قراءة فی المنهج الرجالیِّ للإمام الخامنئی

نوع المستند: المقالة الأصلية

المؤلف

جامعة المصطفى (ص) العالمیَّة

المستخلص

سعت هذه المقالة إلى الکشف عن المبانی الرجالیَّة للسیِّد الإمام الخامنئی(دام ظلّه)، وذلک من خلال استقراء کلماته -سواء فی کتبه الرجالیَّة أو أبحاثه الفقهیَّة- التی تبیِّن رأیَه فی بعض النقاط الرئیسة فی توثیق الرواة واعتبار الروایات، والتی من خلالها یمکن الکشف عن المنهج الرجالیّ لأیِّ فقیه، ومن هذه النقاط -کما عرضناها بالترتیب-: بیان رأیِهِ فی أصحاب الإجماع "الذین أجمعت العصابة على تصحیح ما یصحّ عنهم وتصدیقهم لما یقولون" بحسب قول الکشّیّ، ورأیِهِ فی مراسیل المشایخ الثقات الثلاثة، ثمَّ فی أسانید کتاب کامل الزیارات، وکذلک تفسیر القمِّیّ لعلی بن إبراهیم، ورأیِهِ فی کاشفیَّة إکثار أحد الأجلَّاء الروایة عن شخص عن وثاقته أو عدم کاشفیَّته، ومبناه فی جابریَّة عمل المشهور لضعف الخبر وعدمه، وحکمِهِ على روایات من کان مستقیمًا وثقة ثمَّ انحرف وضُعِّف ومبناه فی ذلک، ورأیِهِ فی حجِّیَّة الروایات المضمرة، ثمَّ مراسیل (من لا یحضره الفقیه) واستثناءات ابن الولید من کتاب (النوادر)، ومذهبِهِ بین خبر الثقة والموثوق، وموقفِهِ من طرق التعویض والتبدیل فی السند، ومن قضیَّة أنَّ الأصل فیمن ذُکر فی فهرس الشیخ الطوسیّ أن یکون شیعیًّا بالمعنى العامّ.

نقاط رئيسية

أولاً: مبناه فی التوثیق

  1. أصحاب الإجماع
  2. مشایخ الثقات
  3. أسانید کتاب کامل الزیارات
  4. أسانید کتاب تفسیر القمِّیّ
  5. إکثار أحد الأجلَّاء الروایة عن شخص
  6. عمل المشهور جابر لضعف الخبر
  7. روایات من کان مستقیمًا وثقة، ثم انحرف وضُعِّف
  8. الإضمار فی الروایات
  9. مراسیل کتاب (من لا یحضره الفقیه)
  10. استثناءات کتاب (نوادر الحکمة) للأشعریّ
  11. خبر الثقة وخبر الموثوق
  12. تبدیل السند
  13. فهرس الشیخ الطوسیّ، وأنَّ الأصل فیمن ذُکر فیه أن یکون شیعیًّا بالمعنى العامّ

الكلمات الرئيسية


قراءة فی المنهج الرجالیّ للإمام الخامنئی

الشیخ أمین ترمس[1]

خلاصة:

سعت هذه المقالة إلى الکشف عن المبانی الرجالیَّة للسیِّد الإمام الخامنئی(دام ظلّه)، وذلک من خلال استقراء کلماته -سواء فی کتبه الرجالیَّة أو أبحاثه الفقهیَّة- التی تبیِّن رأیَه فی بعض النقاط الرئیسة فی توثیق الرواة واعتبار الروایات، والتی من خلالها یمکن الکشف عن المنهج الرجالیّ لأیِّ فقیه، ومن هذه النقاط -کما عرضناها بالترتیب-: بیان رأیِهِ فی أصحاب الإجماع "الذین أجمعت العصابة على تصحیح ما یصحّ عنهم وتصدیقهم لما یقولون" بحسب قول الکشّیّ، ورأیِهِ فی مراسیل المشایخ الثقات الثلاثة، ثمَّ فی أسانید کتاب کامل الزیارات، وکذلک تفسیر القمِّیّ لعلی بن إبراهیم، ورأیِهِ فی کاشفیَّة إکثار أحد الأجلَّاء الروایة عن شخص عن وثاقته أو عدم کاشفیَّته، ومبناه فی جابریَّة عمل المشهور لضعف الخبر وعدمه، وحکمِهِ على روایات من کان مستقیمًا وثقة ثمَّ انحرف وضُعِّف ومبناه فی ذلک، ورأیِهِ فی حجِّیَّة الروایات المضمرة، ثمَّ مراسیل (من لا یحضره الفقیه) واستثناءات ابن الولید من کتاب (النوادر)، ومذهبِهِ بین خبر الثقة والموثوق، وموقفِهِ من طرق التعویض والتبدیل فی السند، ومن قضیَّة أنَّ الأصل فیمن ذُکر فی فهرس الشیخ الطوسیّ أن یکون شیعیًّا بالمعنى العامّ.

کلمات مفتاحیَّة:

المنهج الرجالیّ، الإمام الخامنئی، التوثیقات الخاصَّة، التوثیقات العامَّة، أصحاب الإجماع، المشایخ الثقات الثلاثة، کتب کامل الزیارات، تفسیر القمِّیّ، جابریَّة عمل المشهور، الروایات المضمرة، مراسیل (من لا یحضره الفقیه)، استثناءات ابن الولید، تعویض الأسانید، فهرس الشیخ الطوسیّ.

 

 

مقدّمة:

یعدُّ الحدیث الشریف المصدر الثانی من مصادر التشریع الإسلامیّ بعد القرآن الکریم، ومن خلاله یمکن معرفة ما أُجمل من أحکام فی القرآن الکریم، وتقیید مطلقاتها وتخصیص عموماتها، قال -تعالى-: {وَأَنزَلْنَا إِلَیْکَ الذِّکْرَ لِتُبَیِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَیْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ یَتَفَکَّرُونَ}[2]، وقال -أیضًا-: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَیْکَ الْکِتَابَ إِلاَّ لِتُبَیِّنَ لَهُمُ الَّذِی اخْتَلَفُواْ فِیهِ}[3]. من هنا کان اهتمام المسلمین منذ السنین الأولى لبعثة النبی(ص) بالحدیث الشریف حفظًا وتدوینًا، وروایة ودرایة.

وقد عُرف عن أهل بیت النبوَّة(علیهم السلام) حرصهم الشدید، واهتمامهم الأکید بحدیث جدِّهم رسول الله(ص)، فقد روى محمّد بن جریر بن رستم الطبری فی کتابه (دلائل الإمامة) بإسناده، عن ابن مسعود قال: "جاء رجل إلى فاطمة(علیها السلام)، فقال: یا ابنة رسول الله، هل ترک رسول الله(ص) عندک شیئًا تُطرفینیه؟

فقالت: یا جاریة، هاتِ تلک الحَریرةَ. فطلبتها فلم تجدها، فقالت(علیها السلام): ویحکِ اطلبیها، فإنّها تعدل عندی حسنًا وحسینًا..."[4].

وما کان فی تلک الحریرة إلَّا بضعة أحادیث سمعتها السیِّدة فاطمة(علیها السلام) من أبیها رسول الله(ص).

وشهرة (الجامعة) لا تخفى على أحد، وهی إملاء رسول الله(ص) بخطِّ أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب(ع)[5]، وفیها "کلُّ ما یحتاج الناس إلیه، ولیس من قضیَّة إلَّا وهی فیها حتى أرش الخدش"[6]، حسبما جاء فی الحدیث عن الإمام الصادق(ع).

وبعد أن کَثُرَ الکذب على رسول الله(ص) قام خطیبًا، فقال: "أیُّها الناس قد کثرت علیَّ الکَذّابة، فمن کذب علیَّ متعمدًا فلیتبوأ مقعده من النار"[7].

وبعد منع تدوین الحدیث عقب رحیل رسول الله(ص) عن هذه الدنیا، ولأسباب باتت معروفة، وبعد انتشار الإسلام فی أقطار واسعة مع ضعف فی المناعة وقلّة الحصانة، کان من الطبیعیّ أن یتعرَّض الحدیث الشریف للتلاعب على أیدی بعض الوضّاعین والکذّابین ممَّن یسمُّون أنفسهم رواة للحدیث، وما هم فی الواقع، إلَّا شرذمة من الانتهازیِّین والحاقدین ممَّن باعوا آخرتهم بدنیا غیرهم، فعمدوا إلى الزیادة فی الأحادیث، وتحریف الکلام عن مواضعه.

فمن هنا کان لا بدّ من اعتماد آلیَّة، ووضع قواعد یمکن من خلالها التمییز بین الحقِّ والباطل، ومعرفة الحدیث الصحیح من الضعیف، والحقیقیّ من المختلَق، فکان علما الرجال والحدیث، وکتب العلماء الکتب وسطّروا القواعد، وحددوا المعاییر التی ینبغی اعتمادها لتمحیص الأحادیث وغربلتها، وهذا ما یبدو واضحًا منذ القرن الأوَّل للهجرة النبویَّة الشریفة.

وما من فقیه إلَّا وهو بحاجة إلى هذین العلمین حتَّى یستطیع الحکم على أیِّ حدیث یرید أن یستنبط منه حکمًا شرعیًا، فالفقیه لا یُعدُّ فقیهًا إذا لم یکن لدیه مبانٍ واضحة فی الحکم على الأحادیث سندًا ومتنًا.

والإمام الخامنئی هو من هؤلاء الفقهاء الذین أتعبوا أنفسهم فی معرفة هذه العلوم، فدرسها عند کبار الأساتذة، وقرأها قراءة المتدبِّر الحاذق حتَّى تکوَّنت لدیه روئ خاصَّة، ونظرات فاحصة فی هذه العلوم.

وما اطلعتُ علیه من آراء سماحته ممَّا طُبع له باللغة العربیَّة رسالتان فی الفقه الاستدلالیّ: الأولى بحث فی (الهدنة)، والثانیة: بحث فی (الصابئة)، فقد ضمَّنهما العدید من الآراء المهمَّة فی علمَی الرجال والحدیث. هذا بالإضافة إلى ما کتبه سماحته فی الأصول الأربعة فی علم الرجال، فهو اشتمل -وإن لم یتمَّه- على العدید من الفوائد التی تنفع فی هذا المجال، علمًا أنَّ هذه الأبحاث الثلاثة تعود فی الزمن إلى ما یزید على عقدین.

ثمّ أتحفنی سماحة الأخ العزیز الشیخ حسن فیَّاض -مشکورًا- بجملة أوراق فیها بحوث وفوائد رجالیَّة للإمام الخامنئی استلَّها من دروس الخارج التی حصل علیها من مکتب الإمام الخامنئی. وعلى الرغم من عدم نشر هذه الدروس، فإنَّ وثاقتها مضمونة؛ للحصول علیها من مکتب الإمام کما تقدَّم.

ولو تسنَّى لی الاطلاع على جمیع ما کتبه سماحته وألقاه على طلَّابه، لکان بین أیدینا الکثیر من الفوائد والعدید من القواعد فی هذا العلم، والتی تعبِّر عن وجهة نظره فیه.

ولکن مع ذلک، فما ذُکِر من الأبحاث شکَّل رؤیة واضحة لمعرفة مدى تضلُّع سماحته بهذا العلم وتبحُّره فیه.

وفیما یلی نعرض مبانی سماحته فی هذا العلم:

أوَّلًا: مبناه فی توثیق الرواة:

توثیق الرواة تارة یکون من خلال توثیق خاصّ، وأخرى من خلال توثیق عامّ.

التوثیقات الخاصَّة: تکون بالاعتماد على ما ذکره العلماء المتقدِّمون فی حقّ الراوی من توثیق صریح أو ما یؤدِّی مؤدّاه، کما هو مذکور فی کتب المشایخ: الکشّیّ، والطوسیّ، والنجاشیّ. وهذه الطریقة اعتمدها غالبیَّة العلماء على مدى القرون الماضیة وحتَّى عصرنا الحاضر، ولم یناقِش فیها إلَّا قلَّة قلیلة منهم.

التوثیقات العامَّة: والمراد بها توثیق عدّة من الرواة تجمعهم ضابطة معیَّنة. وهذا النوع من التوثیق کان مثار اهتمام وبحث عند المتقدِّمین والمتأخِّرین فی سعته وضیقه، فمنهم مَنْ قَبِل الکثیر من هذه التوثیقات، ومنهم من رفض أکثرها.

والدلیل على کلا الأمرین واحد، فمن أخذ بالتوثیق الخاصّ، فإنَّه یأخذ بالتوثیق العامّ إنْ تمَّ دلیله؛ ولهذا قال السیِّد الخوئی(قده): "إنّ الوثاقة تثبت بإخبار الثقة، فلا یفرَّق فی ذلک بین أن یشهد الثقة بوثاقة شخص معیَّن بخصوصه، وأن یشهد بوثاقته فی ضمن جماعة، فإنّ العبرة هی بالشهادة بالوثاقة، سواء أکانت الدلالة مطابقیَّة أم تضمُّنیَّة"[8].

والإمام الخامنئی هو من أنصار الرأی الأوّل القائل بصحّة الکثیر من التوثیقات العامَّة، وهذا ما سیظهر من خلال النقاط الآتیة:

  1. أصحاب الأجماع:

هذا المصطلح لم یعرفه القدماء، وإنَّما حدث وشاع بین المتأخِّرین، وبحثوه بشکل مفصَّل أو مختصر فی کتبهم الرجالیَّة، ویرجع هذا البحث فی الأساس إلى کتاب رجال الشیخ الکشّیّ، الذی ذکر فیه جماعة من الرواة الفقهاء فی ثلاثة مواضع من کتابه:

أ‌-                  "فی تسمیة الفقهاء من أصحاب أبی جعفر وأبی عبد الله(علیهما السلام) (...) أجمعت العصابة على تصدیق هؤلاء(....)"[9].

ب- "تسمیة الفقهاء من أصحاب أبی عبد الله(ع)، أجمعت العصابة على تصحیح ما یصحّ من هؤلاء وتصدیقهم لما یقولون(....)"[10].

ج-  "تسمیة الفقهاء من أصحاب أبی إبراهیم وأبی الحسن الرضا(علیهما السلام)، أجمع أصحابنا على تصحیح ما یصحّ عن هؤلاء وتصدیقهم(....)"[11].

والملاحظ من هذه العبارات الثلاث أنّ الشیخ الکشّیّ هو بصدد ذکره للفقهاء المشهورین والأصحاب المعروفین من أصحاب الأئمَّة(علیهم السلام) فی ثلاثة عصور، وأنَّ الشیعة أجمعوا على تصحیح ما یصحّ عنهم.

ولم یذکر أحد من المتقدِّمین أو یُشِر إلى هذا المعنى -لا من قریب ولا من بعید-، مع شدّة حرصهم على مثل هذه الأمور، خصوصًا من الذین جاءوا بعد الشیخ الکشّیّ، سوى ما ذکره ابن شهر آشوب -فی القرن السادس- فی کتابه (المناقب)[12] فی موردین فقط من هذه الموارد، وواضح أنّه اعتمد فی نقله على ما فی کتاب الشیخ الکشّیّ.

وفی الوقت الذی اتفق الأصحاب على أنَّ هذا المصطلح هو من مختصَّات الشیخ الکشّیّ اختلفوا فی مراده الحقیقیّ من ذلک، وتعدَّدت الآراء واختلفت الأقوال:

-       فمن قائل: بأنَّ مراد الشیخ الکشّیّ هو تصحیح جمیع الروایات التی یرویها هؤلاء الفقهاء، ولا یُنظر فی السند من بعدهم إلى المعصوم(ع)[13].

-       ومن قائل: إنَّ مراده توثیق جمیع الرواة الذین روى عنهم هؤلاء الفقهاء[14].

-        وقائل: إنَّ مراده توثیق هؤلاء الفقهاء المذکورین فقط دون سواهم[15].

 إلى غیر ذلک من الأقوال المذکورة فی محلّها.

وأمَّا ما ذهب إلیه سماحة الإمام الخامنئی، فهو القول الأوّل، وأنَّ جمیع الروایات التی وقع فی سندها أحد هؤلاء الفقهاء، فهی معتبرة ویعمل بها، سواء أکان الراوی الذی وقع بین أحد أصحاب الإجماع وبین المعصوم(ع) ثقة أم ضعیفًا، معروفًا أم مجهولًا.

قال سماحته: "إذا وُجد شخص من أصحاب الإجماع فی سند روایة، فالرواة الذین یقعون بعده مهما کانت حالهم وسواء ذُکِرت أسماؤهم أم لا، وسواء کانوا مهملین من جهة التوثیق والتضعیف أم کانوا مجروحین وضعفاء، ففی جمیع هذه الصور لا یضرّ ذلک بصحّة السند(....)"[16].

وقال فی موضع آخر: "إنّ المستفاد من عبارة الکشّیّ أنّه کان ملتفتًا ومتوجِّهًا إلى فقاهة أولئک الأشخاص [أصحاب الاجماع]؛ لأجل کونهم من الفقهاء والعارفین بالروایات والأحادیث ولدیهم فهم بکلام المعصوم(ع)، فلهذا إذا نقلوا روایة -ولو من طریق مجهول أو ضعیف- فالسند یکون معتبرًا؛ لأنَّهم کانوا معتقدین بصحَّة السند، إذ لولا اعتقادهم بصحّة السند لما نقلوا الروایة(....) إذن، فأصحاب الإجماع یفیدون توثیق الروایة لا الراوی بالخصوص، فقد یکون الراوی غیر موثَّق بنحو خاصّ إلَّا أنَّ هذا لا یضرّ بصحَّة الراویة واعتبارها"[17].

  1. مشایخ الثقات:

والمراد بهم المشایخ الثلاثة: محمَّد بن أبی عُمَیر (ت: 217ه) وصفوان بن یحیی (ت: 210ه)، وأحمد بن محمَّد بن أبی نصر البزنطیّ (ت:216ه). وهؤلاء الثلاثة عاصروا ثلاثة من الأئمَّة المعصومین: الکاظم والرضا والجواد(علیهم السلام). وکتب الأحادیث اشتملت على الکثیر من روایاتهم وفی أبواب متفرِّقة عن المعصومین(علیهم السلام)، وکانوا قد حظوا بمنزلة خاصَّة عند الأئمَّة(علیهم السلام)، وباحترام ممیَّز عند الخاصَّة والعامَّة.

والأصل فی هذه الدعوى هو الشیخ الطوسیّ، حیث قال فی کتاب العُدَّة: "(....) وإذا کان أحد الراویین مسنِدًا والآخر مرسِلًا نُظِرَ فی حال المرسِل، فإن کان ممَّن یُعلم أنّه لا یُرسِلُ إلّا عن ثقة موثوق به، فلا ترجّح لخبر غیره على خبره، ولأجل ذلک سوَّت الطائفة بین ما یرویه محمَّد بن أبی عمیر، وصفوان بن یحیی، وأحمد بن محمَّد بن أبی نصر، وغیرهم من الثقات الذین عُرفوا بأنَّهم لا یروون ولا یرسلون إلَّا عمَّن یوثق به، وبین ما أسنده غیرهم، ولذلک عملوا بمراسلهم إذا انفردوا عن روایة غیرهم"[18].

وقَبْلَ الشیخ الطوسی لم یذکر أحد هذه الدعوى، ولم یصلنا شیء من ذلک سوى ما ذکره الشیخ النجاشیّ المعاصر له، وفی خصوص محمَّد بن أبی عمیر، وفی مراسیله فقط، حیث قال -بعد ذکره لما جرى معه من ظلم وسجن لأربع سنوات فی أیَّام هارون الرشید أو ولده المأمون، ودفنت کتبه خوفًا فسال علیها المطر-: "(....)فحدَّث من حفظه وممَّا کان سلف له فی أیدی الناس، فلهذا أصحابنا یسکنون إلى مراسیله(....)"[19].

وفیما بعد اشتهرت هذه الدعوى بشکل عامّ، وفی مراسیل ابن أبی عمیر بشکل خاصّ، وتحدیدًا من القرن السابع إلى عصرنا الحاضر، وتعدَّدت الأقوال واختلفت بین العلماء، کما فی المسألة السابقة، بل بصورة أشدّ، فبینما رفض بعض العلماء هذه التسویة مطلقًا قبلها آخرون مطلقًا، وفصّل جماعة بین مراسیل محمَّد بن أبی عمیر ومسانیده، ومراسیل غیره ومسانیدهم، فقبلوا هذه الدعوى فی خصوص مراسیل ابن أبی عمیر دون سواه، وکلٌّ منهم تمسَّک بقوله وحشد الأدلَّة التی یراها لدعم رأیه، وردَّ على مخالفه، وهکذا توسَّع البحث[20].

وأمَّا ما ذهب إلیه الإمام الخامنئی من هذه الأقوال، فهو القول الثانی، أی الأخذ بهذه التسویة مطلقًا، حیث قال: "المبنى المشهور هو أنَّ روایات ومراسیل محمَّد بن أبی عمیر وصفوان بن یحیی وأحمد البزنطیّ معتبرة، والمبنى الآخر غیر المشهور أنَّه لا فرق بین هؤلاء الثلاثة وغیرهم فی الروایة، ومستند قول المشهور هو قول الشیخ فی کتاب العُدَّة(....)"[21].

وفی مکان آخر یوضح أخذه بالمبنى المشهور، فیقول: "إنَّ مراسیل محمَّد بن أبی عمیر فی حکم المسانید ویعتمد علیها، وکذا البزنطیّ وصفوان بن یحیی، والوجه فی ذلک هو ما ذکره الشیخ الطوسی فی کتاب العُدَّة(....) وعلیه، فالروایة التی ینقولونها یعتمد علیها، بل الأقوى الاعتماد على الراوی الذی ینقلون عنه أیضًا؛ لأنَّ عبارة (إلَّا عن ثقة) التی ذکرها الشیخ الطوسی فی کتاب العُدَّة -وإن کان یوجد فیها احتمال ضعیف لا نقول به- فإنَّها تدلّ على أنَّ هؤلاء الثلاثة إذا رووا عن شخص مسندًا أم مرسلًا، فهذا الشخص یُعدّ ثقة..."[22].

وتکرّر هذا منه سماحته فی أکثر من مکان من بحث (الهدنة)[23] فی خصوص محمَّد بن أبی عُمَیر، وهذه الخصوصیَّة لمناسبة ذکره فی سند الحدیث محلّ البحث لا غیر.

ثمَّ بعد هذا أجاب سماحته عن بعض الإشکالات على هذه المسألة:

أ‌-                 إن شهادة الشیخ الطوسیّ فی کتابه العُدّة مبتنیة على الحدس ولیست حسِّیَّة، فلا تکون معتبرة حینئذٍ.

وأجاب سماحته: "بأنَّ الشیخ یخبر عن عمل الأصحاب، وشهادته عن عملهم حسِّیَّة ولیست حدسیَّة"[24].

ب‌-            کیف یمکننا الاعتماد على شهادة الشیخ الطوسیّ بحقِّ محمَّد بن أبی عمیر مع أنَّه روى عن أشخاص غیر ثقات مثل وهب بن وهب وغیره؟.

أجاب سماحته: "أوّلًا: إنَّ جملة "لا یُرسل إلّا عن ثقة" معناها الثقة عنده لا عند الناس، وبعبارة أخرى: إنَّ ابن أبی عمیر لا ینقل عمَّن لا یثق به هو، فقد یکون الشخص ثقة عنده إلَّا أنَّه لیس ثقة عند الشیخ الطوسیّ مثلًا، ولا منافاة بین الأمرین. وثانیًا: إنَّ محمَّد بن أبی عمیر قد روى عمَّا یقارب الأربعمئة شخص، ولیس بینهم سوى ستَّة رواة غیر ثقات، وهذا العدد بنظر الشیخ الطوسیّ یساوی صفرًا، وعلیه فیصحُّ القول بأنَّه لا یُرسل ولا یروی إلَّا عن ثقة"[25].

ج- إنّ کلام النجاشیّ وارد فی خصوص مراسیل ابن أبی عمیر، فلا یشمل المسانید.

وأجاب: "إنَّ عبارة النجاشیّ تفید أنَّ الأصحاب یعلمون بأنَّ ابن أبی عمیر مقیَّد جدًا بالنقل والروایة عمَّن یوثق به، وما لم یُحرِز وثاقة الراوی لا یَنقُل الحدیث مرسلًا عنه، ولأجل ذلک سکن الأصحاب إلى مراسیله، فالسبب هو تقیُّده بالنقل عن الثقة؛ ولذا لا فرق بین مراسیله ومسانیده حینئذ"[26].

ثمّ ختم قائلًا: "نعم، یحتمل أنّ کلمة "ثقة" فی عبارة الشیخ جاءت بمعنى الاسم المصدریّ، أی عن وثوق، فیکون المراد أنّ هؤلاء الثلاثة لا یرسلون إلّا عن وثوق منهم بصحّة الروایة، وعلیه فتکون الروایة موثقة لا الراوی نظیر أصحاب الإجماع. إلَّا أنَّ الصحیح هو ما ذکرناه أوّلًا"[27].

  1. أسانید کتاب کامل الزیارات:

إنَّ کتاب کامل الزیارات تألیف الشیخ الأقدم أبی القاسم جعفر بن محمد بن قولویه القمِّیّ المتوفى سنة 368ه، هو من الکتب المهمَّة لدى الطائفة، ومن الأصول المعتمدة خصوصًا فی مجال الزیارات، کما أنَّ مؤلِّفه من الأعلام الأجلاء الذین تفتخر بهم مدرسة أهل البیت(علیهم السلام).

وقد ذکر فی مقدّمة کتابه سبب تألیفه له، ثمّ قال: "(....) وقد علمنا أنَّا لا نحیط بجمیع ما روی عنهم فی هذا المعنى، ولا فی غیره لکن ما وقع لنا من جهة الثقات من أصحابنا -رحمهم الله برحمته- ولا أخرجت فیه حدیثًا رُوی عن الشُّذَاذ من الرجال، یؤثر ذلک عنهم عن المذکورین غیر المعروفین بالروایة المشهورین بالحدیث والعلم (....)"[28].

وفهم صاحب الوسائل الحرّ العاملیّ من هذه العبارة أنَّ جمیع الرواة الذین وقعوا فی أسانید ابن قولویه المنتهیة إلى الأئمّة(علیهم السلام) هم ثقات[29]. وتابعه على ذلک بعض العلماء، کان منهم السیِّد الخوئی(قده)، فإنَّه قال بذلک مدَّة من الزمن قبل تراجعه قبیل وفاته ثم ذهب إلى القول بوثاقة خصوص مشایخ ابن قولویه المباشرین[30].

وفهم جماعة أبرزهم المیرزا النوری صاحب المستدرک[31] أنَّ مقصود ابن قولویه هو توثیق مشایخه المباشرین فقط.

وفهم جماعة آخرون من عبارته المتقدِّمة أنَّه لیس بصدد توثیق مشایخه أو رواة أسانیده، بل هو یرید بیان أنَّه لم یروِ إلَّا الروایات المشهورة. وکلٌّ له دلیله على ما ذهب إلیه.

وأمَّا الإمام الخامنئی، فإنَّه اختار القول الأوَّل، وهو وثاقة جمیع من وقع فی أسانیده حتَّى غیر المباشرین.

قال:"إنَّ قول المؤلِّف (ما وقع لنا من جهة الثقات من أصحابنا) ظاهره توثیق جمیع رجال السند، وذلک لأنَّه ذکر هذا الکلام من أجل بیان الاعتماد والاعتبار لکتابه، وهذا الأمر لا یتحقَّق فیما إذا کان الراوی فی أوَّل السند من جهته ثقة دون البقیَّة، وإنَّما یتحقَّق ذلک فیما إذا کان جمیع من فی سلسلة السند موثّقین (....)"[32].

وقال فی موضع آخر: "إنَّ قول المؤلِّف فی مقدِّمة الکتاب (ما وقع لنا...) ظاهره الشمول لکلِّ الرواة الذین ینقل عنهم لا خصوص الرواة المباشرین -أی مشایخه فقط- کما ذکره بعض الأعاظم (....)"[33].

ولکنَّ ما ذهب إلیه سماحته مشروط بأن لا یکون فی مقابله تضعیف خاصّ لأحد الرواة من قبل علماء الجرح والتعدیل، وإلَّا یُرفع الید عن التوثیق العامّ حینئذٍ.

قال: "(....) وهذا التوثیق العامّ قیمته وفائدته لیست کقیمة وفائدة التوثیق الخاصّ الذی یذکره النجاشیّ -مثلًا- حول شخص معیَّن إلَّا أنَّه یفید ویکفی فی تصحیح السند للروایة؛ وعلیه، فإذا ورد طعن أو تضعیف خاصّ بحقّ شخص من الرواة الواردین فی کامل الزیارات، فسوف یخرج بذلک عن التوثیق العامّ (....)"[34].

وقال فی مورد آخر: "(....) وهذا التوثیق العامّ لا یُرفع الید عنه إلّا مع وجود طعن أو تضعیف خاصّ بحقّ الشخص بالخصوص"[35].

وقال سماحته فی کتاب (الهدنة): "(....) وعلی بن حدید فی سند هذه الروایة (....) من رواة أسانید ابن قولویه فی کامل الزیارات، فهو ممَّن یُعتمد علیه، لولا ما هو المعروف من تضعیف الشیخ -رحمه الله- إیَّاه فی غیر موضع من الاستبصار والتهذیب (....)"[36].

فائدة:

إنَّ مجموع مشایخ ابن قولویه فی کامل الزیارات بلغوا 32 شیخًا، ومجموع أسماء الرواة الذین وقعوا فی جمیع أسانید الکتاب بلغوا 681 راویًا، منهم 315 لا کلام فی وثاقتهم واعتبارهم، ومن لم یُذکر بمدح ولا قدح ولم یعرف حاله فی أوساط الرجالیِّین بعد ابن قولویه بلغ عددهم 327 راویًا، والذین حُکِمَ علیهم بالضعف کانوا 14 راویًا، ومن اختُلِف فیه کان 25 راویًا[37].

وقد أضاف السیِّد محمَّد حسین الجلالی على هذه الأعداد جماعة آخرین[38].

  1. أسانید کتاب تفسیر القمِّیّ:

علی بن إبراهیم بن هاشم القمِّیّ کان حیًّا سنة 307ه، هو أحد کبار مشایخ الشیعة الإمامیَّة فی أواخر القرن الثالث ومطلع القرن الرابع، وهو أستاذ الشیخ الکلینیّ، وقد أکثر الروایة عنه فی کتابه الکافی، بل هو أکثر الأصحاب والمشایخ روایة واعتمادًا فی المجامع الحدیثیَّة التی أُلِّفت بعده.

وله العدید من المؤلَّفات أشهرها کتاب (التفسیر) حتَّى بلغ الأمر أنَّه اشتهر بالتفسیر واشتهر التفسیر به.

قال فی مقدّمة التفسیر: "(....) ونحن ذاکرون ومخبرون بما ینتهی إلینا ورواه مشایخنا وثقاتنا عن الذین فرض الله طاعتهم وأوجب ولایتهم، ولا یقبل عمل إلا بهم(....)"[39].

واختلف الأصحاب المتأخِّرون فی مراد القمِّیّ من هذه العبارة، ففی الوقت الذی فهم الحرّ العاملیّ أنَّها تفید وثاقة جمیع مشایخه الذین ینتهی سندهم إلى الأئمّة(علیهم السلام)[40]، وتبعه على ذلک جماعة أبرزهم السیِّد الخوئی(قده)[41]. فقد فهم آخرون أنَّه یرید وثاقة خصوص مشایخه المباشرین. وناقش ثالث فی أصل العبارة، وأنّها هل هی لعلی بن إبراهیم أو لا؟ باعتبار أنَّ المقدّمة التی فی أوَّل التفسیر والتی اشتملت على هذه العبارة هی خارجة عن متن تفسیر القمِّیّ. وهناک أقوال أخرى یُخرجنا ذکرها عمّا نحن فیه.

کما أنَّه ثمَّة نقاشًا من نوع آخر دار بین العلماء -له ارتباط فیما نحن فیه- وهو أنَّ هذا التفسیر هل هو للقمِّیّ أو له ولغیره؟ وتعدَّدت الأقوال واختلفت:

-       فذهب جماعة إلى أنَّه بکامله للقمِّیّ، وهذا ما یظهر من أصحاب القول الأوّل.

-       وذهب آخرون إلى أنَّ فیه قسمًا من تفسیر القمِّیّ، وقسمًا آخر من تفسیر أبی الجارود زیاد بن المنذر.

-       وذهب فریق ثالث إلى أنَّ جامع هذا التفسیر هو تلمیذ علی بن إبراهیم القمِّیّ، وهو أبو الفضل العبَّاس بن محمَّد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر(علیهما السلام)، وقد وضع فیه جزءًا من تفسیر القمِّیّ وجزءًا من تفسیر أبی الجارود، وروایات أخرى.

وأودُّ الإشارة هنا إلى أنَّنی -بحمد الله تعالى وتوفیقه- أنجزتُ قبل سنوات تحقیق هذا الکتاب على أقدم النسخ الخطِّیَّة الموجودة فی المکتبات، وتبیَّن لی فی نهایة المطاف أنَّ جامع هذا التفسیر هو غیر أبی الفضل العباس، وأنَّ الکتاب الموجود الآن هو مجموع من تفسیر القمِّیّ، وتفسیر أبی الجارود زیاد بن المنذر، وروایات وأقوال للجامع نفسه، وقد میَّزتُ بین هذه الأقسام الثلاث بشکل لا یکون بینها أیّ تداخل، أسأل الله تبارک وتعالى أن یوفِّق لطبعه بحلَّته الجدیدة.

وأمَّا ما ذهب إلیه الإمام الخامنئی، فهو القول الأوَّل مع اختلاف فی تطبیقه على الواقع، فی موضعین:

  • الموضع الأوَّل، حیث قال: "نحن نعتمد على توثیق القمِّیّ لرجال سند التفسیر، ولکن حیث إنَّه یُحتمل احتمالًا کبیرًا اختلاط تفسیره بتفسیر آخر، فلذلک لا نقطع بأنَّ کلَّ الروایات الموجودة فی التفسیر هی ما نقله علی بن إبراهیم القمِّیّ"[42].
  • الموضع الثانی -وهو أکثر وضوحًا- حیث قال: "نحن نعتمد على قول القمِّیّ بتوثیق رجال تفسیره، ولکن حیث إنّ کتابه قد اختلط بتفسیر أبی الجارود، فلا یحصل لنا القطع بأنَّ الراوی واقع فی سند علی بن إبراهیم لیشمله التوثیق العامّ الذی ذکره، وإلَّا فإذا حصل لنا القطع فی مورد ما بأنَّ هذا الراوی واقع فی سند تفسیر القمِّیّ فیحکم بوثاقته"[43].
  1. إکثار أحد الأجلَّاء الروایة عن شخص:

نقل الروایة عن شخص، له عدَّة صور منها:

أ-   أن یکون الراوی ثقة، والمرویّ عنه کذلک. وفی هذه الصورة لا أثر لهذا النقل عن المرویّ عنه فی زیادة الاعتماد علیه من حیث الوثاقة ما دامت حاصلة قبل ذلک.

ب- أن یکون الراوی ثقة، والمرویّ عنه مجهول الحال ونحوه. وغالبیَّة العلماء لا یقولون فی هذه الصورة بأنَّ نقل الثقة عن المجهول آیة  کونه ثقة.

ج- أن یکون الراوی من أجلَّاء العلماء، والمرویّ عنه مجهول الحال وشبهه. وفی هذه الصورة ذهب البعض إلى وثاقة المرویّ عنه إذا کان مجهولًا ولم یرد فی حقّه تضعیف صریح[44].

د-  أن یُکثر أحد الأجلَّاء الروایة عن مجهول الحال ونحوه. وفی هذه الصورة -التی هی محلّ الکلام هنا- یُعَدُّ إکثار أحد المشایخ الأجلَّاء کالکلینیّ والصدوق والمفید والطوسیّ -قدّس الله أسرارهم- الروایة عن راوٍ مجهول لم یرد فی حقّه توثیق صریح ولا ذمّ کذلک، فهو دلیل على حسن حاله[45]، بل على وثاقته، وهذا ما علیه جماعة من العلماء[46]، بل إنّ جمیع من قال بالوثاقة فی الصورة الثالثة المتقدِّمة قائل بها بالضرورة فی الصورة الرابعة.

وهذا ما ذهب إلیه الإمام الخامنئی فی بحثه، حیث قال: "إذا نقل الصدوق -مثلًا- روایة عن شخص مجهول الحال، فهذا لا یُعَدُّ دلیلًا على وثاقته، ولکن إذا نقل عنه مئة روایة -مثلًا-، ففی هذه الحالة یُعَدُّ دلیلًا على الوثاقة، والوجه فیه أنَّ الشیخ الصدوق -على عظمته وجلالة قدره- نقل هذا العدد الکبیر عن هذا الشخص، فلو کان هذا الشخص غیر معتمد علیه بلحاظ الصدق والکذب، أو غیر ضابط للکلام الذی ینقله، فحینئذ لا یقوم الشیخ الصدوق بالروایة عنه بهذا الحجم والکثرة، فإنَّ النقل بکثرة عن شخص یدلُّ على الوثوق به"[47].

ه- أن یکثر أحد الأجلَّاء الروایة عن راوٍ قد ورد فیه طعن وذمّ. وفی هذه الصورة ناقش الإمام الخامنئی فی ردِّ جمیع روایات مَنْ صدر فی حقِّه طعن وذمّ، فاعتبر أنَّ روایة الجلیل عنه إذا کانت کثیرة، وکانت روایاته سلیمة المضمون، ومعمولًا بها، فلا یمکن الرکون إلى ما قیل فی حقِّه بشکل مطلق، بل یعتمد على روایاته تارة، وترفض أخرى.

قال سماحته فی بحثه فی روایات الشیخ الکلینیّ الکثیرة جدًا عن سهل بن زیاد الآدمی الذی ذمَّه الأصحاب وطعنوا فیه: "(....) فلا یمکن الاعتماد على سهل بن زیاد بشکل مطلق، وإن کنَّا نعتمد على روایته فی الکافی من أجل أنَّ الکلینیّ ذلک العالم الجلیل العظیم، وهو من أهل مدینة الریِّ، وهو یروی عن سهل بواسطة واحدة فقط، وهذه الواسطة هی عدَّة من الأصحاب، ومنهم علی بن محمَّد بن علّان الکلینیّ الثقة، والذی یُعدُّ شخصًا عظیمًا وجلیل القدر، وقد رُویتْ عنه [سهل] مئات الروایات والأحکام، فإذا کان الکلینیّ یروی عنه، وهو خِرِّیتُ فنّ الحدیث، وقد سمع مقالة أحمد الأشعریّ وغیره بحقّ سهل، کما سمعناها نحن، فهذا یدلّ على الاعتماد علیه، فالکلینیّ یُعدُّ نقّادًا وعالمـًا بهذا الفن، فإذا شخّص أنَّ هذه الروایة صحیحة فینقلها.

والإنصاف -أیضًا- أنَّنا نلاحظ أنَّه فی کلِّ مورد یروی فیه سهل بن زیاد فی الکافی، فالغالب فیه أن تکون هذه الروایة رائجة ومشهورة معمولًا بها ومعروفة عند الأصحاب.

نعم، روایاته الأخر فی غیر الکافی یمکن أن لا تکون کذلک، وأمَّا ما ینقله فی الکافی، فهناک أمارات على وثاقته من قبیل اعتماد المشایخ والأکابر.

یبقى الجرح والطعن العجیب من الشیخ النجاشیّ، والذی نقله عن أحمد الأشعریّ، وقلَّ ما یذکر ذلک بحقِّ شخص آخر من الضعفاء.

وللجمع بین هذین المطلبین نقول: إنَّ الکلینی عندما أعدَّ کتاب الکافی لبیان الحلال والحرام، وهذا ما کتبه تقریبًا فی مقدِّمته بقوله: "(....) یجمع فیه من جمیع فنون علم الدین ما یکتفی به المتعلِّم، ویرجع إلیه المسترشد، ویأخذ منه من یرید علم الدین والعمل به بالآثار الصحیحة عن الصادقَیْن(علیهما السلام)..."[48].

فیُعلم من ذلک أنَّه اختار من روایات سهل بن زیاد ما یکون موردًا للاعتماد علیه. وهذا الجمع الذی ذکرناه لیس نحن أوّل من ذکره، بل سبقنا إلیه الشیخ التستری صاحب (قاموس الرجال)[49]، وهو مقبول لنا وصحیح، ولذلک نحن نعتمد على روایات سهل الموجودة فی الکافی.

طبعًا، هذا الکلام لا یأتی فی کلِّ الرواة الذین ینقل عنهم الکلینیّ، فهو تارة ینقل عن شخص روایة أو ]بضع[ روایات، وأخرى ینقل عن شخص مئات الروایات، فالثانی یدلُّ على أنَّ هذا الراوی لا یحتاج إلى توثیق خاصّ، بل هذا النقل الکثیر عنه هو أعلى من التوثیق"[50].

وقد یفهم من عبارته الأخیرة له سماحته أنَّ نظره الشریف هو وثاقة سهل بن زیاد، مع أنَّه لا یرید ذلک -قطعًا-، ولعلَّ العبارة خانته أو الترجمة لها کانت غیر دقیقة، وإلَّا فکلامه السابق علیها صریح بأنَّه یرید من ذلک روایات سهل فی الکافی فقط دون سهل نفسه.

والذی یهوِّن الخطب ویحسم الأمر هو کلامه الآخر فی مناسبة أخرى، حیث یقول: "إنَّ سهل بن زیاد وإن لم یکن هناک دلیل على توثیقه لکونه قد روى عن الضعفاء، و]متّهمًا[ بالغلو والکذب، ولکن الروایات التی نقلها عنه الشیخ الکلینیّ فی کتاب الکافی یؤخذ بها؛ وذلک لأنَّ نفس اهتمام الکلینیّ بهذه الروایات ونَقْلَها -على کثرتها- یکشف عن کونها موثوقة لدیه"[51].

وکذلک حکم بوثاقة إبراهیم بن هاشم القمِّیّ؛ لإکثار الأجلَّاء الروایة عنه حیث قال فی مناسبة أخرى: "إنَّ الشیخ الکلینیّ روى عن إبراهیم بن هاشم بواسطة ابنه علیّ نحو ثلاثة آلاف روایة، وکذلک روى عنه الصفَّار وغیره من الأجلَّاء روایات کثیرة ما یقارب الستَّة آلاف روایة أغلبها رواها عنه ابنه علیّ، وکان إبراهیم أوَّل من نشر حدیث الکوفیِّین فی قم، وهو أصل الحدیث فی قم، والقمِّیُّون کانوا یدقِّقون فی النقل بشدّة، ولا ینقلون عن الضعفاء، بل یُخرجون الضعفاء من قم، ومع ذلک کانوا ینقلون روایات إبراهیم بن هاشم بشغف وشوق. فمع هذا کله هل یحتاج مثل هذا الشخص إلى توثیق خاصّ؟ ... بل هذا أعلى مرتبة من التوثیق اللفظیّ. ومن هنا یمکننا القول: بأنّ هذا الشخص محدِّث وفقیه جلیل القدر مع أنَّه لم یوثَّق فی الکتب الرجالیَّة باللفظ"[52].

  1. عمل المشهور جابر لضعف الخبر:

الشهرة تارة تکون فی الفتوى وأخرى فی الروایة، والمراد من الشهرة الجابرة للخبر الضعیف هی الأولى عند من یقول بجابریَّتها، وإلَّا فهناک من رفضها من أساسها.

وبعض العلماء أخذ بها وجعلها جابرة للضعیف، وکاسرة للصحیح، فیما إذا کانت قَبْل زمن الشیخ الطوسیّ(رحمه الله)، کالشهید الثانی[53] وابنه الشیخ حسن[54].

والبعض الآخر أخذ بها مطلقًا سواء أکانت قبل زمن الشیخ أم بعده، کالمحقِّق الحلِّیّ[55] والمحقِّق الهمدانیّ[56] وغیرهما.

وممّن ذهب إلى هذا القول الإمام الخامنئی، فقد قال فی بحث (الصابئة) بعد إیراده لروایات ضعیفة ومرسلة: "وضعف إسناد هذه الروایات لا یضرّ بعد ما هو المعلوم من تلقِّی الأصحاب لمضامینها بالقبول والعمل بها (....)"[57].

 

 

  1. روایات من کان مستقیمًا وثقة، ثمّ انحرف وضُعِّفَ:

ثمَّة روایات کثیرة فی مصادرنا الحدیثیَّة والروائیَّة رواها جماعة من الرواة کانوا فی بدایة أمرهم من العلماء والرواة الثقات، ومستقیمی العقیدة والمذهب، ثمّ لسبب أو آخر انحرفوا عن جادّة الصواب، واتَّخذوا سبیلًا آخر، فحکم علیهم الأصحاب بالضعف، وطعنوا فیهم.

ومن هنا طُرِح السؤال عن الموقف العلمیّ فی التعامل مع روایات هؤلاء الرواة، فهل یُؤخذ بها أو لا؟.

فمثلًا علی بن أبی حمزة البطائنیّ، أو عثمان بن عیسى الرواسیّ، أو زیاد بن مروان القندیّ، وغیرهم ممَّن کان فی بدایة أمره من العلماء الثقات، بل هؤلاء الثلاثة کانوا من وکلاء الإمام الکاظم(ع)، ثمّ انحرفوا وأنکروا موت الإمام(ع)، وبالتالی أنکروا إمامة الإمام الرضا(ع)، فطعن فیهم الأصحاب وضعَّفوهم، ولکنَّ روایاتهم کثیرة ومنتشرة فی أصول أصحابنا ومصنَّفاتهم، فکیف یُتعامل معها؟

وهنا صُوَر ثلاث:

أ- أن یُعلم زمن نقل الروایة عن أحدهم وأنَّه کان قبل انحرافه. وفی هذه الصورة یُؤخذ بها من دون تأمُّل من هذه الجهة.

ب- أن یُعلم أنَّه بعد انحرافه. وفی هذه الصورة لا یُؤخذ بها إلَّا على بعض الأقوال، وفی حال حصل منها اطمئنان وما شابه.

ج- أن یُشکّ به، فلا یُعلم أنه کان قبلُ أو بعدُ. وهنا رأیان:

-       بعضهم ردَّها؛ لعدم العلم بحال الراوی، وأنَّه کان وقتها فی حال الاستقامة أو لا.

-       وبعضهم أخذ بها؛ لأنَّ علماء الطائفة قد أعرضوا عنه وأهملوه بعد انحرافه، بشرط کون الراوی معاصرًا له فی فترة استقامته. وأمَّا من روى عنه ولم یُدرک تلک الفترة، فیُعلم أنَّه کان بعد انحرافه، فتُردّ.

 ومن هؤلاء سماحة الإمام الخامنئی، حیث قال: "إنَّ الأعاظم قد نقلوا روایات علیّ بن أبی حمزة للآخرین قبل انحرافه؛ ولذا إذا نُقلت روایة عنه، وعلمنا أنَّها قبل وقفه، فلا إشکال فیها ونقبلها، وإذا نُقلت عنه بعد وقفه، فلا یمکن قبولها، بل لو کان الراوی عنه قبل زمان وقف علیّ بن أبی حمزة، فیمکننا القول بأنَّ الروایة قبل وقفه. ومن هنا، فإذا روى عنه علیّ بن الحکم، وهو تلمیذ محمَّد بن أبی عمیر من الطبقة السابعة فی رجال الإمامین الرضا والجواد(علیهما السلام)، ولکنَّه لم یُدرک الإمام الکاظم(ع)، ولم یروِ عنه أصلًا، نعم، قد روى عن عدد من أصحاب الإمامین الصادق والکاظم(علیهما السلام)، وبعض هؤلاء بقوا إلى زمان الإمام الرضا(ع).

وأمّا احتمال رؤیة علیّ بن الحکم لعلیّ بن أبی حمزة وروایته عنه مباشرة [فی زمن الإمام الکاظم(ع) وقبل وقفه]، فهذا احتمال ضعیف، بل المظنون أنّه روى عنه بعد وقفه؛ ولذا یسقط اعتبار روایاته عنه ولا یؤخذ بها.

ویمکن أن یقال: إنّ علیّ بن أبی حمزة کان له کتاب، وعلیّ بن الحکم کان یروی من کتابه، وهذا الکتاب کان قبل وقفه، فتکون روایاته معتبرة.

وفیه:

 أوّلًا: إنَّ هذا القول غیر صحیح؛ وذلک لأنَّ ظاهر النقل عن الراوی باسمه أنَّه عن طریق السماع منه بالقراءة علیه لا الوجادة.

وثانیًا: لو کان لعلیّ بن أبی حمزة کتاب و]نقل[ عنه، فهذا یعنی أنّه ]نقل[ عنه بالوجادة، ومعلوم أنَّها أضعف طرق تحمُّل الحدیث.

فالاحتمال الأقوى أنَّه سمع أو قرأ على الراوی، وحینئذٍ یکون بعد وقفه فلا یؤخذ به (....)"[58].

  1. الإضمار فی الروایات:

ورد فی اللغة: أضمَرْتُ الشیء أخفیتُه... وغیَّبْتُه[59] وفی الاصطلاح لم یخرج عن هذا المعنى، وعُرِف الحدیث الذی أُضمر فیه المسؤول، وأخفی، وکُنِّیَ عنه بالضمیر بالمضمر، سواء أکان الضمیر بارزًا أم مستترًا، کـ"سألته"، و"سمعته"، و"عنه"، و"قال"، و"یقول"، وما شابه ذلک.

وهذا النوع من الأحادیث موجود بشکل ملحوظ فی تراثنا الحدیثیّ. وقد اختلف الفقهاء فی التعامل معه-بغضِّ النظر عن سبب الإضمار- على أقوال ثلاثة:

أ- عدم حجِّیَّة الأحادیث المضمرة مطلقًا، أی سواء أکان الراوی المضمِر من الفقهاء أم لا؛ والسبب فی ذلک هو احتمال عود الضمیر فیها إلى غیر المعصوم(ع)، ووجود هذا الاحتمال کافٍ فی عدم حجِّیَّتها، وهذا القول علیه جماعة من الأصحاب، منهم: الشهیدان.

ب- حجِیَّتها مطلقًا، وهذا ما یظهر من قدماء الأصحاب، وجماعة من المتأخِّرین؛ حیث إنَّ القدماء تعاملوا مع تلک الأحادیث -على تعدّدها واختلافها وانتشارها فی الکتب والأبواب الفقهیَّة وغیرها- معاملة الأحادیث الصادرة عن المعصومین(علیهم السلام) بلا أی تردّد، وأودعوها فی کتبهم المخصَّصة لذکر أحادیث المعصومین(علیهم السلام)، وأفتوا بمضمونها فی کتبهم الفقهیَّة، ولم یناقش أحد منهم فیها من هذه الجهة، ولم یعب أحد منهم على الآخر، لاعتماده فیما یقول علیها. وإنّما نشأ هذا الاختلاف بین المتأخِّرین، وعُرِف عنهم. ولنعم ما ذکره الشیخ حسن فی منتقى الجمان، مبیِّنًا فداحة الخطأ الذی وقع فیه بعض العلماء عندما حکم على المضمَر بالضعف، مع ذکره -أیضًا- لسبب الإضمار، قال: "الفائدة الثامنة: یتَّفق فی بعض الأحادیث عدم التصریح باسم الإمام الذی یُروى عنه الحدیث، بل یُشار إلیه بالضمیر، وظنَّ جمع من الأصحاب أنَّ مثله قطع ینافی الصحة، ولیس ذلک على إطلاقه بصحیح، إذ القرائن فی أکثر تلک المواضع تشهد بعود الضمیر إلى المعصوم بنحو من التوجیه الذی ذکرناه فی إطلاق الأسماء، وحاصله: أنّ کثیرًا من قدماء رواة حدیثنا، ومصنِّفی کتبه کانوا یروون عن الأئمّة(علیهم السلام) مشافهة، ویوردون ما یروونه فی کتبهم جملة، وإن کانت الأحکام التی فی الروایات مختلفة، فیقول أحدهم فی أوَّل الکلام: "سألت فلانًا" ویسمِّی الإمام الذی یروی عنه، ثمّ یکتفی فی الباقی بالضمیر، فیقول: "وسألته" أو نحو هذا إلى أن تنتهی الأخبار التی رواها عنه، ولا ریب أنّ رعایة البلاغة تقتضی ذلک، فإنّ إعادة الاسم الظاهر فی جمیع تلک المواضع تنافیها فی الغالب قطعًا، ولما أن نُقِلَت تلک الأخبار إلى کتاب آخر، صار لها ما صار فی إطلاق الأسماء بعینه، ولکنّ الممارسة تطلع على أنَّه لا فرق فی التعبیر بین الظاهر والضمیر"[60].

وعبارته فی المعالم أکثر وضوحًا، حیث قال:

"(....) لأنَّ الممارسة تنبِّه على أنَّ المقتضی لنحو هذا الإضمار فی الأخبار ارتباط بعضها ببعض فی کتب رواتها عن الأئمَّة(علیهم السلام)، فکان یتَّفق وقوع أخبار متعدِّدة فی أحکام مختلفة مرویّة عن إمام واحد، ولا فصل بینها یوجب إعادة ذکر الإمام(ع) بالاسم الظاهر، فیقتصرون على الإشارة إلیه بالمضمَر. ثمّ إنّه لمـَّا عرض لتلک الأخبار الاقتطاع والتحوُّل إلى کتاب آخر تطرَّق هذا اللبس، و]منشؤه[ غفلة المقتطع لها، وإلَّا فقد کان المناسب رعایة حال المتأخِّرین، لأنَّهم لا عهد لهم بما فی الأصول. واستعمال ذلک الإجمال إنَّما ساغ لقرب البیان، وقد صار بعد الاقتطاع فی أقصى غایات البعد. ولکن عند الممارسة والتأمُّل یظهر أنَّه لا یلیق بمن له أدنى مسکة أن یحدِّث بحدیث فی حکم شرعیّ ویسنده إلى شخص مجهول بضمیر ظاهر فی الإشارة إلى معلوم، فکیف بأجلّاء أصحاب الأئمّة(علیهم السلام)، کمحمَّد بن مسلم وزرارة وغیرهما. وقد تکثر فی کلام المتأخرین ردّ الأخبار بمثل هذه الوجوه التی لا یقبلها ذو سلیقة مستقیمة، وطویّة بمقتضیات الأحوال علمیَّة"[61].

ج- التفصیل بین کون الراوی المضمِر من الرواة الفقهاء، والثقات العلماء، فیقبل مضمَره، ویبن غیره فیردّ.

ذهب إلى هذا جماعة من الأصحاب، منهم المحقّق الخرسانی فی (الکفایة) عند استدلاله على حجِّیَّة الاستصحاب من الروایات التی کان أوّلها صحیحة زرارة قال معلِّقًا علیها: "(....) وهذا الروایة وإن کانت مضمَرة، إلَّا أنَّ إضمارَها لا یضرّ باعتبارها، حیث کان مضمِرها مثل زرارة، وهو ممَّن لا یکاد یستفتی من غیر الإمام(ع)، ولا سیَّما مع هذا الاهتمام"[62].

ومنهم المحدِّث البحرانیّ فی الحدائق[63] والعلَّامة النائینی، کما نقل عنه تلمیذه السیِّد الخوئی فی أجود التقریرات[64]، بل نسبه بعضهم إلى الأکثر[65]، وهذا لیس ببعید إذا جمعنا بین القولین: الثانی والثالث، لأنَّ النسبة بینهما عموم وخصوص مطلقًا، فکلُّ من قال بالثانی، فهو قائل بالثالث لا محالة، وبعض من ذهب إلى الثالث لا یظهر منه نفی الثانی، وهذا ملموس من خلال تبریرهم للأخذ بروایات أمثال زرارة، فبعضهم لا یقصد نفی غیره، کما هو واضح من عباراتهم.

وهذا الأخیر -یعنی القول الثالث- هو ما ذهب إلیه الإمام الخامنئی، حیث قال فی بحثه (الصابئة) تعلیقًا على روایة زرارة بن أعین التی فیها "سألته عن المجوس": "وإضمار الروایة غیر مضرّ بعد کون المضمِر مثل زرارة"[66].

وبرّر من اعتمد على بعض المضمَرات وترک أُخَرَ، بأن أمثال: زرارة بن أعین، ومحمَّد بن مسلم، وأبان بن تغلب، وعبد الله بن مُسکان، ویونس بن عبد الرحمن، وعلیّ بن جعفر، وغیرهم من الفقهاء وحَمَلة أحادیث أهل البیت(علیهم السلام) کانوا محلّ ثقة وعنایة الأئمَّة(علیهم السلام)، وکان الشیعة یرجعون إلیهم فی الأحکام والفتاوى التی حفظوها ونقلوها عن الأئمَّة(علیهم السلام)، فأمثال هؤلاء الأعلام لا یُتصوَّر فی حقِّهم أنَّهم رجعوا وسألوا غیر المعصومین(علیهم السلام) أو أنَّهم اعتمدوا فیما نقلوه على غیرهم؛ فلذا یورث نقلهم تلک الروایات اطمئنانًا بأنَّ الضمیر فیها یرجع إلى أحد المعصومین(علیهم السلام).

  1. مراسیل کتاب (من لا یحضره الفقیه[67]):

اعتمد الشیخ الصدوق(رحمه الله) فی تألیفه لکتاب (من لا یحضره الفقیه) طریقة خاصَّة وأسلوبًا ممیَّزًا؛ إذ قال:

"... وصنَّفتُ له هذا الکتاب بحذف الأسانید لئلَّا تکثر طرقه، وإن کثرت فوائده، ولم أقصد فیه قصد المصنِّفین فی إیراد جمیع ما رووه، بل قصدتُ إلى إیراد ما أُفتی به، وأحکم بصحته، وأعتقد فیه أنَّه حجَّة فیما بینی وبین ربی -تقدَّس ذکره وتعالت قدرته- وجمیعُ ما فیه مستخرَج من کتب مشهورة علیها المعول وإلیها المرجع (....)"[68].

وبهذا یظهر أنَّ الشیخ الصدوق أعدَّ کتابه هذا لیکون أشبه برسالةٍ عملیَّة باصطلاح أهل زماننا، یرجع إلیها المکلَّفون للوصول إلى أحکامهم الشرعیَّة، کما هو الحال فی هذا العصر؛ لذا لم یجد ضرورة لذکر کامل السند -کما هو الغالب فی الکتب السابقة علیه کالکافی وغیره- واستعاض عنه بذکره فی کتاب مستقلّ أُلحق بآخر کتاب (من لا یحضره الفقیه)، وهو المعروف بـ(المشیخة)، وهو عبارة عن طرق المؤلِّف إلى الروایات وکتب الأصحاب التی اعتمد علیها فی کتابه، وإن کان بین مشیخة الشیخ الصدوق وکتابه (من لا یحضره الفقیه) عموم وخصوص من وجه؛ فإنَّه ذکر طرقًا فی المشیخة إلى جماعة لم یخرج لهم ولا روایة فی الکتاب، وذکر روایات عن جماعة آخرین لم یذکر لهم طرقًا فی المشیخة.

وکیف کان، فقد ذهب جماعة من العلماء خصوصًا الأخباریِّین إلى صحَّة جمیع روایات کتاب (من لا یحضره الفقیه)؛ لأنَّ الشیخ الصدوق صحَّح جمیع ما فیه، وحکم علیها بأنَّها حجَّة، سواء أکانت مسنَدَةً أم مرسَلَةً، وصحیحة أم ضعیفة. وهناک من تعامل مع کتاب (من لا یحضره الفقیه) کأیِّ کتاب آخر، وأخضع أحادیثه لمعاییر الصحَّة عنده، فما کان صحیحًا أخذ به وإلّا أعرض عنه. وثمّة قول ثالث ذهب إلى التفصیل بین المراسیل فیه -والتی تجاوزت ثلث الکتاب- فما فیه "عن رجل" أو "عن بعض أصحابنا" أو "روی عن النبی(ص) أو أحد الأئمَّة(علیهم السلام)" وما شابه ذلک، فهو متروک لا اعتبار له، وما فیه "قال النبی(ص)" أو "قال أحد الأئمَّة(علیهم السلام)" یُؤخذ به ویُعتمد علیه، وعلَّلوا ذلک بأنَّ إسناده الحدیث إلى المعصوم(ع) على نحو الجزم یُشعر بإذعانه بمضمون الخبر.

قال السیِّد الداماد(رحمه الله) تعلیقًا على حدیث فی کتاب (من لا یحضره الفقیه)، جاء فیه ]قال(ع): الماءُ یُطهِّر ولا یُطهَّر[: "إذ مفاده الجزم أو الظنّ بصدور الحدیث عن المعصوم(ع)، فیجب أن یکون الوسائط عدولًا فی ظنِّه، وإلَّا کان الحکم الجازم بالإسناد هادمًا لجلالته وعدالته بخلاف ما لو التزم العَنْعَنَةَ وأبهم الواسطة (....)"[69].

والإمام الخامنئیّ تعامل مع مراسیل (من لا یحضره الفقیه) کغیره من المراسیل ولم یرَ فرقًا بین قال(ع) وروی عنه؛ ویدلُّ على ذلک قوله: "وما قیل من أنَّ مرسلات الصدوق إذا کانت بنحو نسبة القول إلى الإمام(ع)، فهی فی قوة الحدیث المسند اعتمادًا بالصدوق(رحمه الله) ممَّا لا یساعده المبنى المعروف والمرضیّ فی باب حجِّیَّة خبر الواحد، ولیس هناک ما ینجبر به ضعف سند الروایة (....)"[70].

10. استثناءات کتاب (نوادر الحکمة[71]) للأشعریّ:

وعلى الرغم من أهمیَّة الکتاب وکثرة أحادیثه التی احتوى علیها، لکنَّ الأصحاب أعرضوا عنه، ولم یعتمدوا علیه بسبب اشتماله على العدید من الرواة الضعفاء والمطعون علیهم، ولاحتوائه على روایات مرسلة وضعیفة خرجت عن الحدِّ المتعارف والمسموح به عند الأصحاب.

وعندما رأى محمَّد بن الحسن بن الولید -شیخ الطائفة فی زمانه- إعراض الأصحاب عن الکتاب انبرى لإنقاذه من خلال عملیَّة تشذیب وتهذیب، فاستثنى منه جماعة من مشایخ المؤلِّف، وبعض الموارد الأخرى التی هی مجهولة الواسطة ومرسلة.

وعُرفت هذه الموارد فیما بعد بـ(استثناءات ابن الولید)، وتابعه على ذلک تلمیذه الشیخ الصدوق وجماعة آخرون، فأخذوا بما فعله ابن الولید من دون نقاش وتردُّد إلَّا فی محمَّد بن عیسى بن عبید الیقطینیّ، فإنَّ أبا العباس بن نوح اعترض على استثنائه؛ "لأنَّه کان على ظاهر العدالة والثقة"[72] حسب ما نقله عنه تلمیذه الشیخ النجاشیّ. وفهم البعض أنَّ من استثناه ابن الولید کان بسبب ضعفه وعدم الاعتماد علیه، وهذا ما یظهر من أبی العباس بن نوح والشیخ الطوسی[73] وآخرین.

وذهب جماعة إلى أن استثناء ابن الولید لجماعة من مشایخ صاحب النوادر، والحکم علیهم بالضعف من ابن نوح والشیخ الطوسیّ، یعنی هذا أنّ من أبقاه من مشایخه یحکم علیه بالوثاقة.

وهناک من رفض الحکم على الذین استثناهم ابن الولید بالضعف، لأنَّ ردَّ الروایة أعمّ من الطعن فی راویها خصوصًا عند القدماء بحسب معاییرهم التی اعتمدوها فی قبول الروایة وردِّها[74].

وبعضهم رفض هذا الحکم علیهم بالضعف، لا للسبب المتقدِّم، وإنَّما لعدم وضوح معاییر ابن الولید فی الحکم على الراوی بالضعف، ولم یصلنا شیء من ذلک، ومن نقل فعله کالشیخین النجاشی والطوسیّ لم یشیرا إلى سبب ذلک حتى نحکم على من استثناه بالضعف، ومن أبقاه بالوثاقة، والحکم بصحّة الروایة لا یکشف عن وثاقة الراوی أو حسنه، أو لعلَّ الحاکم بالصحّة یعتمد على أصالة العدالة فی کل راوٍ مؤمن لم یظهر منه فسق[75].

ومن هنا ذهب الإمام الخامنئی إلى عدم الحکم بوثاقة من لم یستثن من نوادر الحکمة، قال: "... قام محمَّد بن الحسن بن الولید والشیخ الصدوق بمراجعة هذا الکتاب واستثنوا بعض الروایات منه بسبب ضعف رواتها. والکلام فی الروایات الأخرى التی لم تستثن، فهل هی مقبولة لأجل وثاقة رواتها أم لشیء آخر غیر ذلک؟ قال البعض: إنّ الروایات التی لم تستثن وقبلوها إنَّما هی لأجل وثاقة الرواة، فهو توثیق ضمنی للرواة، ولکنَّ الصحیح أنَّ هذا المقدار لا یکفی لتوثیق الرواة، لأنَّهم لم یصرِّحوا بالوجه الذی على أساسه کان الاستثناء؛ ولذا یحتمل لأجل وثاقة الرواة، ویحتمل لأجل شیء آخر، فلا یکفی هذا المقدار لتوثیق الرواة"[76].

11. خبر الثقة والخبر الموثوق:

للعلماء فی تعاملهم مع الخبر طریقتان:

أ‌-                 تعتمد وثاقة الراوی أساسًا فی حجِّیَّة الخبر، فإذا أُحرزت وثاقته أُخذ بالروایة، وتسمَّى هذه الطریقة بحجِّیَّة (خبر الثقة).

ب‌-            تعتمد فی قبول الخبر وعدِّه حجَّة على الوثوق بالروایة لا بالراوی، فإذا حصل وثوق واطمئنان بصدورها کان هذا کافیًا للأخذ بها، والاعتماد علیها حتى لو کان فی رواتها مَنْ هو ضعیف، وإلَّا تُرفض وتُردّ، ولو کان رواتها ثقات، وتسمَّى هذه الطریقة بحجِّیَّة (الخبر الموثوق).

والذی یظهر من کلام الإمام الخامنئی فی أکثر من مناسبة أنّه قائل بالطریقة الثانیة، أی بحجِّیَّة الخبر الموثوق.

فقد قال فی بحث (الهدنة): "(....) وعلیّ بن حدید فی سند هذه الروایة ممَّن روى عنهم ابن أبی عمیر، کما أنَّه من رواة أسانید ابن قولویه فی (کامل الزیارات)، فهو ممَّن یُعتمدُ علیه، لولا ما هو المعروف من تضعیف الشیخ(رحمه الله) إیَّاه فی غیر موضع من الاستبصار والتهذیب، ولکنَّ المضمون لیس ممَّا انفرد به هذا الراوی، ولا یعارضه شیء ممَّا ورد من الطرق المعتبرة، فالأخذ بقوله غیر محظور"[77].

وقال بعد بضع صفحات بمناسبة أخرى: "(....) فقد شاع فی کتب المؤرِّخین وأصحاب السیر وتلقَّاه المحدِّثون والفقهاء بالقبول بحیث لا یبعد ادعاء حصول الاطمئنان إلى صحته، وعلیه فلا مناص من الالتزام بجواز الردّ فی الجملة (....)"[78]. ومراده من "الردّ فی الجملة": ردّ من التجأ من المسلمین إلى بلاد الکفر فی زمن الهدنة.

12. تبدیل السند:

شاع فی الآونة الأخیرة فی أوساط العلماء مصطلح (تبدیل السند) أو (تعویض السند)، وأخذ مساحة من البحث والأخذ والردّ بین الفقهاء.

ومنشأ هذه المسألة هو وجود بعض الأسانید فی کتب الأصحاب خصوصًا فی التهذیبین حُکِمَ علیها بالضعف، فانبرى بعضهم لإیجاد طریقة من خلالها تصحّح تلک الأسانید.

 وهذه الطریقة من تبدیل السند لیست معروفة عند قدماء الأصحاب، ولا المتأخِّرین، بل أوَّل من ذکرها کان من متأخِّری المتأخِّرین، وهو الشیخ المجلسیّ فی کتابه الأربعین، کما أنَّها غیر معروفة عند غیر أصحابنا.

ونظریَّة التعویض -کما یحبُّ أن یُطلق علیها بعض العلماء- لها مصادیق متعدِّدة، وتطبَّق بأشکال مختلفة، بعضها یمکن الإصغاء إلیه والمناقشة فیه، وبعضها الآخر مرفوض تمامًا؛ لأنَّه أقرب ما یکون إلى ما یعرف بـ(ترکیب الأسانید) أو (تدلیس الأسانید).

وقد أتعب الشیخ محمد علی الأردبیلیّ(ت:1100ه) نفسه فی ابتکار أسالیب وطرقٍ جدیدة، للتغلُّب على تلک الأسانید الضعیفة، وإیجاد حلٍّ لها، حتَّى تصبح معتبرة، فکتب رسالة مفصَّلة أسماها "رسالة تصحیح الأسانید" طبعت عدَّة مرَّات ملحقة، تارة بـ(خاتمة المستدرک) وأخرى بـ(تنقیح المقال) وثالثة بـ(جامع الرواة).

وکیف کان، فإنّ من الطرق التی ذکروها لرفع هذه المشکلة:

أ‌-     إذا روى الشیخ الطوسیّ حدیثًا فی التهذیب، وکان طریقه إلیه فی (المشیخة) ضعیفًا، فیمکن الرجوع إلى کتابه (الفهرس)، فإن کان فیه طریق آخر صحیح للراوی نفسه، والراوی ثقة، وذکر الشیخ فی ترجمته عبارة "جمیع کتبه وروایاته" فإنّه حینئذٍ یمکن الرجوع إلى کتاب الفهرس والأخذ بالسند الصحیح فیه؛ لتصحیح ما فی التهذیب. علمًا أنَّ هذه العبارة "جمیع کتبه وروایاته" والتی هی عبارة رئیسة عند جماعة لیتمکَّنوا من الرجوع إلى الفهرس، ذکرها الشیخ فی حقِّ عدد قلیل، قد لا یتجاوز العشرین شخصًا.

ب‌-إذا کان طریق الشیخ فی المشیخة ضعیفًا، وکذلک هو فی الفهرس ذهب جماعة من العلماء إلى تصحیح تلک الأسانید بأسالیب متعدِّدة:

-       منهم: من اعتمد طریقة الجمع والتبدیل بین الأسانید، کالشیخ الأردبیلیّ فی رسالته، حیث صحَّح طریق الشیخ إلى علیّ بن الحسن الطاطریّ -بعد کونه ضعیفًا فی المشیخة- من خلال روایة موسى بن القاسم البجلیّ عنه فی بعض الروایات، وللشیخ طریق صحیح إلى موسى فبدَّل الطریق الضعیف إلى الطاطریّ بطریق البجلیّ الصحیح.

-       ومنهم: کالشیخ المجلسیّ فی کتابه (الأربعین) فإنَّه صحَّح طریق الشیخ الطوسیّ إلى بعض الکتب إذا ما کان ضعیفًا، وذلک بالرجوع إلى الشیخ الصدوق؛ فإذا کان طریقه إلى الکتاب نفسه صحیحًا، وثبت أنَّ للشیخ الطوسی أکثر من طریق صحیح إلى الشیخ الصدوق أمکن حینئذٍ تبدیل سند الشیخ الضعیف بما عند الصدوق والحکم علیه بالصحَّة.

-       ومنهم: کالسیِّد بحر العلوم، وتبعه السیِّد الخوئی أخیرًا، فإنَّه صحَّح طریق الشیخ الطوسیّ الضعیف إلى کتاب شخص معیَّن، بالرجوع إلى طریق الشیخ النجاشیّ إلى نفس الکتاب إذا کان صحیحًا، وکان شیخهما الذی رویا عنه ذلک الکتاب واحدًا، فیمکن حینئذٍ تبدیل الطریق الضعیف للشیخ الطوسیّ بالطریق الصحیح للشیخ النجاشیّ.

               وهناک طرق أخرى -لا یسع المقامَ ذکرُها- جمیعها لا تخلو من إیراد أو إشکال.

وناقش الإمام الخامنئی طریقة السیِّد الخوئی التی هی أکثر رواجًا فی الکتب أخیرًا؛ بفضل نشرها من قبل تلامذته، واعترض علیها وردَّها.

 ولسماحته تعلیق -بعد عرض ما قاله السیّد الخوئی(رحمه الله) عن طریق الشیخ إلى ابن فضَّال، واعتماده على طریق النجاشیّ- یشیر فیه إلى إمکان القول بصحّة هذا الطریق وعدم الإشکال فیه، فیما لو کان النجاشیّ والشیخ قد طابقا بین نسختیهما؛ لکنَّ هذا غیر معلوم، وبالتالی لا یُعلم أنَّ روایات ابن فضَّال التی رواها النجاشیّ بطریق آخر هی نفسها الروایات الموجودة لدى الشیخ، ثمَّ یستدرک بإمکان القبول بالتعویض والتبدیل فیما لو نقل النجاشیّ روایة عن ابن فضَّال، لکنَّ النجاشیّ لم ینقل روایات ابن فضَّال، بل نقل کتب ابن فضَّال من هذا الطریق الصحیح، وعلیه لا یُعلم إذا کانت هذه الروایة وغیرها من الروایات المنقولة عن ابن فضَّال من الشیخ وغیره هی نفسها التی نقلها النجاشیّ أم لا. ومن هنا یتوصَّل سماحته إلى القول: إنَّ نظریَّة التبدیل السند لا وجه لها[79].

وأُضیف هنا خاتمًا هذه المسألة: أنّ قدماء الأصحاب کانوا قد تنبَّهوا لمثل هذه الطرق، مع اعتمادهم على حجِّیَّة خبر الموثوق لا خبر الثقة، إلَّا أنَّهم لم یقبلوا حمل نسخة على أخرى، ولا روایة على روایة.

ذکر الشیخ النجاشیّ(رحمه الله) فی کتابه رسالةً کتبها إلیه أستاذه الخبیر والمدقِّق فی مثل هذه الأمور أبو العباس أحمد بن علیّ بن نوح السیرافیّ(رحمه الله)، یذکر فیها طرق الأصحاب إلى کتب الحسین بن سعید الأهوازیّ، وهی خمسة، وبعد تعدادها مفصّلًا ختم ابن نوح کلامه بقوله:

"فیجب أن تروی عن کلّ نسخة من هذا بما رواه صاحبها فقط، ولا تحمل روایة على روایة ولا نسخة على نسخة لئلَّا یقع فیه اختلاف"[80].

13. فهرس الشیخ الطوسیّ[81]، وأنَّ الأصل فیمن ذُکر فیه أن یکون شیعیًّا بالمعنى العامّ:

یظهر من طریقة الشیخ الطوسیّ فی کتابه (الفهرس) أنَّه کان یهدف من أوَّل الأمر إلى ذکر أصحاب الأصول والمصنَّفات الشیعیَّة، سواء أکانوا من الإمامیَّة أم من غیرهم، کالفطحیَّة والواقفیَّة، والزیدیَّة، وما شابههم، وقد یذکر بعض العامَّة؛ لروایتهم عن الأئمَّة(علیهم السلام)، أو لمخالطتهم لأصحابنا؛ فقد قال فی مقدّمة الفهرس: "(....) وإذا ذکرتُ کلَّ واحد من المصنِّفین وأصحاب الأصول، فلا بدَّ من أن أشیر إلى ما قیل فیه من التعدیل (....) وأبیِّن عن اعتقاده، وهل هو موافق للحقِّ أم هو مخالف له؛ لأنَّ کثیرًا من مصنِّفی أصحابنا وأصحاب الأصول ینتحلون المذاهب الفاسدة، وإن کانت کتبهم معتمدة"[82].

والذی ذهب إلیه الإمام الخامنئی وفهمه من عبارة الشیخ المتقدِّمة أنَّه إذا لم یتعرَّض لمذهب من ترجم له، فهو شیعیّ بالمعنى العامّ.

قال: "(....) کما امتنع فی بعض الموارد الأخرى من ذِکْرِ مذهب من ترجم لهم من الشیعة غیر الإمامیّة کالفطحیَّة والواقفیَّة. والحالة الوحیدة التی کان یشیر فیها إلى مذهب الأشخاص هی عندما یکون المترجَم له من العامَّة؛ لذلک ففی أی موضوع یسکت الشیخ عن التعرُّض لذکر مذهب الفرد ولم یقیِّده بشیء، یجب الاطمئنان إلى أنَّ هذا الشخص لیس عامِّیًّا، لکن لا یلزم أن یکون إمامیًّا دائمًا، بل ربما ینتسب إلى أحد الفِرق الشیعیَّة الأخرى، کالفطحیَّة والواقفیة أو غیرهم.

والخلاصة: أنّ الشیخ فی الفهرس قد یشیر أحیانًا إلى مذهب من کان شیعیًا سواء کان إمامیًّا أم غیر إمامیّ، لکنَّه یشیر دائمًا إلى مذهب من کان عامِّیًّا من غیر الشیعة، کما یمتنع غالبًا من التعرّض لجرح أو تضعیف الإمامیّ الضعیف؛ لأنَّه -کما قلنا- جعل موضوع الکتاب ومبناه تدوین أسماء من دوَّنوا أصلًا أو تصنیفًا للشیعة، أعمّ من کونه شیعیًّا أو غیره، ممدوحًا أو مذمومًا؛ لأنَّ تشخیص هذه الصفات لیس من اختصاص هذا الکتاب"[83].

خاتمة:

من خلال ما تقدَّم، یمکن تلخیص المبانی الرجالیَّة للسیِّد الإمام الخامنئی بالتالی:

1-               الحکم على جمیع الروایات التی یرویها أصحاب الإجماع -الذین ذکرهم الشیخ الکشّیّ- بالصحَّة، من دون حاجة إلى النظر فی السند من بعدهم إلى المعصوم(ع).

2-              اعتبار مراسیل الثقات الثلاثة -الذین ذکرهم الشیخ الطوسیّ فی کتابه العدّة- فی حکم المسانید، دون تفصیل بین محمَّد بن أبی عمیر وغیره.

3-              الحکم بوثاقة کلّ من وقع فی أسانید (کامل الزیارات) حتَّى غیر المباشرین، بشرط عدم التضعیف الخاص له.

4-              الاعتماد على توثیق القمِّیّ لرجال سند تفسیره ممکن، لولا احتمال اختلاط تفسیره بتفسیر آخر.

5-              إکثار أحد الأجلَّاء الروایة عن شخص دلیل على وثاقته.

6-              الشهرة جابرة لضعف الخبر مطلقًا، سواء أکانت قبل زمن الشیخ أم بعده.

7-              صحَّة الأخذ بروایة من کان مستقیمًا وثقة ثمَّ ضُعِّف وانحرف، فیما لو شُکَّ فی زمن نقله للروایة وأنَّه کان قبل انحرافه أو بعده، إذا کان الراوی عنه قبل زمان وقفه.

8-              التفصیل فی الروایات المضمرة بین ما کان المضمِر من الرواة الفقهاء والعلماء الثقات، فیقبل مضمره، وبین غیره، فیردّ.

9-              لا فرق بین مراسیل (من لا یحضره الفقیه) وغیرها، والتفصیل بینها بما ورد فیه "قال(ع)" أو "روی عنه (ع)" تحکُّم.

10-         عدم إمکان الحکم بوثاقة من لم یستثن من کتاب (نوادر الحکمة).

11-         الاعتماد فی قبول الخبر وعدِّه حجَّة على الوثوق بالروایة لا بالراوی، وهو المبنى المعروف بحجِّیَّة الخبر الموثوق.

12-         لا وجه للأخذ بنظریَّة تبدیل السند.

13-         الحکم على من لم یتعرَّض الشیخ الطوسیّ لمذهبه فی کتابه الفهرس، بأنَّه شیعیٌّ بالمعنى العامّ.

 

 



[1] باحث فی الفکر الإسلامیّ وعلوم الحدیث والرجال، من لبنان.

[2] سورة النحل، الآیة 44.

[3] سورة النحل، الآیة 64.

[4] الطبری، محمَّد بن جریر بن رستم: دلائل الإمامة، ط1، قم المقدَّسة، مؤسَّسة البعثة، 1413هـ.ق، ص65.

[5] انظر: الکلینیّ، محمَّد بن یعقوب: الکافی، تصحیح وتعلیق: علی أکبر الغفاری، ط5، طهران، دار الکتب الإسلامیَّة، 1363هـ.ش، ج1، کتاب فضل العلم، باب19، ح14، ص57.

[6] م.ن، ج1، کتاب الحجَّة، باب40، ح5، ص241.

[7] م.ن، ج1، کتاب فضل العلم، باب21، ح1، ص158.

[8] الخوئی، أبو القاسم: معجم رجال الحدیث، ط5، لا م، لا ن، 1413هـ.ق/1992م، ج1، ص49.

[9] الطوسی، محمَّد بن جعفر: اختیار معرفة الرجال(رجال الکشی)، تحقیق: حسن المصطفویّ، مشهد، جامعة مشهد، 1348هـ.ش، رقم431، ص238.

[10] م.ن، رقم705، ص375.

[11] م.ن، رقم1050، ص556.

[12] ابن شهر آشوب المازندرانیّ، محمد بن علی: مناقب آل أبی طالب، لا ط، قم المقدَّسة، مؤسَّسة انتشارات علامة، لا ت، ج4، ص211 و280.

[13] انظر: الخوئی، معجم رجال الحدیث، م.س، ج1، ص57 وما بعدها.

[14] م.ن.

[15] م.ن.

[16] الخامنئی، علی: القتل(دروس غیر منشورة ألقاها سماحته على طلَّابه فی بحث الخارج)، القسم الثانی من أقسام القتل، الدرس الخامس عشر، تمَّ الحصول علیها من مکتب الإمام الخامنئی عبر الشیخ حسن فیَّاض.

[17] م.ن، الدرس الثانی والعشرون من القسم الرابع من أقسام القتل شبه العمد.

[18] الطوسیّ، محمَّد بن الحسن: عدّة الأصول، تحقیق: محمَّد مهدی نجف، لا ط، قم المقدَّسة، مؤسَّسة آل البیت(علیهم السلام)، لا ت، ج1، ص386.

[19] النجاشی، أحمد بن علی: رجال النجاشی، تحقیق: موسى الشبیریّ الزنجانیّ، ط1، قم المقدَّسة، مؤسَّسة النشر الإسلامیّ، 1407هـ.ق، رقم887، ص326.

[20] من أراد الوقوف على التفاصیل، فلینظر: عرفانیان، غلام رضا: المشایخ الثقات؛ و: الخوئی، معجم رجال الحدیث، م.س، ج1، ص61.

[21] الخامنئی، القتل، م.س، الدرس الرابع والسبعون من الشراکة فی القتل، المرتبة الرابعة من مراتب التسبیب.

[22] م.ن، الدرس السابع عشر من القسم الثالث من أقسام القتل.

[23] الخامنئیّ، علی: الهدنة (بحث فقهیّ استدلالیّ)، ط1، بیروت، دار الوسیلة، 1998م، ص57 و77.

[24] الخامنئی، القتل، م.س، الدرس الرابع والسبعون من الشراکة فی القتل، المرتبة الرابعة من مراتب التسبیب.

[25] الخامنئی، القتل، م.س، الدرس الرابع والسبعون من الشراکة فی القتل، المرتبة الرابعة من مراتب التسبیب.

[26] م.ن.

[27] الخامنئی، القتل ، م.س، الدرس الرابع والسبعون من دروس الشرکة فی القتل، المرتبة الرابعة من مراتب التسبیب.

[28] ابن قولویه القمِّیّ، جعفر بن محمَّد: کامل الزیارات، تحقیق: جواد القیّومی، ط1، قم المقدَّسة، مؤسَّسة نشر الفقاهة، 1417هـ.ق، ص20.

[29] انظر: الحرّ العاملیّ، محمَّد بن الحسن: وسائل الشیعة، تحقیق ونشر: مؤسَّسة آل البیت(علیهم السلام) لإحیاء التراث، ط1، قم المقدَّسة، 1411هـ.ق، ج30، الفائدة السادسة، ص202.

[30] انظر: الخوئی، معجم رجال الحدیث، م.س، ج 1، ص 50.

[31] انظر: النوری الطبرسیّ، حسین: خاتمة المستدرک، تحقیق ونشر: مؤسَّسة آل البیت(علیهم السلام) لإحیاء التراث، ط1، قم المقدَّسة، 1415هـ.ق، ج3، ص251؛ ج7، ص49.

[32] الخامنئی، القتل، م.س، الدرس الثانی والسبعون من دروس الشرکة فی القتل، المرتبة الرابعة من مراتب التسبیب.

[33] م.ن، الدرس التاسع من أدلّة حرمة قتل النفس.

[34] الخامنئی، القتل، م.س، الدرس التاسع من أدلّة حرمة قتل النفس.

[35] م.ن، الدرس الثانی والسبعون من دروس الشرکة فی القتل، المرتبة الرابعة من مراتب التسبیب.

[36] الخامنئی، الهدنة، م.س، ص57.

[37] عرفانیان، غلام رضا: مشایخ الثقات (الحلقة الثانیة)، ط1، قم المقدَّسة، مؤسَّسة النشر الإسلامیّ، 1417هـ.ق، ص155.

[38]  انظر: الجلالی، محمَّد حسین: درایة الحدیث، ط1، بیروت، مؤسَّسة الأعلمی للمطبوعات، 2004م، ص387.

[39]القمِّیّ، علی بن إبراهیم: تفسیر القمِّیّ، تحقیق وتعلیق: طیِّب الجزائریّ، ط3، قم المقدَّسة، دار الکتاب، 1404هـ.ق، ج1، ص4.

[40] انظر: الحرّ العاملیّ، وسائل الشیعة، م.س، ج30، الفائدة السادسة، ص202.

[41] الخوئی، معجم رجال الحدیث، م.س، ج1، ص49.

[42] الخامنئی، القتل، م.س، الدرس الثالث والسبعون من دروس الشرکة فی القتل، المرتبة الرابعة من مراتب التسبیب.

[43] الخامنئی، علی: القتل، م.س، الدرس الثالث والسبعون من دروس الشرکة فی القتل، المرتبة الرابعة من مراتب التسبیب.

[44] انظر: الوحید البهبهانی، محمَّد باقر: تعلیقة الوحید البهبهانی على منهج المقال، طبعة حجریَّة، قم المقدَّسة، 1307هـ.ق، ص27؛ وانظر: الوحید البهبهانی، محمَّد باقر: الفوائد الرجالیَّة، قم المقدَّسة، مکتب الإعلام الإسلامیّ، 1404هـ.ق، ص47.

[45] ذهب إلى هذا القول الشیخ محمَّد بن الحسن بن الشهید الثانی، ونقل عن والده القول به. (انظر: الجبعیّ العاملیّ، محمَّد بن الحسن بن زین الدین: استقصاء الاعتبار فی شرح الاستبصار، ط1، مشهد، مؤسَّسة آل البیت(علیهم السلام) لإحیاء التراث، 1419هـ.ق، ج1، ص48).

[46] انظر: المازندرانیّ الحائریّ، محمَّد بن إسماعیل: منتهى المقال فی أحوال الرجال، تحقیق ونشر: مؤسِّسة آل البیت(علیهم السلام) لإحیاء التراث، ط1، قم المقدَّسة، 1416ه.ق، ج4، ص300؛ وانظر: البحرانیّ القطیفیّ، أحمد بن صالح آل طعمة: الرسائل الأحمدیَّة، تحقیق ونشر: دار المصطفى(ص) لإحیاء التراث، ط1، قم المقدَّسة، 1419هـ.ق، ج2، ص97؛ وانظر: الخلخالی، محمَّد رضا الموسویّ: المعتمد فی شرح مناسک الحجّ (تقریر أبحاث السیِّد الخوئی)، ط2، قم المقدَّسة، مؤسَّسة إحیاء آثار السیِّد الخوئی، 2005م، ص89.

 [47]الخامنئی، القتل، م.س، الدرس التاسع من أدلّة حرمة قتل النفس.

[48] الکلینیّ، الکافی، م.س، ج1، ص16.

[49] التستری، محمَّد تقی: قاموس الرجال، تحقیق ونشر: مؤسَّسة النشر الإسلامیّ، ط3، قم المقدَّسة، 1425هـ.ق، ج5، رقم3486، ص362.

[50] الخامنئی، القتل، م.س، الدرس 163، الشروط المعتبرة فی القصاص، الشرط الثالث عشر کون القاتل أبًا.

[51] م.ن، الدرس11، أقسام قتل العمد، القسم الأوَّل.

[52] الخامنئی، القتل، م.س، الدرس 120، مراتب التسبیب، المرتبة الرابعة، الصورة السادسة.

[53] انظر: الشهید الثانی، زین الدین بن علی بن أحمد العاملیّ: الرعایة فی علم الدرایة، تحقیق: عبد الحسین محمَّد علی بقال، ط1، قم المقدَّسة، مکتبة السیِّد المرعشی النجفیّ، 1408هـ.ق، ص92.

[54] انظر: ابن زین الدین العاملیَّ، حسن: معالم الدین وملاذ المجتهدین، تحقیق: منذر الحکیم، ط1، قم المقدَّسة، مؤسَّسة الفقه للطباعة والنشر، 1418هـ.ق، ص176.

[55] انظر: المحقِّق الحلِّیّ، نجم الدین أبو القاسم جعفر بن الحسن: المعتبر فی شرح المختصر، لا ط، قم المقدَّسة، مؤسَّسة سیِّد الشهداء(ع)، 1407هـ.ق، ج1، ص29.

[56] انظر: الهمدانیّ، رضا: مصباح الفقیه، ط1، قم المقدَّسة، دار الفکر، 1423هـ.ق، ج9، ص60.

[57] الخامنئی، علی: الصابئة حکمهم الشرعیّ وحقیقتهم الدینیَّة، ط1، بیروت، دار الوسیلة، 1999م، ص16؛ وانظر: الخامنئی، الهدنة، م.س، ص45.

 

[58] الخامنئی، القتل، م.س، الدرس 208، ثبوت دعوى القتل، البیِّنة.

[59] ابن مکرم: محمَّد: لسان العرب، ط1، بیروت، دار صادر، 1990م، ج4، مادة: ضمر، ص492.

 

[60] ابن زین الدین العاملیّ، حسن: منتفی الجمان، تصحیح وتعلیق: علی أکبر الغفاری، ط1، قم المقدَّسة، مؤسَّسة النشر الإسلامیّ التاربعة لجماعة المدرِّسین، 1362هـ.ش، ج1، ص39.  

[61] ابن زین الدین العاملیّ، معالم الدین وملاذ المجتهدین، م.س، ج2، ص599-600.

[62] الآخوند الخراسانیّ، محمَّد کاظم: کفایة الأصول، ط1، قم المقدَّسة، مؤسَّسة آل البیت(علیهم السلام) لإحیاء التراث، 1409ه.ق، ص389.

[63] البحرانیّ، یوسف: الحدائق الناضرة، تحقیق: محمَّد تقی الإیروانی، قم المقدَّسة، مؤسَّسة النشر الإسلامیّ، لا ت، ج4، ص226.

[64] الخوئی، أبو القاسم: أجود التقریرات(تقریر بحث الشیخ النائینی)، صیدا، مطبعة العرفان، 1933م، ج2، ص358.

[65] الشهید الثانی، زین الدین بن علی: الروضة البهیَّة فی شرح اللمعة الدمشقیَّة، طبعة عبد الرحیم الحجریَّة، قم المقدَّسة، لا ن، 1308ه.ق، ج1، ص141.

[66] الخامنئی، الصابئة حکمهم الشرعیّ وحقیقتهم الدینیَّة، م.س، ص16.

[67] کتاب من لا یحضره الفقیه هو من تألیف محمَّد بن علیّ بن الحسین بن بابویه المعروف بــ (الشیخ الصدوق)، وکانت ولادته بدعاء الإمام صاحب العصر والزمان(عجَّل الله تعالى فرجه الشریف) سنة 306ه، والمتوفى سنة 381ه، والشیخ الصدوق من العلماء الأعلام الذین فاقوا کلَّ تجلیل وحازوا کلَّ تبجیل، فهو "وجه الطائفة بخراسان"(النجاشیّ، رجال النجاشیّ، م.س، رقم 1049، ص389)، "ولم یُرَ فی القمیِّین مثله فی حفظه وکثرة علمه" (الطوسیّ، محمَّد بن الحسن: فهرس کتب الشیعة وأصولهم، تحقیق: عبد العزیز الطباطبائیّ، ط1، قم المقدَّسة، مکتبة المحقِّق الطباطبائیّ، 1420هـ.ق، رقم 710، ص442.). مؤلَّفاته ناهزت الثلاثمِائة، ومشایخه کذلک، وکثرت أسفاره إلى الحواضر العلمیَّة فی طول الأرض وعرضها ومن شرقها إلى غربها، فمن قم إلى الری مرورًا بجرجان، ونیشابور، ومشهد الإمام الرضا(ع)، ومرو، وسمرقند، وبلخ من بلاد ما وراء النهر، وهمدان، وصولًا إلى بغداد، والکوفة ولیس آخرها مکة المکرمة، والمدینة المنورة، کلُّ ذلک سعیًا لطلب الحدیث، وبحثًا عن الرواة وحملة العلم والکتب والنسخ المعتبرة حتى جمع کنزًا لا یقدَّر، ودررًا لا تثمَّن من العلم وفنونه فی أبواب متنوعة، ومجالات متعدِّدة، فغدا بذلک أوحد زمانه، وفرید دهره، ودرة عصره.

وکتاب (من لا یحضره الفقیه)  للشیخ الصدوق، هو أحد إفاضاته، ولمعة من إشراقاته، ویتیمة مصنَّفاته، وثانی الکتب الأربعة بعد الکافی للشیخ الکلینیّ(رحمه الله)، وکان سبب تألیفه حسبما ذکر فی مقدّمته: "أمَّا بعد فإنَّه لمـَّا ساقنی القضاء إلى بلاد الغربة، وحصلنی القدر منها بأرض (بلخ) من قصبة (إیلاق) وردها الشریفُ الدّیّنُ أبو عبد الله المعروف بـ(نعمة) وهو محمَّد بن الحسن بن إسحاق... بن موسى بن جعفر بن محمَّد بن علی بن الحسین بن علی بن أبی طالب(علیهم السلام)، فدام بمجالسته سروری، وانشرح بمذاکرته صدری، وعظم بمودته تشرُّفی، لأخلاق قد جمعها إلى شرفه فی ستر وصلاح، وسکینة ووقار، ودیانة وعفاف، وتقوى وإخبات، فذاکرنی بکتاب صنفه محمَّد بن زکریا المتطبّب الرازی، وترجمه بکتاب (من لا یحضره الطبیب) وذکر أنه شافٍ فی معناه، وسألنی أن أصنّفَ له کتابًا فی الفقه والحلال والحرام، والشرائع والأحکام، موفیًا على جمیع ما صنَّفتُ فی معناه، وأُترجمه بکتاب (من لا یحضره الفقیه) لیکون إلیه مرجعه، وعلیه معتمده، وبه أخذه (....)"(الصدوق، أبو جعفر محمَّد بن علی بن بابویه: من لا یحضره الفقیه، تحقیق: علی أکبر الغفاری، ط2، قم المقدَّسة، مؤسَّسة النشر الإسلامیّ، 1404هـ.ق، ج1، ص2(.

[68] الصدوق، أبو جعفر محمَّد بن علی بن بابویه: من لا یحضره الفقیه، تحقیق: علی أکبر الغفاری، ط2، قم المقدَّسة، مؤسَّسة النشر الإسلامیّ، 1404هـ.ق، ج1، ص2

[69] المیرداماد الاسترابادی، محمَّد باقر الحسینیّ: الرواشح السماویَّة، ط1، قم المقدَّسة، دار الحدیث، 1422هـ.ق، ص255.

[70] الخامنئی، الهدنة، م.س، ص111.

[71] کتاب (نوادر الحکمة) تألیف أبی جعفر محمَّد بن أحمد بن یحیى بن عمران الأشعری القمِّیّ، من علماء القرن الثالث، وصفه الشیخ    النجاشی بقوله: "(....) کان ثقة فی الحدیث إلَّا أنَّ أصحابنا قالوا: کان یروی عن الضعفاء، ویعتمد المراسیل، ولا یبالی عمَّن أخذ، وما علیه فی نفسه مطعن فی شیء (....)" (النجاشی، رجال النجاشی، م.س، رقم939، ص348).ووصف کتابه -أیضًا- بقوله: "(....) ولمحمَّد بن أحمد بن یحیى کتب، منها کتاب (نوادر الحکمة) وهو کتاب حسن کبیر یعرِّفه القمِّیُّون بدبَّة شَبِیْبِ (....)" (م.ن).

[72] النجاشیّ، رجال النجاشیّ، م.س، رقم 939، ص348.

[73] انظر: الطوسیّ، محمَّد بن الحسن: الاستبصار فیما اختلف من الأخبار، تحقیق: حسن الموسویّ الخراسانیّ، ط4، طهران، دار الکتب الإسلامیَّة، 1363هـ.ش، ج1، ذیل رقم 846، ص237؛ ج3، ذیل رقم 568، ص156؛ ج3، ذیل رقم935، ص261.

[74] انظر: المامقانیّ، عبد الله: تنقیح المقال فی أحوال الرجال، الطبعة الحجریَّة، النجف الأشرف، المطبعة الرضویَّة، 1350هـ.ق، ج2، ترجمة صاحب النوادر، ص76.

[75] انظر: الخوئی، معجم رجال الحدیث، م.س، ج1، ص70.

[76] الخامنئی، القتل، م.س، الدرس167، الشروط المعتبرة فی القصاص، الشرط الثالث عشر، کون القاتل أبًا.

[77] الخامنئی، الهدنة، م.س، ص57.

[78] م.ن، ص69.

[79] الخامنئی، القتل، م.س، الدرس277، کتاب القصاص، الفصل الرابع فی کیفیَّة استیفاء القصاص.

[80] النجاشیّ، رجال النجاشیّ، م.س، رقم137، ص60.

[81] محمَّد بن الحسن الطوسیّ (ت: 460ه) هو شیخ الطائفة بلا منازع، وکان له دور کبیر على الساحة الإسلامیَّة بشکل عامّ، والشیعیَّة بشکل خاصّ. وإنجازاته العظیمة فی أهمِّ العلوم الإسلامیَّة لا تخفى على ذی لبّ. له مؤلّفات ثریَّة، ومصنَّفات غنیَّة سدّت فراغًا کبیرًا فی المکتبة الإسلامیَّة، ومن هذه المؤلّفات کتاب (الفهرس) الذی جمع فیه ما یناهز الألف من أسماء العلماء والفقهاء والرواة الذین لهم کتب وأصول ومصنَّفات، وهو أحد الکتب الأربعة فی علم الرجال والتی علیها المعوّل، وإلیها المرجع فی المدح والقدح والتعدیل، والجرح. وهذا الکتاب کتبه الشیخ الطوسیّ فی ظروف کانت الساحة العلمیَّة، الشیعیَّة خاصَّة، والمکیَّة الإسلامیَّة عامَّة، بحاجة ماسَّة إلى مثل هذا الکتاب، وهو -بحقّ- یعدُّ "أقدم کتاب مفصّلًا فی حقل اختصاصه، وصل إلى الأجیال المتأخِّرة وبقی إلى حدّ الآن" (الخامنئی، علیّ الحسینیّ: الأصول الأربعة فی علم الرجال، ترجمة: ماجد الغرباوی، ط1، بیروت، دار الثقلین، 1415هـ.ق/1994م، ص45-.46).

 وکان الشیخ قد کتب (الفهرس) قبل کتابه الرجال؛ وهذا واضح من خلال إرجاعاته فی کتاب الرجال إلى الفهرس.

وکان -أیضًا- قبل کتابة الشیخ النجاشیّ لکتابه؛ وهذا -أیضًا- واضح من خلال ذکر الشیخ النجاشیّ لکتاب الفهرس فی ترجمة الشیخ الطوسیّ(انظر: النجاشیّ، رجال النجاشیّ، م.س، رقم1068، ص403.)، وکذلک إشاراته المتعدِّدة إلى عبارات الشیخ الطوسیّ فی الفهرس، وهی لا تخفى على المتأمِّل.

[82] الطوسیّ، محمَّد بن الحسن: فهرس کتب الشیعة وأصولهم، تحقیق: عبد العزیز الطباطبائیّ، ط1، قم المقدَّسة، مکتبة المحقِّق الطباطبائیّ، 1420هـ.ق، ص3.

[83] الخامنئی، علی الحسینیّ: الأصول الأربعة فی علم الرجال، ترجمة: ماجد الغرباوی، ط1، بیروت، دار الثقلین، 1415هـ.ق/1994م، ص49.

 

[1] سورة النحل، الآیة 44.
[1] سورة النحل، الآیة 64.
[1] الطبری، محمَّد بن جریر بن رستم: دلائل الإمامة، ط1، قم المقدَّسة، مؤسَّسة البعثة، 1413هـ.ق، ص65.
[1] انظر: الکلینیّ، محمَّد بن یعقوب: الکافی، تصحیح وتعلیق: علی أکبر الغفاری، ط5، طهران، دار الکتب الإسلامیَّة، 1363هـ.ش، ج1، کتاب فضل العلم، باب19، ح14، ص57.
[1] م.ن، ج1، کتاب الحجَّة، باب40، ح5، ص241.
[1] م.ن، ج1، کتاب فضل العلم، باب21، ح1، ص158.
[1] الخوئی، أبو القاسم: معجم رجال الحدیث، ط5، لا م، لا ن، 1413هـ.ق/1992م، ج1، ص49.
[1] الطوسی، محمَّد بن جعفر: اختیار معرفة الرجال(رجال الکشی)، تحقیق: حسن المصطفویّ، مشهد، جامعة مشهد، 1348هـ.ش، رقم431، ص238.
[1] م.ن، رقم705، ص375.
[1] م.ن، رقم1050، ص556.
[1] ابن شهر آشوب المازندرانیّ، محمد بن علی: مناقب آل أبی طالب، لا ط، قم المقدَّسة، مؤسَّسة انتشارات علامة، لا ت، ج4، ص211 و280.
[1] انظر: الخوئی، معجم رجال الحدیث، م.س، ج1، ص57 وما بعدها.
[1] م.ن.
[1] م.ن.
[1] الخامنئی، علی: القتل(دروس غیر منشورة ألقاها سماحته على طلَّابه فی بحث الخارج)، القسم الثانی من أقسام القتل، الدرس الخامس عشر، تمَّ الحصول علیها من مکتب الإمام الخامنئی عبر الشیخ حسن فیَّاض.
[1] م.ن، الدرس الثانی والعشرون من القسم الرابع من أقسام القتل شبه العمد.
[1] الطوسیّ، محمَّد بن الحسن: عدّة الأصول، تحقیق: محمَّد مهدی نجف، لا ط، قم المقدَّسة، مؤسَّسة آل البیت(علیهم السلام)، لا ت، ج1، ص386.
[1] النجاشی، أحمد بن علی: رجال النجاشی، تحقیق: موسى الشبیریّ الزنجانیّ، ط1، قم المقدَّسة، مؤسَّسة النشر الإسلامیّ، 1407هـ.ق، رقم887، ص326.
[1] من أراد الوقوف على التفاصیل، فلینظر: عرفانیان، غلام رضا: المشایخ الثقات؛ و: الخوئی، معجم رجال الحدیث، م.س، ج1، ص61.
[1] الخامنئی، القتل، م.س، الدرس الرابع والسبعون من الشراکة فی القتل، المرتبة الرابعة من مراتب التسبیب.
[1] م.ن، الدرس السابع عشر من القسم الثالث من أقسام القتل.
[1] الخامنئیّ، علی: الهدنة (بحث فقهیّ استدلالیّ)، ط1، بیروت، دار الوسیلة، 1998م، ص57 و77.
[1] الخامنئی، القتل، م.س، الدرس الرابع والسبعون من الشراکة فی القتل، المرتبة الرابعة من مراتب التسبیب.
[1] الخامنئی، القتل، م.س، الدرس الرابع والسبعون من الشراکة فی القتل، المرتبة الرابعة من مراتب التسبیب.
[1] م.ن.
[1] الخامنئی، القتل ، م.س، الدرس الرابع والسبعون من دروس الشرکة فی القتل، المرتبة الرابعة من مراتب التسبیب.
[1] ابن قولویه القمِّیّ، جعفر بن محمَّد: کامل الزیارات، تحقیق: جواد القیّومی، ط1، قم المقدَّسة، مؤسَّسة نشر الفقاهة، 1417هـ.ق، ص20.
[1] انظر: الحرّ العاملیّ، محمَّد بن الحسن: وسائل الشیعة، تحقیق ونشر: مؤسَّسة آل البیت(علیهم السلام) لإحیاء التراث، ط1، قم المقدَّسة، 1411هـ.ق، ج30، الفائدة السادسة، ص202.
[1] انظر: الخوئی، معجم رجال الحدیث، م.س، ج 1، ص 50.
[1] انظر: النوری الطبرسیّ، حسین: خاتمة المستدرک، تحقیق ونشر: مؤسَّسة آل البیت(علیهم السلام) لإحیاء التراث، ط1، قم المقدَّسة، 1415هـ.ق، ج3، ص251؛ ج7، ص49.
[1] الخامنئی، القتل، م.س، الدرس الثانی والسبعون من دروس الشرکة فی القتل، المرتبة الرابعة من مراتب التسبیب.
[1] م.ن، الدرس التاسع من أدلّة حرمة قتل النفس.
[1] الخامنئی، القتل، م.س، الدرس التاسع من أدلّة حرمة قتل النفس.
[1] م.ن، الدرس الثانی والسبعون من دروس الشرکة فی القتل، المرتبة الرابعة من مراتب التسبیب.
[1] الخامنئی، الهدنة، م.س، ص57.
[1] عرفانیان، غلام رضا: مشایخ الثقات (الحلقة الثانیة)، ط1، قم المقدَّسة، مؤسَّسة النشر الإسلامیّ، 1417هـ.ق، ص155.
[1]  انظر: الجلالی، محمَّد حسین: درایة الحدیث، ط1، بیروت، مؤسَّسة الأعلمی للمطبوعات، 2004م، ص387.
[1]القمِّیّ، علی بن إبراهیم: تفسیر القمِّیّ، تحقیق وتعلیق: طیِّب الجزائریّ، ط3، قم المقدَّسة، دار الکتاب، 1404هـ.ق، ج1، ص4.
[1] انظر: الحرّ العاملیّ، وسائل الشیعة، م.س، ج30، الفائدة السادسة، ص202.
[1] الخوئی، معجم رجال الحدیث، م.س، ج1، ص49.
[1] الخامنئی، القتل، م.س، الدرس الثالث والسبعون من دروس الشرکة فی القتل، المرتبة الرابعة من مراتب التسبیب.
[1] الخامنئی، علی: القتل، م.س، الدرس الثالث والسبعون من دروس الشرکة فی القتل، المرتبة الرابعة من مراتب التسبیب.
[1] انظر: الوحید البهبهانی، محمَّد باقر: تعلیقة الوحید البهبهانی على منهج المقال، طبعة حجریَّة، قم المقدَّسة، 1307هـ.ق، ص27؛ وانظر: الوحید البهبهانی، محمَّد باقر: الفوائد الرجالیَّة، قم المقدَّسة، مکتب الإعلام الإسلامیّ، 1404هـ.ق، ص47.
[1] ذهب إلى هذا القول الشیخ محمَّد بن الحسن بن الشهید الثانی، ونقل عن والده القول به. (انظر: الجبعیّ العاملیّ، محمَّد بن الحسن بن زین الدین: استقصاء الاعتبار فی شرح الاستبصار، ط1، مشهد، مؤسَّسة آل البیت(علیهم السلام) لإحیاء التراث، 1419هـ.ق، ج1، ص48).
[1] انظر: المازندرانیّ الحائریّ، محمَّد بن إسماعیل: منتهى المقال فی أحوال الرجال، تحقیق ونشر: مؤسِّسة آل البیت(علیهم السلام) لإحیاء التراث، ط1، قم المقدَّسة، 1416ه.ق، ج4، ص300؛ وانظر: البحرانیّ القطیفیّ، أحمد بن صالح آل طعمة: الرسائل الأحمدیَّة، تحقیق ونشر: دار المصطفى(ص) لإحیاء التراث، ط1، قم المقدَّسة، 1419هـ.ق، ج2، ص97؛ وانظر: الخلخالی، محمَّد رضا الموسویّ: المعتمد فی شرح مناسک الحجّ (تقریر أبحاث السیِّد الخوئی)، ط2، قم المقدَّسة، مؤسَّسة إحیاء آثار السیِّد الخوئی، 2005م، ص89.
 [1]الخامنئی، القتل، م.س، الدرس التاسع من أدلّة حرمة قتل النفس.
[1] الکلینیّ، الکافی، م.س، ج1، ص16.
[1] التستری، محمَّد تقی: قاموس الرجال، تحقیق ونشر: مؤسَّسة النشر الإسلامیّ، ط3، قم المقدَّسة، 1425هـ.ق، ج5، رقم3486، ص362.
[1] الخامنئی، القتل، م.س، الدرس 163، الشروط المعتبرة فی القصاص، الشرط الثالث عشر کون القاتل أبًا.
[1] م.ن، الدرس11، أقسام قتل العمد، القسم الأوَّل.
[1] الخامنئی، القتل، م.س، الدرس 120، مراتب التسبیب، المرتبة الرابعة، الصورة السادسة.
[1] انظر: الشهید الثانی، زین الدین بن علی بن أحمد العاملیّ: الرعایة فی علم الدرایة، تحقیق: عبد الحسین محمَّد علی بقال، ط1، قم المقدَّسة، مکتبة السیِّد المرعشی النجفیّ، 1408هـ.ق، ص92.
[1] انظر: ابن زین الدین العاملیَّ، حسن: معالم الدین وملاذ المجتهدین، تحقیق: منذر الحکیم، ط1، قم المقدَّسة، مؤسَّسة الفقه للطباعة والنشر، 1418هـ.ق، ص176.
[1] انظر: المحقِّق الحلِّیّ، نجم الدین أبو القاسم جعفر بن الحسن: المعتبر فی شرح المختصر، لا ط، قم المقدَّسة، مؤسَّسة سیِّد الشهداء(ع)، 1407هـ.ق، ج1، ص29.
[1] انظر: الهمدانیّ، رضا: مصباح الفقیه، ط1، قم المقدَّسة، دار الفکر، 1423هـ.ق، ج9، ص60.
[1] الخامنئی، علی: الصابئة حکمهم الشرعیّ وحقیقتهم الدینیَّة، ط1، بیروت، دار الوسیلة، 1999م، ص16؛ وانظر: الخامنئی، الهدنة، م.س، ص45.
 
[1] الخامنئی، القتل، م.س، الدرس 208، ثبوت دعوى القتل، البیِّنة.
[1] ابن مکرم: محمَّد: لسان العرب، ط1، بیروت، دار صادر، 1990م، ج4، مادة: ضمر، ص492.
 
[1] ابن زین الدین العاملیّ، حسن: منتفی الجمان، تصحیح وتعلیق: علی أکبر الغفاری، ط1، قم المقدَّسة، مؤسَّسة النشر الإسلامیّ التاربعة لجماعة المدرِّسین، 1362هـ.ش، ج1، ص39.  
[1] ابن زین الدین العاملیّ، معالم الدین وملاذ المجتهدین، م.س، ج2، ص599-600.
[1] الآخوند الخراسانیّ، محمَّد کاظم: کفایة الأصول، ط1، قم المقدَّسة، مؤسَّسة آل البیت(علیهم السلام) لإحیاء التراث، 1409ه.ق، ص389.
[1] البحرانیّ، یوسف: الحدائق الناضرة، تحقیق: محمَّد تقی الإیروانی، قم المقدَّسة، مؤسَّسة النشر الإسلامیّ، لا ت، ج4، ص226.
[1] الخوئی، أبو القاسم: أجود التقریرات(تقریر بحث الشیخ النائینی)، صیدا، مطبعة العرفان، 1933م، ج2، ص358.
[1] الشهید الثانی، زین الدین بن علی: الروضة البهیَّة فی شرح اللمعة الدمشقیَّة، طبعة عبد الرحیم الحجریَّة، قم المقدَّسة، لا ن، 1308ه.ق، ج1، ص141.
[1] الخامنئی، الصابئة حکمهم الشرعیّ وحقیقتهم الدینیَّة، م.س، ص16.
[1] کتاب من لا یحضره الفقیه هو من تألیف محمَّد بن علیّ بن الحسین بن بابویه المعروف بــ (الشیخ الصدوق)، وکانت ولادته بدعاء الإمام صاحب العصر والزمان(عجَّل الله تعالى فرجه الشریف) سنة 306ه، والمتوفى سنة 381ه، والشیخ الصدوق من العلماء الأعلام الذین فاقوا کلَّ تجلیل وحازوا کلَّ تبجیل، فهو "وجه الطائفة بخراسان"(النجاشیّ، رجال النجاشیّ، م.س، رقم 1049، ص389)، "ولم یُرَ فی القمیِّین مثله فی حفظه وکثرة علمه" (الطوسیّ، محمَّد بن الحسن: فهرس کتب الشیعة وأصولهم، تحقیق: عبد العزیز الطباطبائیّ، ط1، قم المقدَّسة، مکتبة المحقِّق الطباطبائیّ، 1420هـ.ق، رقم 710، ص442.). مؤلَّفاته ناهزت الثلاثمِائة، ومشایخه کذلک، وکثرت أسفاره إلى الحواضر العلمیَّة فی طول الأرض وعرضها ومن شرقها إلى غربها، فمن قم إلى الری مرورًا بجرجان، ونیشابور، ومشهد الإمام الرضا(ع)، ومرو، وسمرقند، وبلخ من بلاد ما وراء النهر، وهمدان، وصولًا إلى بغداد، والکوفة ولیس آخرها مکة المکرمة، والمدینة المنورة، کلُّ ذلک سعیًا لطلب الحدیث، وبحثًا عن الرواة وحملة العلم والکتب والنسخ المعتبرة حتى جمع کنزًا لا یقدَّر، ودررًا لا تثمَّن من العلم وفنونه فی أبواب متنوعة، ومجالات متعدِّدة، فغدا بذلک أوحد زمانه، وفرید دهره، ودرة عصره.
وکتاب (من لا یحضره الفقیه)  للشیخ الصدوق، هو أحد إفاضاته، ولمعة من إشراقاته، ویتیمة مصنَّفاته، وثانی الکتب الأربعة بعد الکافی للشیخ الکلینیّ(رحمه الله)، وکان سبب تألیفه حسبما ذکر فی مقدّمته: "أمَّا بعد فإنَّه لمـَّا ساقنی القضاء إلى بلاد الغربة، وحصلنی القدر منها بأرض (بلخ) من قصبة (إیلاق) وردها الشریفُ الدّیّنُ أبو عبد الله المعروف بـ(نعمة) وهو محمَّد بن الحسن بن إسحاق... بن موسى بن جعفر بن محمَّد بن علی بن الحسین بن علی بن أبی طالب(علیهم السلام)، فدام بمجالسته سروری، وانشرح بمذاکرته صدری، وعظم بمودته تشرُّفی، لأخلاق قد جمعها إلى شرفه فی ستر وصلاح، وسکینة ووقار، ودیانة وعفاف، وتقوى وإخبات، فذاکرنی بکتاب صنفه محمَّد بن زکریا المتطبّب الرازی، وترجمه بکتاب (من لا یحضره الطبیب) وذکر أنه شافٍ فی معناه، وسألنی أن أصنّفَ له کتابًا فی الفقه والحلال والحرام، والشرائع والأحکام، موفیًا على جمیع ما صنَّفتُ فی معناه، وأُترجمه بکتاب (من لا یحضره الفقیه) لیکون إلیه مرجعه، وعلیه معتمده، وبه أخذه (....)"(الصدوق، أبو جعفر محمَّد بن علی بن بابویه: من لا یحضره الفقیه، تحقیق: علی أکبر الغفاری، ط2، قم المقدَّسة، مؤسَّسة النشر الإسلامیّ، 1404هـ.ق، ج1، ص2(.
[1] الصدوق، أبو جعفر محمَّد بن علی بن بابویه: من لا یحضره الفقیه، تحقیق: علی أکبر الغفاری، ط2، قم المقدَّسة، مؤسَّسة النشر الإسلامیّ، 1404هـ.ق، ج1، ص2
[1] المیرداماد الاسترابادی، محمَّد باقر الحسینیّ: الرواشح السماویَّة، ط1، قم المقدَّسة، دار الحدیث، 1422هـ.ق، ص255.
[1] الخامنئی، الهدنة، م.س، ص111.
[1] کتاب (نوادر الحکمة) تألیف أبی جعفر محمَّد بن أحمد بن یحیى بن عمران الأشعری القمِّیّ، من علماء القرن الثالث، وصفه الشیخ    النجاشی بقوله: "(....) کان ثقة فی الحدیث إلَّا أنَّ أصحابنا قالوا: کان یروی عن الضعفاء، ویعتمد المراسیل، ولا یبالی عمَّن أخذ، وما علیه فی نفسه مطعن فی شیء (....)" (النجاشی، رجال النجاشی، م.س، رقم939، ص348).ووصف کتابه -أیضًا- بقوله: "(....) ولمحمَّد بن أحمد بن یحیى کتب، منها کتاب (نوادر الحکمة) وهو کتاب حسن کبیر یعرِّفه القمِّیُّون بدبَّة شَبِیْبِ (....)" (م.ن).
[1] النجاشیّ، رجال النجاشیّ، م.س، رقم 939، ص348.
[1] انظر: الطوسیّ، محمَّد بن الحسن: الاستبصار فیما اختلف من الأخبار، تحقیق: حسن الموسویّ الخراسانیّ، ط4، طهران، دار الکتب الإسلامیَّة، 1363هـ.ش، ج1، ذیل رقم 846، ص237؛ ج3، ذیل رقم 568، ص156؛ ج3، ذیل رقم935، ص261.
[1] انظر: المامقانیّ، عبد الله: تنقیح المقال فی أحوال الرجال، الطبعة الحجریَّة، النجف الأشرف، المطبعة الرضویَّة، 1350هـ.ق، ج2، ترجمة صاحب النوادر، ص76.
[1] انظر: الخوئی، معجم رجال الحدیث، م.س، ج1، ص70.
[1] الخامنئی، القتل، م.س، الدرس167، الشروط المعتبرة فی القصاص، الشرط الثالث عشر، کون القاتل أبًا.
[1] الخامنئی، الهدنة، م.س، ص57.
[1] م.ن، ص69.
[1] الخامنئی، القتل، م.س، الدرس277، کتاب القصاص، الفصل الرابع فی کیفیَّة استیفاء القصاص.
[1] النجاشیّ، رجال النجاشیّ، م.س، رقم137، ص60.
[1] محمَّد بن الحسن الطوسیّ (ت: 460ه) هو شیخ الطائفة بلا منازع، وکان له دور کبیر على الساحة الإسلامیَّة بشکل عامّ، والشیعیَّة بشکل خاصّ. وإنجازاته العظیمة فی أهمِّ العلوم الإسلامیَّة لا تخفى على ذی لبّ. له مؤلّفات ثریَّة، ومصنَّفات غنیَّة سدّت فراغًا کبیرًا فی المکتبة الإسلامیَّة، ومن هذه المؤلّفات کتاب (الفهرس) الذی جمع فیه ما یناهز الألف من أسماء العلماء والفقهاء والرواة الذین لهم کتب وأصول ومصنَّفات، وهو أحد الکتب الأربعة فی علم الرجال والتی علیها المعوّل، وإلیها المرجع فی المدح والقدح والتعدیل، والجرح. وهذا الکتاب کتبه الشیخ الطوسیّ فی ظروف کانت الساحة العلمیَّة، الشیعیَّة خاصَّة، والمکیَّة الإسلامیَّة عامَّة، بحاجة ماسَّة إلى مثل هذا الکتاب، وهو -بحقّ- یعدُّ "أقدم کتاب مفصّلًا فی حقل اختصاصه، وصل إلى الأجیال المتأخِّرة وبقی إلى حدّ الآن" (الخامنئی، علیّ الحسینیّ: الأصول الأربعة فی علم الرجال، ترجمة: ماجد الغرباوی، ط1، بیروت، دار الثقلین، 1415هـ.ق/1994م، ص45-.46).
 وکان الشیخ قد کتب (الفهرس) قبل کتابه الرجال؛ وهذا واضح من خلال إرجاعاته فی کتاب الرجال إلى الفهرس.
وکان -أیضًا- قبل کتابة الشیخ النجاشیّ لکتابه؛ وهذا -أیضًا- واضح من خلال ذکر الشیخ النجاشیّ لکتاب الفهرس فی ترجمة الشیخ الطوسیّ(انظر: النجاشیّ، رجال النجاشیّ، م.س، رقم1068، ص403.)، وکذلک إشاراته المتعدِّدة إلى عبارات الشیخ الطوسیّ فی الفهرس، وهی لا تخفى على المتأمِّل.
[1] الطوسیّ، محمَّد بن الحسن: فهرس کتب الشیعة وأصولهم، تحقیق: عبد العزیز الطباطبائیّ، ط1، قم المقدَّسة، مکتبة المحقِّق الطباطبائیّ، 1420هـ.ق، ص3.
[1] الخامنئی، علی الحسینیّ: الأصول الأربعة فی علم الرجال، ترجمة: ماجد الغرباوی، ط1، بیروت، دار الثقلین، 1415هـ.ق/1994م، ص49.