت فی الخطاب الشرعی لیست فی مستوى واحد، من حیث الوضوح والإبانة والخفاء؛ بل إنّ اللفظ الواحد "قد یدلّ على الحکم بصیغته ومنظومه، أو بفحواه ومفهومه، أو بمعناه ومعقوله"[39].
ومن ثمّ، فلمّا کان النصّ الشرعیّ یدلّ على أکثر من دلالة بطرق مختلفة، فقد أضحى ضروریّاً البحث فی دلالة النصوص على معانیها، التی تعدّ قواعد أصولیّة لغویّة ترسم منهج الاجتهاد فی استثمار کافّة طاقات النصّ فی الدلالة على معانیه، وهو من أهمّ البحوث التی یقوم علیها استنباط الأحکام الشرعیة [40].
وتسعى النظرة الأصولیّة للبحث الدلالی إلى تحدید معالم البیان والتفسیر والتأویل؛ وذلک بوضع المعاییر المنضبطة والضوابط الحاکمة التی توزن بها النصوص والمتون اللغویّة فی حالة إذا ما شابها لبس، أو اکتنفها غموض، أو اعترضها إبهام.
وعلم أصول الفقه فی مجمله إنّما هو بحث فی الدلالات، لفظاً ومعنىً ونصّاً وسیاقاً، وذلک عن طریق مبدإ التلازم بین قوانین اللغة فی فهم الخطاب، وضوابط السیاق فی تحدید المعنى المتعدّد على نحو مخصوص.
وقد رصد علماء الأصول الألفاظ فی مختلف الجهات والزوایا، وکان هذا الرصد من أوّل وضع الواضع إلى آخر فهم السامع؛ حیث إنّهم تتبّعوا اللفظ فی جمیع الجهات والزوایا، وهو یؤدّی المعنى فی النصّ.
لقد کان هذا الرصد فی مستوى اشتغال وحضور اللفظ داخل الترکیب، فاللفظ بمفرده مجرّداً عن سیاقه لا فائدة منه.
5. المشترک اللفظیّ:
ومن المباحث اللفظیّة عند الأصولیّین: مبحث المشترک اللفظیّ، وهو اللفظ الذی یدلّ على أکثر من معنى، وقد ورد فی الخطاب الشرعیّ فی القرآن والسنّة، ومن أمثلته: {أو یعفو الذی بیده عقدة النکاح}[41]، فالذی بیده عقدة النکاح هو الولی، أو هو الزوج؛ تبعاً لعود الضمیر فی قوله تعالى {الذی بیده} إلى الولی أو إلى الزوج. لکنّ الأصل أنْ یُحمل المشترک على معنى واحد؛ تبعاً لقاعدة "الأصل فی الألفاظ الانفراد، ولیس الاشتراک"[42].
ومن المشترک حروف المعانی -المسمّاة بالروابط- والحروف بأسرها مشترکة، تندرج فی المشترک فی الحروف، مثل: "أو" فی قوله تعالى: {إنّما جزاء الذین یحاربون الله ورسوله ویسعون فی الأرض فساداً أن یقتّلوا أو یصلّبوا أو تقطّع أیدیهم وأرجلهم من خلاف أو ینفوا من الأرض ذلک لهم خزی فی الدنیا ولهم فی الآخرة عذاب عظیم}[43]، فالاختلاف الواقع بین الفقهاء وعلماء الأصول، یعود إلى دلالة "أو" فی هذا الخطاب القرآنیّ، فهی محتملة لأکثر من معنى: هل هی للتفصیل، فیکون الحکم أن یقتّلوا إذا هم قتَلوا، أو یصلّبوا إذا هم قتَلوا وأخذوا المال، أم هی للتخییر، فیکون للقاضی السلطة فی اختیار العقوبة التی ینفذّها على المحاربین؟[44].
6. عربیّة الخطاب القرآنیّ:
من المبادئ الأساسیّة التی ینبنی علیها تفسیر الخطاب الشرعیّ وتأویله، أنّ المنطلق فی التفسیر الموضوعیّ للخطاب یجب أن یکون هو اللغة العربیّة التی کُتِبَ بها هذا الخطاب، فالدرایة باللغة العربیّة فی جمیع مکوّناتها وعناصرها مقتضى منهجیّ فی تفسیر الخطاب القرآنیّ وقراءته؛ ذلک أنّ الخطاب القرآنیّ خطاب عربیّ فی ألفاظه وتراکیبه وأسالیبه. وهذا ما یلزم على مفسّر الخطاب أن یکون على علم باللغة العربیّة، وبمنطقها فی التخاطب، وسننها فی الأداء والبیان.
وعربیّة الخطاب القرآنیّ تؤکِّده کثیر من نصوص علماء اللغة؛ فالنصّ القرآنیّ هو نصّ لغویّ، منسوج من جنس لسان العرب، یحکمه ما یحکم کلام العرب من ضوابط وقواعد ناظمة وحاکمة للتخاطب[45].
هذه الحقیقة هی التی قرّرها الإمام الشافعی فی الرسالة، عندما قال إنّ القرآن الکریم جاء بلغة العرب، فهو موافق للغة العربیّة فی طرق البیان، ومذاهبها فی التعبیر، وسننها فی الأداء[46].
فبحکم عربیّة الشریعة الإسلامیّة، وبحکم نزولها وفق مقتضیات اللغة العربیّة، وأسالیبها فی التعبیر؛ کان ضرورة ولزوماً على المجتهد، أن یتمکّن من اللغة العربیّة، فی جمیع مکوّناتها وعناصرها[47].
هذا التصریح هو المأخوذ من قوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه لیبیّن لهم}[48]، وقوله سبحانه: {إنّا أنزلناه قرآنا عربیاً لعلکم تعقلون}[49]، وقوله تعالى: {بلسان عربی مبین}[50]، فهذه النصوص القرآنیّة تؤکّد على أنّ القرآن الکریم "نزل بلسان عربی مبین، وبالعربیّة خاطبنا رسول الله (ص)"[51].
إنّ انبناء القرآن الکریم على اللغة العربیّة اعتراف صریح بمشارکة القرآن الکریم للّغة العربیّة وتوافقهما فی الجانب الدلالیّ الترکیبیّ والأسلوبیّ، وهذا یعنی أنّ القرآن الکریم سار على سنن العرب فی مخاطبتهم ومحاورتهم ومعهود تعبیرهم فی اللغة العربیّة، فهو یحمل جمیع خصائص اللغة العربیّة؛ من وصل وفصل وإیجاز وإطناب وتقدیم وتأخیر، وهذا أمر مشهود ومعترف به بین علماء اللغة العربیّة[52].
ومن المعرفة بالعربیّة معرفة مقاصد العرب فی کلامهم وعاداتهم فی التخاطب، فالمراد بمقاصد العرب هو معرفة کلامهم وأدبهم ولغتهم، فالقرآن الکریم کلام عربیّ. ومن ثمّ کانت قواعد العربیّة طریقاً إلى فهم معانیه، وبدون ذاک یقع الغلط ویسوء الفهم لمن لیس بعربیّ.
وقد أجمع المفسّرون والأصولیّون وعلماء الدراسات القرآنیّة على أنّ الضابط اللغویّ یعدّ الطریق الأوّل فی فهم آی القرآن الکریم. وبصیغة أخرى: لا یمکن أن یقوم أیّ تفسیر -أیّاً کان نوعه، وطبیعته- إلا بالاعتماد على اللغة، "فلا یمکن الوصول إلى معنى جزئیّ فی النصّ -فقهیّاً کان أم شرعیّاً أم أصولیّاً- إلا بالانطلاق من اللغة"[53]. ولذلک، کان أوّل ما یجب، "وما یحتاج إلیه لمن یشتغل علوم القرآن: العلوم اللفظیّة"[54]؛ لأنّ ألفاظ القرآن -کما قال الراغب- هی لبّ کلام العرب[55].
ویُعدّ علم النحو من العلوم المعینة على فهم الخطاب الشرعیّ، واستجلاء الدلالة، وإظهار المعنى، ومن ثمّ "ففرض على کلّ فقیه أن یکون عالماً بالنحو الذی هو ترتیب العرب لکلامهم الذی به نزل القرآن"[56]، فهو من العلوم الضروریّة للفقیه والمجتهد؛ "حیث لو سقط علم النحو لسقط فهم القرآن الکریم"[57].
فلا بدّ للمتعامل مع النصّ الشرعیّ من أن یکون خبیراً عالماً بقواعد علم النحو؛ لأنّ فهم النصّ بشکل صحیح کامل مرتبط ارتباطاً کلّیّاً بمعرفة موقع الکلمة فی الجملة العربیّة، ومعرفة إعرابها. وهذا لا یتیسّر إلا لمن عنده زاد طیّب فی هذا العلم[58].
هذه النقول تفضی بنا إلى تقریر هذه الحقیقة التی تحمل خطاباً صریحاً فی ضرورة تمکّن المفسّر من اللغة العربیّة، وعلومها وتراکیبها ودلالات ألفاظها ومواقع هذه الألفاظ فی سیاق الخطاب، وأنّ الجهل بهذه المقتضیات، والقیود، والشروط، سیجنّب صاحبه -خاصّة المشتغل بالاجتهاد- الصواب، ویؤدّی به إلى تحریف معانی النصوص الشرعیّة، وإخراجها عن دلالتها الحقیقیّة، "فمن لا یعرف اللغة لا یمکنه استخراج الأحکام من الکتاب والسنّة"[59]، وهو ما یؤدّی به إلى الابتعاد عن تمثّل القصد من النصّ الشرعیّ.
7. حمل الخطاب على الظاهر:
من الأسس والثوابت التی ینبنی علیها تفسیر الخطاب: حمل الخطاب على الظاهر، والذی یتحدّد فی إیقاع الأسماء على مسمّیاتها؛ کما دلّ على ذلک الوضع اللغویّ، واصطلاح التخاطب.
وظاهر الخطاب -بمعناه العام، وکما هو متعارف علیه عند کثیر من علماء أصول الفقه- هو المعنى المتبادر من تداول الخطاب، أو هو المعنى المکتسب من النصّ، کما دلّ على ذلک الوضع اللغویّ، وقصد المتکلّم من الخطاب.
والسند فی حمل الخطاب على الظاهر هو عربیّة الخطاب القرآنی، من حیث هو خطاب منسوج من الکلام العربی، فاقتضت هذه القاعدة من علماء التفسیر والأصول، أن ینصّوا صراحة، وفی أکثر من مناسبة على أنّ الأصل فی حمل الخطاب هو الأخذ بالظاهر.
وقد ترتّب على هذا المقتضى المنهجیّ مجموعة من الأمور، أبرزها:
أ. إنّ الظاهر هو التقیّد بأعراف اللغة وسننها فی التخاطب، ومنطقها فی الأداء والتعبیر؛ لأنّ القصد من وضع الکلام هو تحقّق البیان والإفهام، ولو کان التخاطب بخلاف ذلک لجرى مجرى اللغو، وهذا ما یتنافى ویتعارض مع الفائدة من الغایة من إرسال الخطاب، التی هی تحقیق التفاهم؛ لأنّ الأصل أنّ العرب لا تتخاطب بالمهمل الذی لا فائدة فیه. ومن هنا، کان الواجب على مفسّر النصّ أن یتقیّد بالدلالة الأصلیّة للنصّ ویراعیها فی استمداد المعنى من النصّ. وهذه الدلالة هی التی یراد بها الظاهر، وتتّحد بکونها "المعنى المراد من الخطاب، حسب ما دلّت علیه الألفاظ فی هذا الخطاب"[60].
ب. إنّ کلّ تفسیر یلغی المعنى الظاهر المتبادر بدون دلیل هو تأویل فاسد ومردود على صاحبه؛ فکلّ مَنْ ادّعى "فهم أسرار القرآن، ولم یحکم التفسیر الظاهر؛ فهو کمن ادّعى البلوغ إلى صدر البیت قبل تجاوز الباب، فظاهر التفسیر یجری مجرى تعلّم اللغة التی لا بدّ منها للفهم"[61].
وقد شدّد الأصولیّ ابن حزم النکیر على من أوقع الألفاظ على غیر مسمّیاتها، وعلى غیر مواقعها؛ لما فی هذا الإیقاع من توجیه المعنى على غیر القصد من الوضع اللغویّ، وإبعاد عن القصد وتحریف الخطاب الشرعیّ عن دلالته الحقیقیّة، حیث قال فی الإحکام: "فالأصل فی کلّ بلاء، وعماء، وغلط، وفساد: اختلاط الأسماء ووقوع اسم واحد على معانی کثیرة"[62].
وعلیه، "فمن أراد أن یوقع شیئاً منها (الألفاظ) على غیر موضوعها؛ فهو مجنون وقاح، وهو کمن أرٍاد أن یسمّی الحقّ باطلا والباطل حقّاً، وأراد أن یسمّی الذهب خشباً، وهذا غایة الجهل والسخف"[63].
وممّا ترتّب على هذا الضابط المتعلّق بضرورة حمل الخطاب على الظاهر: اعتبار الظهور اللفظیّ عبارة عن حمل اللفظ على الحقیقة؛ لأنّها هی الأصل، وعدم المصیر إلى المجاز إلا بقرینة أو سیاق، وتمثّل معانی الخطاب حسب ما هو متبادر من السیاق، والمقصود بالمتبادر هو انسیاب المعنى إلى الذهن مباشرة عند قراءة اللفظ وسماعه، وما لا شکّ فیه أنّ المتبادر هو حمل اللفظ على الحقیقة، مع وجوب التحقّق من دلالة الألفاظ؛ وذلک بحملها على اصطلاح التخاطب ومنطق اللغة العربیّة فی التخاطب؛ لأنّ الألفاظ تعبّر "عمّا وضعت له فی اللغة، وأنّ ما عدا ذلک باطل"[64]. ومن التحقّق من دلالة الظاهر: وجوب التعبیر بکلّ لفظة عن المعنى الذی علقت به ودلّت علیه، "فمن أحالها، فقد قصد إبطال الحقائق، وقصد الإشکال لا الإفهام"[65].
ومن الظاهر تحکیم السیاق فی تحصیل المعنى من النصّ؛ لأنّ السیاق طریق راشد، وهادی فی تمثّل المعانی من النصوص[66].
والتحقّق من دلالة الألفاظ مقتضى منهجیّ فی سلامة التفسیر؛ بحکم العلاقة الجامعة والمتبادلة بین التحقّق من دلالة الألفاظ فی الخطاب، والمعنى الذی تحمله هذه الألفاظ، التی تتحدّد فی مراعاة سنن التخاطب ومنطق الأداء فی اللغة العربیّة. وبناءً على هذا، لا نلجأ إلى التأویل إلا بشروط، أهمّها: أن لا نخرج بالتأویل عن معهود اللغة العربیّة فی نقل المعانی، فلا بدّ من أن یکون النقل موافقاً لمنطق اللغة العربیّة، وهی المواضعة اللغویّة، وموافقتها للمواضعة الشرعیّة؛ حیث "لا یحلّ صرف لفظة معروفة المعنى فی اللغة عن معناها الذی وضعت له فی اللغة؛ إلا بدلیل؛ وهو السیاق الموجِّه للخطاب.
ومن التمسّک بالظاهر -أیضاً-؛ التقیّد باصطلاح المواضعة، ومنطق اللغة العربیّة فی تمثّل دلالة الخطاب القرآنیّ، وهو الذی یأخذ اسم "معهود العرب فی الخطاب"؛ وهو من الشروط الأساسیّة فی التفسیر، فکلّ مَنْ حمل الخطاب القرآنیّ على معهود اللغة العربیّة فی الخطاب، وتقیّد بضوابط التفسیر یکون فی منأى عن التحریف والتبدیل؛ لأنّ القرآن الکریم خاطب العرب بما یتناسب مع مستواهم اللغویّ والعلمیّ؛ فالأصل فی التخاطب أن یجری على الأمر المشترک بین الجمیع؛ حیث لو لم یکن الأمر کذلک لکان الخطاب إلى السامع من قبیل الخطاب بما لا یطاق، وهو غیر واقع فی مقاصد الشرع التی منها أنّ الأساس فی التکلیف إفهام المکلَّف ما کُلِّف به[67].
ویندرج فی معهود العرب من الخطاب ما هو تاریخیّ ثقافیّ؛ أی کلّ ما یتّصل بالبیئة التی نزل فیها القرآن، سواء أکانت بیئة مادّیّة -من تضاریس ومناخ- أم معنویّة، من عادات وأعراف وتقالید؛ ذلک أنّ روح القرآن الکریم روح عربیّة فی اللغة والأسلوب والخطاب، ولا یمکن النفاذ إلى دلالته إلا بمعرفة تلک البیئة العربیة، سواء أکانت تلک المعرفة مادّیّة أم معنویّة.
ومن ثمّ، فإنّ تحرّی الدقّة فی انتقاء الألفاظ المعبّرة عن المعانی، وتوظیفها فیما تقتضیه معانیها -تبعاً لاصطلاح التخاطب- یجعل المفسّر فی مأمن من تحریف الخطاب الشرعیّ عن دلالته الحقیقیّة أو إبعاده عن سیاقه، وهذا هو المراد بالظاهر الذی عمل الأصولیّون عامّة على تقعیده، وابن حزم خاصّة على تأصیله، وعدّه أصلاً فی التفسیر وقیداً فی التأویل، فالظاهر "هو ما تقتضیه اللغة من معانٍ، وما تحمله ألفاظها من دلالات؛ لأنّ القرآن نزل بلسان عربیّ، وعلى هذا اللسان جرى التخاطب"[68].
وضابط ظاهر الخطاب یقی المفسّر من اللجوء إلى التأویل إلا إذا حصل على دلیل، أو مقتضى لغویّ یعینه على صرف المعنى الظاهر؛ لأنّ التأویل خلاف الأصل، ولا یُصار إلیه إلا بعد تعذّر حمل الخطاب على معناه الظاهر، وهو المعنى المتبادر من الخطاب.
وهذا مؤشّر على مدى ضرورة احترام الدلالة الأصلیّة التی یحملها النصّ الشرعیّ، وعدم مجاوزتها إلا بدلیل.
ولتأمین الخطاب القرآنیّ من القراءات التحریفیّة التی لا همّ لها سوى التلاعب بالمعنى الحقیقیّ للنصّ، وللاحتراز من النفاذ إلى المعنى الباطن الذی لا یحتمله النصّ بطبیعته اللغویّة والدلالیّة؛ نصّ الأصولیون على أنّ الظاهر هو الأصل فی حمل الخطاب؛لأنّ الظاهر هو المعنى الذی تتحمّله طبیعة النصّ فی أداء المعنى بواسطة اللغة المستخدمة فی التخاطب، فکان من الضروریّ التقیّد بالقواعد العامّة لتلقی النصّ، ومن هذه القواعد:
- أنّ الأصل فی حمل اللفظ هو الحقیقة التی یقرّها الوضع اللغویّ، وهی المعنى المتبادر من تداول اللفظ، ولا یصرف اللفظ فی معناه الحقیقیّ من الحقیقة إلا بقرینة تأخذ من سیاق الخطاب، ویقرّها الوضع اللغویّ.
- أنّ الغایة من مدارسة اللفظ هو تعیین معناه؛لأنّ الاعتناء بالمعانی هو الأصل، بناءً على أنّ العرب إنّما کانت عنایتها بالمعانی، وإنّما جعلت الألفاظ أدوات مساعدة.
- اللفظ أداة لتحصیل المعنى.
- أنّ التأویل إذا کان یلغی ظاهر النصّ فهو مردود.
- أنّ الأصل مراعاة السیاق؛ لأنّ السیاق حاکم، ویعین على الفهم، ویساعد على ترجیح الأقوال[69].
- أنّه لا مطمع للوصول إلى المعنى الباطن للخطاب قبل المرور والعبور بالمعنى الظاهر.
- أنّ المقصود بالمعنى الباطن هو المعنى التبعیّ للمعنى الأصلیّ؛ وهو غیر منطوق من ألفاظ النصّ؛ وإنّما یفهم انطلاقاً من مفهوم الخطاب.
فالدلالات عند الأصولیّین، منها: ما هو مقصود أصالة، ومنها: ما هو مقصود تبعاً. والعلاقة الجامعة بینهما هی علاقة اللازم بالملزوم.
والمعنى الباطن هو المعنى الذی یلغی ظاهر النصّ، ویرفع المعنى المتبادر من المواضعة اللغویّة، وهذا المعنى غیر مقصود من تداول الخطاب، لا بالأصالة ولا تبعاً، ولا یقتضیه اصطلاح التخاطب وأعراف اللغة العربیّة فی أداء المعنى وتحصیل الدلالة، فکلّ من ادّعى القول بالباطن من دون أن یعمد إلى تحکیم الظاهر، أو اختار أن یجعل الباطن هو الأصل؛ فهو کمن ادّعى دخول البیت من دون أن یمرّ بالباب[70].
8. وحدة الموضوع فی التفسیر:
وهی من أهمّ الآلیّات والضوابط التی استعان بها علماء أصول الفقه فی تفسیرهم للخطاب الشرعیّ؛ ومفادها: أنّ الخطاب الشرعیّ وحدة دلالیّة متماسکة فی معانیها اللغویّة والشرعیّة. ومن هنا، وجب على مفسّر الخطاب الشرعیّ أن ینطلق من وحدة الموضوع فی الخطاب؛ وذلک بجمع جمیع النصوص التی تشترک فی الموضوع الواحد، فالنصّ الشرعیّ -قرآناً أو حدیثاً نبویّاً- یُعدّ وحدة دلالیّة تشترک فی مجموعة من المقوّمات اللغویّة والدلالیّة، على الرغم من سعة فضائه وامتداد زمانه، وتنوّع مواضیعه وقضایاه، والدارس لخطاب الأًصولیّین والمفسّرین یجد أنّهم قد اهتمّوا بوحدة النصّ فی القرآن الکریم، واعتبروها شرطاً منهجیّاً فی التفسیر، وضابطاً أساسیّاً فی التأویل، وهذا ما یستلزم من مفسّر الخطاب "أن یضمّ کلامه -تعالى- بعضه إلى بعض"[71]، وأن یستغلّ جمیع النصوص ذات الموضوع الواحد، وأن لا یترک شیئاً منها على حساب النصوص الأخرى، ولا یقصّر فی طلب النصوص التی یجمعها الموضوع الواحد.
وهذا المبدأ المنهجیّ فی التفسیر هو محلّ اتّفاق بین علماء التفسیر، فهم متّفقون على حمل النصوص بعضها على بعضها الآخر فی جمیع النواحی المتعلّقة بالحکم. ومن ذلک: الربط بین العامّ والخاصّ، والمجمل والمبیّن، والمحکم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والأصلیّ والتبعیّ. وممّا یترتّب على هذه الضابطة المنهجیّة فی التفسیر: اعتبار "الحدیث والقرآن کلّه کلفظة واحدة، فلا یحکم بآیة دون أخرى، ولا بحدیث دون آخر؛ بل یضمّ بعضه على بعض"[72].
ومن شأن الجمع بین النصوص ذات الموضوع الواحد أن یزیل التعارض ویرفع الالتباس الذی قد یتوهّمه مفسّر الخطاب، أو یقع فیه فی بادئ أمره، وهو یتعامل مع القرآن الکریم؛ فالأصل أنّه لا تعارض فی النصوص الشرعیّة. قال ابن حزم: "فقد علمنا ضرورة أنّ کلام الله تعالى لا یتعارض"[73]، وإذا وقع التعارض بین الآیة والحدیث حسب ظنّ المفسّر، أو استشکل علیه الجمع بین النصوص، فلا بدّ له من الجمع بین النصوص حسب هذه القاعدة الأصولیّة: "استعمال النصوص أولى من إهمالها"؛ فمن المعلوم "أنّ القرآن الکریم والحدیث الصحیح متّفقان، وهما شیء واحد، لا تعارض بینهما ولا اختلاف"[74].
إنّ الأساس الحاکم على هذا التوجّه وهذا التصوّر أنّ الکلّ مهیمن على الجزء وموجّه له ومؤثّر فیه.
ومن هنا، فلا محیص للمتفهّم أو المفسّر من ردّ الآیة السابقة إلى الآیة اللاحقة، والجمع بین السابق واللاحق فی عملیّة التفسیر، وتجمیع النصوص التی تشترک فی الموضوع، وذلک بتجمیع الآیات والنصوص، من جهة أنّ بعضها متعلّق ببعضها الآخر؛ بل عند التأمّل یظهر أنّ القرآن کلّه کالکلمة الواحدة[75].
وانطلاقاً من مبدإ شمولیّة الشریعة الإسلامیّة، کان على المفسّر أن یأخذ الشریعة وینظر إلیها مثل نظرته إلى الصورة الواحدة، حسب ما ثبت من کلّیّاتها وجزئیّاتها المترتّبة علیها؛ وذلک بحمل عامّها المرتّب على خاصّها، ومطلقها المحمول على مقیّدها، ومجملها المفسّر على بیّنها؛ إلى ما سوى ذلک من مناحیها[76].
وقد حذَّر علماء الأصول والتفسیر -على حدٍّ سواء- من خطورة التمسّک بنصّ واحد فی التفسیر، وکان ابن حزم الظاهریّ الأندلسیّ شدید اللهجة على مَنْ استند إلى نصّ واحد فی الاستدلال، أو فی التفسیر، وأهمل باقی النصوص، وعدَّ ذلک من سقطات التفسیر والإفتاء، حیث قال فی الإحکام: "فمن أراد أن یجد جمیع الأحکام کلّها فی آیة واحدة؛ فهو عدیم العقل معلّل بإفساد الشریعة"[77].
وممّا یترتّب على هذه الضابطة: وجوب النظر إلى الخطاب فی مستویاته الکلّیّة وأبعاده الإجمالیّة، وذلک بردّ أوّله إلى آخره، والجمع بین متقابلاته، بحمل العامّ على الخاصّ، والمطلق على المقیّد، والمجمل على المبیّن، "فلا محیص للمتفهّم عن ردّ الکلام إلى أوّله، وأوّله إلى آخره، وإنّ ذاک یحصّل مقصود الشارع فی فهم المکلّف، فإنْ فرّق النظر فی أجزائه، فلا یتوصّل به إلى مراده، فلا یصحّ الاقتصار فی النظر على بعض أجزاء الکلام دون بعض"[78].
والتعامل مع النصّ فی بعده الشمولیّ والکلّیّ، وبدون تجزئة، یکاد یکون موضع اتّفاق بین جمیع المشتغلین بالتفسیر، فلا بدّ للمتعامل مع النصّ الشرعیّ من "حسن إدراک العلاقة الترابطیّة والتکاملیّة بین مختلف النصوص التی یجمعها الموضوع الواحد، والقضیّة المشترکة؛ حیث یتیسّر للمفسّر أن یعمد إلى الجمع بین النصوص التی تعالج قضایا مماثلة، وتحاول تقدیم تفسیر متّزن؛ کما إنّ هذه الخاصّیّة تستلزم التجرّد والموضوعیّة عن القبلیّات والاختیارات المذهبیّة فی التعامل مع النصّ الشرعیّ؛ لأنّ هذه القبلیّات والاختیارات من عواقبها أنّها تؤثّر على الحمولة الدلالیّة فی النصّ، وقد یتّخذها بعضهم من أجل ضرب النصوص بعضها ببعضها الآخر، وذلک بتحمیلها ما لا تطیق من المعانی البعیدة التی لا تستند ولا تتناسب مع منطق اللغة العربیّة فی الإبلاغ والدلالة، وذلک بادّعاء وقوع التناقض، أو التضارب، أو التنافر بین النصوص، وبیاناً للأحکام التی تنتظمها هذه النصوص الشرعیّة"[79].
ومن الأمثلة التطبیقیّة المجسِّدة لهذه الضابطة قوله -سبحانه وتعالى-: {والمطلّقات یتربّصن بأنفسهم ثلاثة قروء}[80]، فهذه الآیة عامّة فی کلّ مطلَّقة، لکنْ خصّ منها الآیسة، والصغیرة، وخصّ منها التی لم یُدخَل بها؛ مصداقاً لقوله تعالى: {فما لکم علیهنّ من عدّة تعتدّونها} (سورة الأحزاب، الآیة 43)، کما خصّ بها الحامل؛ لقوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن یضعن حملهن}[81].
ولو لم یعمد إلى الجمع، ولم یقابل المفسّر آیة الطلاق مع باقی الآیات المتعلّقة بالطلاق؛ لعمّم الحکم -وهو ثلاثة قروء على کلّ مطلَّقة فی جمیع الأحوال- بدون استثناء؛ سواء أکانت متوفّى عنها زوجها أم غیر مدخول بها[82].
وقد انبنى على هذه الضابطة مجموعة من المعطیات والشروط، أبرزها:
- أنّ کلّ تفسیر لا یستند إلى منطق اللغة العربیّة فی الأداء، وقواعدها فی الإفهام، وضوابطها فی التخاطب؛ هو تفسیر غیر سلیم، والتماس السلامة فی التفسیر یلزم عنه تحکیم معاییر اللغة العربیّة فی تفسیر الخطاب؛ لأنّ الخطاب الشرعیّ عامّة والقرآنیّ خاصّة خطاب نزل بلغة عربیّة، تحکمه قواعد اللغة العربیّة، فکان من الطبیعی أن یجری على هذا الخطاب ما یجری على اللغة العربیّة، من قواعد وظواهر ومقتضیات لغویّة ونحویّة، من حذف وإضافة وتصریح وکتابة، وخضوع. ثمّ إنّ تحکیم قواعد اللغة العربیّة فی الاستنباط یملیه عربیّة الخطاب القرآنی، وهو ما أکّده صاحب کتاب مجاز القرآن فی مقدّمة کتابه[83].
- أنّ ضبط دلالة الخطاب القرآنیّ متوقّف على تحصیل علوم اللغة، والتمکّن من قواعدها ودلالتها وتراکیبها، مع ضبط المعجم الشرعیّ، وهی الألفاظ المنقولة من المواضعة اللغویّة إلى المواضعة الشرعیّة، مثل: الصلاة، والصیام، والزکاة، والنذر.
ومن متعلّقات ضبط دلالة الخطاب القرآنیّ: التحقّق من معنى الألفاظ عن طریق الفصل بین الألفاظ فی بعدها المعجمیّ والبیانیّ والأصلیّ والتبعیّ، وما یعتری هذه الألفاظ من تغیّر؛ تبعاً للسیاق الذی وردت فیه. وأنّ صرف الألفاظ من دلالة إلى أخرى لا بدّ من أن یکون قائماً على أدلّة تقرّها اللغة العربیّة، وتشهد لها قوانینها فی الأداء ومنطقها فی التخاطب، فممّا یلزم کلّ مفسّر یرید معرفة الحقائق أو التعریف بها أنّ یحقّق المعانی التی یقع علیها الاسم.
- أنّ الأصل فی وضع اللفظ هو تحقیق التفاهم والتواصل، وبالتالی، فإنّ الغرض "من وضع الألفاظ المفردة لمسمّیاتها؛ تمکین الإنسان من تفهّم ما یترکّب من تلک المسمّیات"[84].
ونظراً إلى أهمّیّة اللفظ فی اکتساب المعنى، فقد أولاه علماء الأصول عنایة کبیرة. کما اعتنوا بالسیاق؛ لأنّه یُعدّ شرطاً أساساً، وضروریّاً فی اکتساب المعنى فی النصّ[85].
وبناءً علیه، فالمقرّر فی أصول الفقه أنّ اللفظ المتداول فی الخطاب القرآنیّ لا بدّ من أن یکون فی إطلاقه فائدة، وأن لا یکون من الألفاظ المهملة غیر المستعملة التی لا معنى لها، أو لا تحمل فائدة، وهذا ما تؤکِّده هذه القاعدة الأصولیّة التی تقول: "بعدم اشتمال القرآن على المهمل"، وهو اللفظ الذی لا یدلّ على أیّ معنى، لا حقیقة، ولا مجازاً[86].
خاتمة:
یُعدّ الاجتهاد فی النصّ من أبرز أنواع الاجتهاد التی أولاها علماء الإسلام عنایة خاصّة، إنْ لم نقل من أهمّها على الإطلاق، فهو اجتهاد یتّصل بالمرجعیّات اللغویّة الکبرى التی هی مؤسّسة للنصّ الشرعیّ؛ لأنّ الاجتهاد فی النصّ هو المنطلق الأوّل فی عمل المجتهد فی بناء الاجتهاد؛ انطلاقاً من هذه القاعدة: "لا اجتهاد مع وجود النصّ".
وممّا یدلّ على اقتران هذا النوع من الاجتهاد بالمرجعیّات اللغویّة هو تنصیص علماء اللغة، وتقریر علماء الأصول -على حدّ سواء- أنّ سبب الخطإ فی العلوم الشرعیّة، وعدم إدراک معانی الوحی إنّما یعود ویرجع إلى ضعف الاهتمام باللغة العربیّة، والقصور فی امتلاک ناصیتها، وعدم التمکّن من علومها، المتفرّعة عنها، أو المرکّبة لها، أو القریبة منها، أو المتّصلة معها.
هذا المعطى الأوّلیّ یفضی بنا إلى أن نقرّر بأنّ أساس البناء فی هذا العلم -الذی هو علم أصول الفقه، من حیث کونه أداة، ومرجعاً فی الاجتهاد البیانیّ- هو العلم باللغة العربیّة.
والناظر فی البحوث المشیّدة لهذا العلم فی جمیع محاوره، یلاحظ بما لا مجال للشکّ فیه، ذلک الحضور القویّ لهذه البحوث اللغویّة فی مؤلّفات الأصولیّین، ما یجعله یستحسن أن ینعت علم أصول الفقه أو یسمّیه بـ "علم النصّ"، من حیث هو مسلک للاجتهاد البیانیّ.
وهذا یعنی أنّ علماء الأصول أولوا عنایة کبیرة بهذا النوع من الاجتهاد -من حیث هو مقدّمة أساسیّة فی فهم النصّ الشرعیّ- من أجل استنباط الحکم الشرعیّ منه، وتنزیل هذا الحکم من النصّ على الوقائع الجدیدة التی لا تحمل نصّاً صریحاً.
وسوف یزداد الاهتمام والعنایة بهذا النوع من الاجتهاد فی هذه الآونة؛ بحکم الحاجة الملحّة، والطلب المتزاید على الاجتهاد -بجمیع أشکاله وفروعه- بسبب تزاید القضایا الجدیدة التی لا تحمل نصوصاً صریحة.
[1] باحث فی الفکر الإسلامیّ، من المغرب.
[2] انظر: حمادی، إدریس: الخطاب الشرعیّ وطرق استثماره، المرکز الثقافی العربیّ، 1990م، ص171.
[3] انظر: المنتار، محمد: "التأویل وآفاق المعرفة القرآنیّة"، مجلة التأویل، فصلیّة علمیّة محکّمة، تصدر عن مرکز الدراسات القرآنیّة فی الرابطة المحمّدیّة للعلماء، المغرب، العدد1، السنة الأولى، ذو القعدة 1435هـ.ق/ أیلول 2014م.
[4] القرافی، أحمد: الفروق، بیروت، دار المعرفة، 1980م، ج1، ص2.
[5] الشاطبی، أبو إسحاق: الموافقات، تحقیق: عبد الله درّاز، ط4، بیروت، دار المعرفة، 1988م، ج4، ص117.
[6] انظر: ابن جزی، محمد: التسهیل فی علوم التنزیل (تفسیر ابن جزی)، تحقیق: عبد الله الخالدیّ، دار الأرقم، 1416هـ.ق، ج1، المقدّمة، ص5.
[7] من قواعد الأصولیّین: أنّ الاجتهاد العاری عن الدلیل مردود.
[8] انظر: بوقرة، نعمان: "ملامح التفکیر التداولی والبیانی عند الأصولیّین"، مجلة إسلامیّة المعرفة، فصلیّة فکریّة محکّمة، تصدر عن المعهد العالمیّ للفکر الإسلامیّ، بیروت، العدد52، السنة الأولى، 2008م.
[9] الغزالی، أبو حامد: إحیاء علوم الدین، بیروت، دار المعرفة، 198م، ج1، ص22.
[10] انظر: الهلالیّ، عبد الله: التقعید الفقهیّ عند القاضیّ عبد الوهاب البغدادیّ من خلال کتاب المعونة، ط2، فاس - المغرب، مطبعة انفوبرانت، 2006م.
[11] انظر: مولود جحیش، بشیر: الاجتهاد التنزیلی، کتاب الأمّة، یصدر عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامیّة، قطر، العدد94، 1994م، المقدّمة، ص23.
[12] انظر: حمادی، الخطاب الشرعی وطرق استثماره، م.س، ص171.
[13] انظر: حمادی، الخطاب الشرعی وطرق استثماره، م.س، ص447.
[14] انظر: عبادی، أحمد: "العلوم الإسلامیّة أزمة منهج أم أزمة تنزیل"، أعمال ندوة علمیّة دولیّة، الرابطة المحمّدیّة للعلماء، المغرب، 13-14 ربیع الثانی1431هـ.ق/ 30-31 آذار 2010م، ط1، الرباط، دار أبی رقراق للطباعة والنشر، المقدّمة، ص4-5.
[15] الأندلسی، ابن حزم: الإحکام فی أصول الأحکام، بیروت، دار الآفاق الجدیدة، 1980م، ج1، ص92.
[16] الشاطبی، الموافقات، م.س، ج2، ص59.
[17] الشاطبی، الموافقات، م.س، ج4، ص12.
[18] الترکی، عبد المجید: المناظرات فی أصول الشریعة، ترجمة: عبد الصبور شاهین، بیروت، دار الغرب الإسلامیّ، 1980م، ص19.
[19] الأندلسی، ابن حزم: الفصل فی الملل والأهواء والنحل، ط2، بیروت، دار الجیل، 1996م، ج2، ص82.
[20] سزکین، فؤاد: تاریخ التراث العربیّ، الهیئة المصریة، 1905م، ج1، ص230.
[21] للوقوف على حقیقة هذا المنهج فی مکوّناته وعناصره وأسسه، یستحسن الرجوع إلى:
- العلوانی، طه جابر: أصول الفقه الإسلامی (منهج بحث ومعرفة)، منشورات المعهد العالمی، 1995م.
- طاهری، صدر الدین: "أصول الفقه الإسلامیّ والهرمنیوطیقا"، مجلة المنهج، فصلیّة فکریّة، تصدر عن مرکز الدراسات التخصّصیّة فی فکر السید الشهید محمد الصدر، السنة6، 2002م.
- سانو، مصطفى: "قراءة إبستمولوجیّة فی تشکّل المنهجیّات الأصولیّة"، مجلة دراسات عربیّة، العدد11-12، أکتوبر1998م.
- خبیزة، یعقوبی: المنهج الأصولیّ فی تفسیر النصّ الشرعیّ، أطروحة جامعیّة فی ثلاثة أجزاء، کلّیّة الآداب، ظهر المهراز – فاس، 1999م.
- محمد، یحیى: "آلیّات قراءة النصّ الدینی"، مجلة المنهاج، فصلیّة محکّمة، تصدر عن مرکز الغدیر، بیروت، العدد30، شتاء 2005م.
[22] التسهیل لعلوم التنزیل، م.س، ج1، المقدّمة، ص11.
[23] ابن عاشور، محمد الطاهر: التحریر والتنویر: ط1، الدار التونسیّة للنشر، 1971م، ج1، ص25.
[24] الشاطبی، الموافقات، م.س، ج2، ص62.
[25] انظر: العلمی، عبد الحمید: الدرس الدلالی عند الإمام الشاطبی، ط2، منشورات وزارة الأوقاف المغربیّة، 2000م، ص45.
[26] انظر: ابن القیم الجوزیّة، محمد: إعلام الموقعین، بیروت، دار المعرفة، 1986م، ج3، ص62.
[27] ابن جنّی، عثمان: الخصائص، تحقیق: محمد علی النجّار، القاهرة، دار السلام، 1955م، ج3، ص345.
[28] صالح، أدیب: تفسیر النصوص، ط3، بیروت، المکتب الإسلامیّ، 1984م، ج1، ص9.
[29] حمادی، الخطاب الشرعی وطرق استثماره، م.س، ص476.
[30] انظرفی هذا الموضوع:
- جفان، ملیکة: من قضایا اللفظ والمعنى بین اللغویین والبلاغیین، موقع "دیوان العرب" موقع على شبکة الإنترنت.
- إسلام، عزمی: مفهوم المعنى دراسة تحلیلیّة، حولیّات کلّیّة الآداب، جامعة الکویت، الحولیّة السادسة، الرسالة الحادیة والثلاثون 1405هـ.ق/ 1985م، ص29.
- حمودة، طاهر سلیمان: دراسة المعنى عند الأصولیّین، الإسکندریّة، الدار الجامعیّة للطباعة والنشر، ص87-88.
[31] انظر: الخطاب الشرعی وطرق استثماره، م.س، ص677.
[32] الشاطبی، الموافقات، م.س، ج4، ص114.
[33] البرهان فی علم أصول الفقه، بیروت، دار الکتب العلمیّة، 1997م، ج1، ص169.
[34] القرافی، أحمد: نفائس الأصول، تحقیق: عادل أحمد عبد الموجود؛ علی محمد معوض، مکّة المکرّمة، مکتبة نزار مصطفى الباز، 1416هـ.ق/ 1995م، ج2، ص531.
[35] من أهمّ المؤلفات المخصّصة للحروف: اللامات للزجاجی (ت: 337 هـ)؛ الأزهیة فی علم الحروف للهروی (ت: 415 هـ)؛ رصف المبانی فی شرح حروف المعانی لأحمد بن النور المالقی (ت: 802 هـ)؛ الدانی فی حروف المعانی للمرادی (ت: 949 هـ)؛ اللکنوی، محمد: فواتح الرحموت بهامش المستصفى، مؤسّسة الرسالة، 2003م، ج1، ص229؛ نهایة السول، ج1، ص217؛ الإبهاج، ج1، ص218، اللمع، ص36؛ العدة، ج1، ص194؛ أصول السرخسی، ج1، ص200؛ قواطع الأدلة، ص84.
[36] انظر: عرابی، أحمد: "أثر حروف المعانی فی تعدّد المعنى"، مجلة الثرات العربی، فصلیّة محکّمة، تصدر عن اتّحاد الکتّاب العرب، دمشق، السنة23، مارس2003م.
[37] انظر: النقاری، حمو: المنهجیّة الأصولیّة والمنطق الیونانیّ، السعودیّة، الشبکة العربیّة للنشر، 2013م، ص42.
[38] الغزالی، أبو حامد: المستصفى، بیروت، مؤسّسة الرسالة، 2003م، ج1، ص72.
[39] م.ن.
[40] انظر: الدرینی، فتحی: المناهج الأصولیّة فی الاجتهاد بالرأی فی التشریع الإسلامیّ، ط3، بیروت، دار الرسالة، 1434هـ.ق/ 2013م، ص268.
[41] سورة البقرة، الآیة 237.
[42] انظر: التلمسانی، محمد: مفتاح الوصول، تحقیق: محمد علی فرکوس الجزائری، بیروت، مؤسّسة الرسالة، 1996م، ص479.
[43] سورة المائدة، الآیة 33.
[44] انظر: شیخ زاده، محی الدین: حاشیة محی الدین شیخ زاده على تفسیر القاضی البیضاوی، بیروت، دار صادر، 1980م، ج7، ص403.
[45] انظر: الأوراغی، محمد: لسان حضارة القرآن، الرباط، دار الإمان، 2013م، مقدّمة الکتاب.
[46] انظر: الشافعی، محمد: الرسالة، بیروت، مؤسّسة الرسالة ناشرون، 2000م، ص52.
[47] انظر: حدادی، أحمد: حاجة المفتی للغة العربیّة، المغرب، دار جسور، 2000م، ص22.
[48] سورة إبراهیم، الآیة 4.
[49] سورة یوسف، الآیة 2.
[50] سورة الشعراء، الآیة 195.
[51] الأندلسی، ابن حزم: المحلّى، بیروت، دار الکتب العلمیة، 1994م، ج5، ص189.
[52] انظر: ابن المثنى، معمر (أبو عبیدة): مجاز القرآن، تحقیق: فؤاد سزکین، مصر، نشر مکتبة المعارف، 1980م، ج1، ص17.
[53] المالکی، محمد: دراسة الطبری للمعنى، المغرب، منشورات وزارة الأوقاف المغربیّة، 2000م، ص121.
[54] الأصفهانی، حسین (الراغب): مفردات ألفاظ القرآن، تحقیق: صفوان عدنان داوودی، ط2، قم المقدّسة، طلیعة النور؛ مطبعة سلیمانزاده، 1427هـ.ق، ص6.
[55] انظر: م.ن، ص4.
[56] الأندلسی، ابن حزم: الإحکام، تحقیق: أحمد محمد شاکر، بیروت، دار الآفاق الجدیدة، 1980م، ج5، ص126.
[57] الأندلسی، ابن حزم: رسائل ابن حزم، تحقیق: إحسان عباس، بیروت، دار الآفاق الجدیدة، 1980م، ج3، ص162.
[58] انظر: المیدانی، عبد الرحمان حبنکة: قواعد التدبّر الأمثل لکتاب الله، دمشق، دار القلم، 1987م، ص89.
[59] الطوفی، نجم الدین: شرح مختصر الروضة، دمشق، دار القلم، 1980م، ج3، ص469.
[60] "النصّ والتأویل"، محاورة مع الدکتور أحمد الریسونیّ، مجلة المنطلق الجدید، العدد9، 2008م.
[61] الزرکشی، بدر الدین: البرهان فی علوم القرآن، تحقیق: محمد أبو الفضل إبراهیم، ط1، مصر، دار إحیاء الکتب العربیة؛ عیسى البابی الحلبی وشرکاءه، 1376هـ.ق/ 1957م، ج2، ص155.
[62] ابن حزم، الإحکام فی أصول الإحکام، م.س، ج8، ص101.
[63] الأندلسی، ابن حزم: الفصل فی الملل والأهواء والنحل، بیروت، دار الجیل، ج2، ص279.
[64] الإحکام فی أصول الإحکام، م.س، ج3، ص43.
[65] م.ن، ج3، ص3.
[66] انظر: صحراوی، مسعود: المنهج السیاقیّ ودوره فی فهم النصّ، مجلة الوعی الإسلامیّ، شهریّة فکریّة، تصدر عن قطاع الثقافة والشؤون الإسلامیّة فی وزارة الأوقاف، الکویت، العدد541، 2010م.
[67] انظر: بزا، عبد النور: مصالح الإنسان: مقاربة مقاصدیّة، ط2، منشورات المعهد العالمیّ للفکر الاسلامی، 2006م.
[68] للوقوف على حقیقة الظاهر، یستحسن الرجوع إلى: العیسی، أحمد عیسى یوسف: الظاهر عند ابن حزم: دراسة أصولیة فقهیّة، بیروت، دار الکتب العلمیة، 2006م.
[69] انظر: عروی، محمد إقبال: الوظیفة الترجیحیّة للسیاق عند المفسّرین، مجلة آفاق، فصلیّة فکریّة، تصدر عن مرکز الإمارات للبحوث والدراسات الإستراتیجیّة، الإمارات، العدد35، 2001م.
[70] انظر: الغزالی، إحیاء علوم الدین، م.س، ج1، ص371.
[71] ابن حزم، المحلّى، م.س، ج9، ص449.
[72] ابن حزم، الإحکام فی أصول الأحکام، م.س، ج9، ص14. وانظر فی موضع آخر من الإحکام: "والقرآن والخبر الصحیح بعضهما مضاف إلى بعض؛ وهما شیء واحد، فی أنّهما من عند الله تعالى وحکمهما حکم واحد فی باب وجوب الطاعة". ج1، ص98.
[73] ابن حزم، المحلّى، م.س، ج9، ص177.
[74] م.ن، ج1، ص100.
[75] انظر: الزرکشی، البرهان فی علوم القرآن، م.س، ج1، ص39.
[76] انظر: الشاطبی، إبراهیم: الاعتصام، تحقیق: سلیم الهلالی، القاهرة، دار ابن عفان، 1992م، ج1، ص244.
[77] الإحکام فی أصول الأحکام، م.س، ج2، ص21.
- لمزید من التفصیل فی موضوع قراءة الخطاب عند الأصولیّین، انظر:
- رمضان، یحیى: القراءة فی الخطاب الأصولیّ، مصر، عالم الکتب الحدیثة، 2007م.
- یونس، محمد: علم التخاطب الإسلامیّ: دراسة لسانیّة لمناهج علماء الأصول فی فهم النصّ، بیروت، دار الکتاب الجدید المتّحدة، 2006م.
- العلمی، عبد الحمید: الدرس الدلالیّ عند الإمام الشاطبیّ، المغرب، منشورات وزارة الأوقاف المغربیّة، 2000م.
[78] الشاطبی، الموافقات، م.س، ج3، ص153.
[79] سانو، قطب مصطفى: ضوابط منهجیّة فی التعامل مع النصّ الشرعیّ، مصر، دار القلم، 2000م، ج1، ص4.
[80] سورة البقرة، الآیة 228.
[81] سورة الطلاق، الآیة 4.
[82] انظر: المالکی، ابن القصار: المقدّمة فی أصول الفقه، تحقیق: محمد السلیمانی، بیروت، دار الغرب الإسلامیّ، 1993م، ص97.
[83] انظر: ابن المثنى، مجاز القرآن، م.س، ج1، المقدّمة، ص10.
[84] الرازی، فخر الدین: المحصول، تحقیق: طه جابر العلوانیّ، مؤسّسة الرسالة، 2000م، ج1، ص199.
[85] انظر: بودراع، عبد الرحمن: النصّ القرآنیّ ومنهج السیاق، مجلة الترتیل، فصلیّة علمیّة متخصّصة، تصدر عن مرکز الدراسات القرىنیة فی الرابطة المحمّدیّة للعلماء، المغرب، العدد1، 2014م.
[86] انظر: اللکنوی، فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت، م.س، ج2، ص21.