الحکم الإسلامیّ والفقه الحکومیّ المعاصر -دراسة تحلیلیَّة للرؤیة التجدیدیَّة عند الإمام الخمینیّ(قده)-

نوع المستند: المقالة الأصلية

المؤلف

جامعة

المستخلص

تتناول هذه المقالة بحث مسألة مفادها: أنّ إقامة العدل وتأسیس النظام السیاسیّ للإسلام هل لهما نظام ومراتب متنازلة بحسب ظروف الضرورة والاضطرار، فیکتفى بالحکم الظاهریّ؛ بدلاً عن الحکم الواقعیّ، وبالفقیه العادل نیابةً عن الإمام المعصوم (ع)؛ على حسب نظام الأیسر فالأیسر، أم لیس لها إلاّ مرتبة واحدة فقط؛ وهی إقامة العدل المحض والحکم الإسلامیّ المطابق للواقع؛ ببرکة وجود النبیّ الأعظم (ص) والعترة الطاهرة (ع) من وُلدِه؟
فعلى الاحتمال الأوّل الذی ذهب إلیه مشهور الإمامیّة تُعدّ إقامة النظام السیاسیّ للإسلام غیر قابلة للتعطیل، بل لها مراتب متنازلة؛ حسب الظروف ومقتضیاتها. وأمّا الاحتمال الثانی؛ فیظهر بطلانه بعد إثبات الاحتمال الأوّل بالأدلّة القطعیّة.
ویُمکن القول إنّ أوّل من نظّر من فقهاء الإمامیّة لفکرة ضرورة الحکم الإسلامیّ بنحو جلیّ ومفصّل ووُفّق لتطبیق تنظیره؛ هو الإمام روح الله الموسویّ الخمینیّ (قده).
وقد اختلف الإمام الخمینی (قده) فی مسلکه فی تناول المسألة عن مسلک المشهور من فقهاء الإمامیّة فی مجموعة من الأمور؛ منها: محوریّة الولایة فی نظرة المشهور، ومحوریّة الدولة والسلطة السیاسیّة فی مسلک الإمام الخمینی (قده)، ودائرة ثبوت الولایة الحسبیّة عند المشهور، والمطلقة عند الإمام الخمینی (قده)، وغیرهما من الفوارق بین المسلکین...
وأقام الإمام الخمینی (قده) فی مقام تقریب الوجوه العقلیّة للمسألة مجموعة من الأدلّة التی استدلّ بها على ضرورة إقامة الحکم الإسلامیّ.
ثمّ تختم المقالة ببیان ملامح الدولة الإسلامیّة وخصائصها فی کلام الإمام الخمینی (قده) ورؤیته التجدیدیّة فی هذا الصدد.

نقاط رئيسية

أولاً: ضرورة إقامة الحکم الإسلامیّ

  1. المسلک الأوَّل: مسلک المشهور
  2. المسلک الثانی: مسلک الثانی: مسلک الإمام الخمینیّ(قده)

ثانیاً: الأدلَّة على ضرورة إقامة الحکم الإسلامیّ

  1. الوجه الأوَّل: التأمُّل فی التشریعات الإسلامیَّة
  2. الوجه الثانی: ضرورة حفظ النظام وحرمة الإخلال به
  3. الوجه الثالث: ضرورة حفظ ثغور المسلمین

ثالثًا: ملامح الدولة الإسلامیَّة وخصائصها فی کلام الإمام الخمینیّ(قده)

  1. نهج الحکومة الإسلامیَّة
  2. السلطة التشریعیَّة فی الحکومة الإسلامیَّة
  3. تنزُّه الحکومة الإسلامیَّة عن الترفّه والبطر
  4. الحکومة الإسلامیَّة وسیلة لا غایة
  5. الحکومة الإسلامیَّة ومطلب الحرِّیَّة والأمن
  6. الحکومة الإسلامیَّة وتحقیق المصالح العامَّة
  7. موقع الحکومة فی الإسلام وطبیعة التشریعات فیها
  8. موقع کلّ من الإسلام والحکومة الإسلامیَّة والأحکام الفقهیَّة الأخرى
  9. أصل الحکومة الإسلامیَّة ونسبته إلى الأحکام الأوَّلیَّة والأحکام الولائیَّة
  10. الحکومة الإسلامیَّة وضرورة تأسیس الفقه الحکومیّ المعاصر.

 

الكلمات الرئيسية


الحکم الإسلامیّ والفقه الحکومیّ المعاصر -دراسة تحلیلیّة للرؤیة التجدیدیّة عند الإمام الخمینی(قده)-

الشیخ مصطفى جعفری[1]

خلاصة المقالة:

تتناول هذه المقالة بحث مسألة مفادها: أنّ إقامة العدل وتأسیس النظام السیاسیّ للإسلام هل لهما نظام ومراتب متنازلة بحسب ظروف الضرورة والاضطرار، فیکتفى بالحکم الظاهریّ؛ بدلاً عن الحکم الواقعیّ، وبالفقیه العادل نیابةً عن الإمام المعصوم (ع)؛ على حسب نظام الأیسر فالأیسر، أم لیس لها إلاّ مرتبة واحدة فقط؛ وهی إقامة العدل المحض والحکم الإسلامیّ المطابق للواقع؛ ببرکة وجود النبیّ الأعظم (ص) والعترة الطاهرة (ع) من وُلدِه؟

فعلى الاحتمال الأوّل الذی ذهب إلیه مشهور الإمامیّة تُعدّ إقامة النظام السیاسیّ للإسلام غیر قابلة للتعطیل، بل لها مراتب متنازلة؛ حسب الظروف ومقتضیاتها. وأمّا الاحتمال الثانی؛ فیظهر بطلانه بعد إثبات الاحتمال الأوّل بالأدلّة القطعیّة.

ویُمکن القول إنّ أوّل من نظّر من فقهاء الإمامیّة لفکرة ضرورة الحکم الإسلامیّ بنحو جلیّ ومفصّل ووُفّق لتطبیق تنظیره؛ هو الإمام روح الله الموسویّ الخمینیّ (قده).

وقد اختلف الإمام الخمینی (قده) فی مسلکه فی تناول المسألة عن مسلک المشهور من فقهاء الإمامیّة فی مجموعة من الأمور؛ منها: محوریّة الولایة فی نظرة المشهور، ومحوریّة الدولة والسلطة السیاسیّة فی مسلک الإمام الخمینی (قده)، ودائرة ثبوت الولایة الحسبیّة عند المشهور، والمطلقة عند الإمام الخمینی (قده)، وغیرهما من الفوارق بین المسلکین...

وأقام الإمام الخمینی (قده) فی مقام تقریب الوجوه العقلیّة للمسألة مجموعة من الأدلّة التی استدلّ بها على ضرورة إقامة الحکم الإسلامیّ.

ثمّ تختم المقالة ببیان ملامح الدولة الإسلامیّة وخصائصها فی کلام الإمام الخمینی (قده) ورؤیته التجدیدیّة فی هذا الصدد.

 

کلمات مفتاحیّة:

الحکم الإسلامیّ، الفقه الحکومیّ، الفقه السیاسیّ، الفقه الفردیّ، الفقه الاجتماعیّ، ضرورة الحکم، مسلک المشهور، مسلک الإمام الخمینی (قده)، الدولة، الحکومة، التجدید، ...

مقدّمة:

بعد الإیمان بعدم إمکان انفکاک الإسلام عن السیاسة؛ حیث إنّ جلّ أحکامه لها ارتباط وصلة وثیقة بشأن المجتمع وإدارته، ثمّ بعد الإذعان بثبوت الولایة للنبی الأعظم (ص) والأئمّة الطاهرین (عله)  بتنصیب إلهیّ وتعیین شخصیّ، وأنّ إدارة المجتمع قد جُعِلَت لهم، وأنّهم ساسة العباد، ولهم ریاسة الدین والدنیا بالإذن الإلهیّ؛ بعد الإیمان بذلک کلّه، یقع البحث عن حکم إقامة الدولة وتأسیس النظام الإسلامیّ فی عصر الغیبة. فإذا لم یتصدَّ المعصوم (ع) لإقامة الحکم الإسلامیّ لضرورة غیبته، ولزوم کونه مستوراً عن الناس، فما هو حکم إقامة النظام الإسلامیّ فی تلک الظروف؟ وما هو حکم الشارع الحکیم بالنسبة إلى هذه المهمّة التی لا یُرَى أهمّ منها فی حیاة الإنسان الاجتماعیّة؟

فالمسألة هی فی التحقّق من أحد احتمالین؛ هما:

- الاحتمال الأوّل: أنّ الشارع الحکیم اکتفى بجعله الإمامة والولایة للأئمّة المعصومین (عله) فقط؛ فمن جهةٍ کلّفهم بإقامة الحکم مع توافر الظروف ووجود المقتضی وعدم المانع، ومن جهة أخرى کلّف الناس بنصرتهم وإطاعتهم وبیعتهم وإعلان التبعیّة لهم، ولکنْ اکتفى بهذا المقدار ولیس له حکم آخر، ولا تشریع بدیل لصورة عدم تحقّق الظروف، وعدم توافر الشروط اللازمة لإقامة العدل الإسلامیّ؛ فکأنّه رفع قلم التکلیف عن ذمّة الناس، ولم یطالبهم بإقامة السیاسة الإسلامیّة!

- الاحتمال الثانی: أنّ الشارع الحکیم جعل على عاتق الأمّة -ولو بالعنوان الثانویّ- وظیفةً أخرى فی فرض الاضطرار وظرف الضرورة، وفی حال عدم إمکان تحقّق الإمامة بالأصالة والعدل المحض، فثمّة جعلٌ لطریقٍ آخرٍ للوصول إلى الحکم الإسلامیّ، وتحقّق الولایة الشرعیّة؛ وهی الإمامة بالنیابة.

ودراسة هذین الاحتمالین من منظار السیّد الإمام الخمینی (قده) هی محلّ البحث فی هذه المقالة.

 

أولاً: ضرورة إقامة الحکم الإسلامیّ:

بناءً على ما یظهر من تراث فقهاء الإمامیّة وسیرتهم وتاریخ حیاتهم؛ فإنّ أوّل من تعرّض لإثبات وجوب إقامة الدولة الإسلامیّة فی عصر الغیبة بشکل صریح وواضح واستدلّ علیه، هو السیّد الإمام روح الله الموسویّ الخمینی (قده). وبحسب الإقدام والتوفیق؛ فأوّل فقیه وفّق لأداء هذه الفریضة واجتهد لتحقیق حُلُم الأنبیاء (عله) -حسب التعبیر المنقول عن الشهید السیّد محمد باقر الصدر (قده) فی یوم انتصار الثورة الإسلامیّة (22/11/1357هـ­.ش)- وأسّس الحکم السیاسیّ المبتنی على الشریعة الإسلامیّة ومدرسة أهل البیت (عله)؛ هو الإمام الخمینیّ نفسه (قده).

وللبحث عن ضرورة إقامة النظام السیاسیّ للإسلام فی زمن الغیبة؛ ثمّة منهجان وطریقان أساسیّان لدراسة الموضوع؛ هما: مسلک المشهور، ومسلک الإمام الخمینی (قده).

1. المسلک الأوّل: مسلک المشهور:

بعد إثبات الإمامة والولایة للنبی الأعظم (ص)، وبعد إثباتها للأئمّة الطاهرین (عله) فی علم الکلام، وبعد الإیمان بهذا الإثبات وجعله مبدأً للبحث فی علم الفقه، فما سلکه مشهور فقهاء الإمامیّة -بالنسبة إلى عصر الغیبة- هو القول بثبوت الولایة للفقیه الجامع للشرائط؛ نیابةً عن الأئمّة الطاهرین (عله)،  فبحسب هذا المنهج یحقّ للفقیه بالولایة الإلهیّة إقامة الدولة الإسلامیّة، وتأسیس النظام السیاسیّ للإسلام فی عصر الغیبة؛ فکأنّهم لإثبات ضرورة الدولة ومراتب الولایة سلکوا قوس النزول؛ حسب الترتیب من الأعلى إلى الأدنى.

2. المسلک الثانی: مسلک الإمام الخمینیّ (قده):

یدخل الإمام الخمینی (قده) فی صلب المسألة من وجهة إقامة الدولة، ثمّ لإثبات ضرورة الدولة الإسلامیّة یسلک قوس الصعود؛ فیثبت فی المرحلة الأولى ضرورة إقامة الدولة الإسلامیّة، ووجوب الاهتمام بشأنها فی جمیع الأعصار؛ حیث إنّ النبیّ الأعظم (ص) قام بتأسیس الدولة فی المدینة المنوّرة، وکذلک أسّس أمیر المؤمنین (ع) الحکم بعد تمکّنه من ذلک وبیعة الناس له. ثمّ یثبت الإمام (قده) ضرورة هذا الأمر فی عصر غیبة الإمام المعصوم (ع)، ویذهب إلى أنّه تکلیف لا بدّ منه على الأمّة الإسلامیّة.

ثمّ فی المرحلة الثانیة یدرس شرائط الحاکم الذی بیده ولایة أمر الأمّة فی غیاب الإمام المعصوم (ع)، وفی ما بیّن من الشروط یتکلّم عن الفقاهة والعدالة والکفاءة، وفی الأخیر یستنتج شرطیّة الفقاهة فی الحاکم، ویثبت الولایة للفقیه العادل، ویثبت أنّه منصوب لزعامة الأمّة وإقامة الحکم فی عصر الغیبة.

فهذا هو المسلک الذی سلکه الإمام الخمینی (قده)­ فی البحث عن الحکومة الإسلامیّة وولایة الفقیه؛ خلافاً لما سلکه معظم فقهاء الإمامیّة.

ویکمن الفارق بین المسلکین فی أمور عدّة؛ هی:

- مسلک المشهور یهتمّ بمسألة الولایة، ثمّ فی أثناء البحث یدخل فی مسألة الدولة، فبناءً على هذا المسلک ثبوت الولایة للفقیه لا یختصّ بصورة التمکّن لإقامة الحکومة الإسلامیّة، بل الولایة ثابتة للفقیه مطلقاً، فسواءً أکانت یده مبسوطةً لإقامة النظام السیاسیّ أم کانت مقبوضةً؛ فقد جُعلت للفقیه الولایة؛ وبحکم ولایته یتصدّى للأمور الحسبیّة، ویتصرّف فی أموال الإمام المعصوم (ع)، ویقیم الحدود، ویقضی بین المتنازعین؛ إلى غیر ذلک من الأمور المرتبطة بشؤون الإمام المعصوم (ع) بالأصالة وبالذات، وإنْ لم یتمکّن من تأسیس السیاسة الإسلامیّة.

أمّا الإمام الخمینی (قده) فی مسلکه؛ فهو یهتمّ بمسألة الدولة والسلطة السیاسیّة، ثمّ أثناء البحث یأتی الکلام عن شروط الحاکم ولزوم فقاهته. فبناءً على المسلک الثانی، تختصّ المسألة بصورة تمکّن الفقیه من إقامة النظام الإسلامیّ فی ناحیة من النواحی وفی عصر من الأعصار، فلا یهتمّ هذا المسلک بصورة قبض ید الفقیه.

- بناءً على المسلک الأوّل، ثمّة بعض الأقوال التی قد یلتزم أصحابها بثبوت الولایة للفقیه فی دائرة الأمور الحسبیّة فقط، ولا یوسّعون الأمور الحسبیّة إلى حدّ أن تشمل إقامة الدولة الإسلامیّة. أمّا بناءً على المسلک الثانی؛ فإنّ ضرورة الحکومة الإسلامیّة تقتضی الحکم بالولایة المطلقة والعامّة للفقیه فی شعاع أوسع من الأمور الحسبیّة المشهورة؛ إلاّ أن تعرَّف الأمور الحسبیّة بحیث تشمل الدولة ونظام الحکم، کما ذهب إلیه بعض الفقهاء؛ لیتمکّن بها من تأسیس النظام الإسلامیّ.

- بناءً على المسلک الأوّل، فالولایة الثابتة للفقیه، حکم شرعیّ مجعول من قِبَل الشارع؛ وهذه الولایة المجعولة الاعتباریّة تقع موضوعاً لأحکام شرعیّة مختلفة؛ کجواز تصرّفه فی الأموال والأنفس، ونفوذ حکمه وقضائه، إلى غیر ذلک. أمّا بناء على المسلک الثانی؛ فإنّ الدولة والنظام السیاسیّ من المواضیع العرفیّة التی حکم الشارع بضرورة إیجادها؛ کسائر التکالیف الواجبة التی یجب القیام بها. نعم، بعد التمکّن من الإقامة یجب القیام بها على أساس الشریعة الإسلامیّة؛ من الحکم بالعدل، وتنفیذ الأحکام الإلهیّة، وإجراء الحدود، وغیرها.

- بناءً على المسلک الأوّل لا تکون ثمّة ملازمة قطعیّة -حسب الرأی والنظر- بین ثبوت الولایة للفقیه وضرورة إقامة الدولة الإسلامیّة، فلأحدٍ أن یلتزم بولایة الفقیه؛ ومع ذلک لا یرى ضرورة الدولة الإسلامیّة فی عصر الغیبة. فالإسلامیّة والفقاهة -بوصفهما شرطین للحاکم- کلاهما بحاجة إلى البرهان وإقامة الدلیل.

وهکذا بناءً على المسلک الثانی -أیضاً- حسب الرأی والنظر؛ لا ملازمة بین القول بضرورة إقامة الدولة الإسلامیّة، والقول بثبوت الولایة للفقیه، فلأحدٍ الالتزام بالأوّل دون الثانی، فکما إنّ الأوّل -أی ضرورة إقامة الحکم- بحاجة إلى الاستدلال وإقامة الأدلّة، فکذلک الثانی -أی ثبوت الولایة للفقیه واشتراط الفقاهة للحاکم- محتاج إلى البحث ودراسة الأدلّة. نعم، الحقّ والصواب -کما سیأتی تفصیله- هو القول بضرورة الدولة الإسلامیّة؛ کما إنّ الأدلّة تقضی بثبوت الولایة المطلقة للفقیه، وأنّ الفقاهة شرط لشرعیّة السلطة السیاسیّة فی عصر الغیبة.

- المسلک الأوّل فی بدایة مسیرته منهج کلامیّ، وإنِ انتهى أخیراً إلى منهج فقهیّ؛ بخلاف المسلک الثانی؛ حیث إنّه فی البدایة یسلک سلوکاً فقهیّاً، ولکن فی النهایة یستمدّ من الأصول والقواعد الکلامیّة؛ لتعیین شروط الحاکم، ولإثبات شرعیّة تصرّفاته.

ومن هنا، یظهر ما هو الجدید فی مدرسة الإمام الخمینیّ (قده) الّذی یعدّ من إبداعاته الفقهیّة، حیث إنّه یصرف الکلام مباشرةً إلى ضرورة إقامة الدولة الإسلامیّة؛ بوصفها مسألة فقهیّة واضحة، لا یحتاج إثباتها إلى مقدّمات کثیرة، وإقامة الأدلّة الکثیرة وتعدّد الرّد والجواب؛ بل المسألة من الأمور الضروریّة والبدیهیّة التی تصوّرها کافٍ لتصدیقها. وهذه الفکرة لها تأثیر معمّق فی الرّؤیة الفقهیّة واستنباط الحکم الشرعیّ بشکل عامّ، کما سنشیر إلیه.

 

ثانیاً: الأدلّة على ضرورة إقامة الحکم الإسلامیّ:

یقول الإمام الخمینی (قده) فی مقام تقریب الوجوه العقلیّة للمسألة: "إنّ الأحکام الإلهیّة -سواء الأحکام المرتبطة بالمالیّات أو بالسیاسات أو بالحقوق- لم تُنسخ؛ بل تبقى إلى یوم القیامة، ونفس بقاء تلک الأحکام یقضی بضرورة الحکومة، والولایة تضمن حفظ سیادة القانون الإلهیّ، وتتکفّل إجراءه، ولا یمکن إجراء أحکام الله إلاّ بها؛ لئلاّ یلزم الهرج والمرج، مع أنّ حفظ النظام من الواجبات الأکیدة، واختلال أمور المسلمین من الأمور المبغوضة، ولا یقوم الأوّل ولا یُدفع الثانی إلاّ بوالٍ وحکومة، مضافاً إلى أنّ حفظ ثغور المسلمین وبلادهم عن اعتداءات المعتدین واجب عقلاً وشرعاً، ولا یمکن ذلک إلاّ بتشکیل حکومة؛ وکلُّ ذلک من أوضح ما یحتاج إلیه المسلمون، ولا یُعقل ترک ذلک من الحکیم الصانع، فما هو دلیل الإمامة بعینه دلیلٌ على لزوم الحکومة بعد غیبة ولی الأمر (عج)، ولاسیّما مع هذه السنین المتمادیة التی لعلّـها قد تطول إلى آلاف السنین، والعلم عنده تعالى"[2].

وفی آخر کلامه (قده) یؤکّد على أنّ "لزوم الحکومة -لبسط العدالة والتعلیم والتربیة، وحفظ النظم، ورفع الظلم، وسـدّ الثـغـور، والمنع عن تجـاوز الأجانب- من أوضح أحکام العقول؛ من غیر فرق بین عصر وعصر، أو مصر ومصر"[3].

إنّ الإمام (قده) فی هذه الکلمة المذکورة قد تعرّض إلى الوجوه العقلیّة الثلاثة الدّالّة على ضرورة إقامة الحکم والدولة الإسلامیّة فی عصر الغیبة؛ وهذه الکلمة -لإیجازها واختصارها- بحاجة إلى بسط وتفسیر؛ لنصل إلى مغزاها.

1. الوجه الأوّل: التأمّل فی التشریعات الإسلامیّة:

هذا الوجه مذکور فی صدر کلام السیّد الإمام (قده)؛ وهو -حسب التحلیل- متشکّل من عدّة مقدّمات:

- المقدّمة الأولى: بقاء الأحکام واستمرار التشریعات الإسلامیّة:

إنّ الأحکام الإلهیّة والتشریعات الإسلامیّة فی شتّى المجالات -من الأمور المرتبطة بالأموال والسیاسة والأُسرة، إلى القضاء والحدود والجهاد؛ من بدایة الأبواب الفقهیّة إلى نهایتها- غیر منسوخة؛ بل کلّها حیّة باقیة، وهی حجّة معتبرة إلى یوم القیامة؛ یحتجّ بها الله تبارک وتعالى على عباده، ولا یسع لأحد أن یدّعی نسخها فی عصر الغیبة أو القول بأنّها کانت أحکاماً مؤقّتة مرهونة بأوقاتها؛ فإنّ هذه الدعاوى خلاف الضرورة؛ ممّا عُلِمَ من خطابات هذه الأحکام وأدلّتها الموجودة فی الکتاب والسنّة الموجِهّة خطاباتها إلى کافّة المسلمین فی جمیع الأزمنة والأمکنة؛ والشاهد على ذلک أنّ فی تراثنا الفقهیّ من عصر الأئمّة (عله) إلى یومنا هذا، وفی سیرة الفقهاء وعلماء المذاهب الإسلامیّة بحث عن هذه التشریعات، وما تفوّه أحد منهم بنسخها وعدم بقائها، وما توهّم أحد أنّها کانت مؤقّتة؛ بل الاتّفاق والضرورة حاکمان بأنّ حلال محمد حلال إلى یوم القیامة، وحرامه حرامٌ إلى یوم القیامة؛ فإنّ النّبی (ص) خاتم الأنبیاء (عله)، وشریعته خالدة، وما دام لم یثبت بالحجّة والبیّنة القطعیّة نسخ حکم أو توقیتیّته؛ یُحکم بعمومه الزمانیّ.

- الثانیة: لزوم تنفیذ الأحکام والتشریعات الإسلامیّة:

لا شکّ فی أنّ الغرض من التشریعات الإسلامیّة لیس إلاّ تنفیذها وإجراءها؛ لأنّ من غیر المعقول من الباری الحکیم أن یشرّع الأحکام، ویقنّن القوانین المختلفة، وأن لا یرید تنفیذها وإجراءها! فالتشریع بنفسه لا أصالة له، بل یعتبر مقدّمة وتمهیداً للتنفیذ حتى تتحقّق الأغراض والأهداف والغایات المتوقّع منها؛ من إقامة العدل والقسط، ورفع الظلم والإجحاف، وبسط المعروف وسدّ المنکر والفحشاء والفساد.

- الثالثة: لزوم السلطة السیاسیّة لتنفیذ الأحکام:

إنّ التشریعات الإسلامیّة، وإنْ سلّمنا بإمکان تنفیذ بعضها القلیل وامتثاله، بلا حاجة إلى الأنظمة والمؤسّسات والسلطات؛ کالتکلیف الموجّه إلى شخص الإنسان بالصلاة والصوم، إلا أنّ أکثر التشریعات الإسلامیّة -بل جلّ الأحکام الشرعیّة- یستحیل تنفیذها وتحقیقها وامتثالها فی الخارج وفی وسط المجتمع إلاّ بالاستعانة بالأنظمة السیاسیّة والدولة والحکومة؛ کالجهاد، وإجراء الحدود والتعزیرات، والأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، والقضاء بین المتخاصمین، ورفع الظلم والفساد، وإحقاق الحقوق المالیّة وغیرها من الحقوق، وصیانة المجتمع عن الفحشاء، وإقامة الصلاة، وغیرها من الأحکام الاجتماعیّة والسیاسیّة المرتبطة بإدارة المجتمع. هذه الأحکام والقوانین لا یمکن إجراؤها وتنفیذها إلاّ تحت لواء نظام سیاسیّ صالح عادل یستطیع أن یحقّقها؛ حسب ما هو المطلوب شرعاً وعقلاً والمقررّ فیهما.

وبالنتیجة: یجب إقامة الدولة الإسلامیّة؛ مقدّمة لتنفیذ الأحکام الإلهیّة والتشریعات الإسلامیّة المحتاجة إلى السلطة والقوّة، وتمهیداً لتحقّق الحکمة المکنونة فی هذه التشریعات التابعة للمصالح والمفاسد الواقعیّة فیها، وإطاعةً للأوامر والإرادات، واحترازاً عن النواهی والمکروهات الربوبیة.

 2. الوجه الثانی: ضرورة حفظ النظام وحرمة الإخلال به:

یشیر السیّد الإمام (قده) -أثناء کلامه- إلى الوجه الثانی؛ وهذا الوجه -أیضاً- متشکّل من مقدّمات؛ وهی:

- الأولى: إنّ حفظ نظام المجتمع الإسلامیّ من الواجبات الأکیدة فی التشریع الإسلامیّ، کما إنّ الإخلال بأمور المسلمین، وما یستلزمه من الهرج والمرج من المحرّمات المبغوضة التی لا یرضى الشارع الحکیم بتحقّقها فی المجتمع.

وعلى هذا، لیس المراد من النظام الواجب حفظه فی هذا الدلیل النظام السیاسیّ،؛ بل المراد منه ما یقابل الهرج والمرج؛ أی ما یوجب اختلال النظام الاجتماعیّ فی المجتمع.

- الثانیة: لا یقوم حفظ النظام، ولا یسدّ عن الاختلال، إلا بحکومة عادلة.

وبالنتیجة: یجب إقامة الدولة؛ لحفظ نظام المجتمع الإسلامیّ، والمنع عن اختلال أمور المسلمین.

هذا الدلیل قد یُستشکل علیه، ویُقال إنّه أعمّ من المدّعى؛ إذ إنّ حفظ نظام المسلمین والمنع عن اختلال أمورهم أمرٌ ضروریٌّ لا یتحقّق إلا بوجود دولة وسلطة سیاسیّة، لکنّ تلک الدولة أعمّ من أن تکون إسلامیّة أو غیر إسلامیّة؛ فإنّ الدولة القویّة القادرة على الأخذ بزمام الأمور تستطیع أن تقوم بحفظ النظام، والمنع عن اختلال الأمور، ولو لم تکن دولةً إسلامیة؛ فالمستنتج من هذا الدلیل هو ضرورة إقامة الدولة؛ ولو لم تکن إسلامیّة، مع أنّ المدّعى ضرورة الدولة الإسلامیّة!

ولکنْ بإمکاننا الجواب عن هذا الإشکال؛ بأن لیس المطلوب فی الإسلام حفظ نظام المجتمع الإسلامیّ وسدّ اختلال الأمور وفقاً لأیّ قاعدة عرفیّة أو قانون وضعیّ، أو بتبع أیّ إرادة سیاسیّة منبعثة عن أیّ حاکم ووالٍ برٍّ أو فاسقٍ؛ بل المطلوب من الشارع الحکیم أن یکون حفظ النظام تحت ظلال التشریع الإسلامیّ، مراعیاً لحدودها وشروطها، وموافقاً للحکمة والعدل والإنصاف، ومطابقاً للقیم ومکارم الأخلاق؛ وفقاً لسیرة الأنبیاء (عله) وآداب الأولیاء (عله).

ولا شکّ فی أنّ تحقّق هذا النظام الاجتماعیّ غیر متیسّر إلا تحت ظلال الدولة الإسلامیّة الکریمة، التی تتخلّق بأخلاق الأنبیاء (عله) وتتربّى بتربیة الأولیاء (عله).

فالعقل یحکم بضرورة النظم والوقوف أمام الاختلال، ولکنّه یحکم -أیضاً- بأنّ هذا یجب أنْ یکون موافقاً للربوبیّة التشریعیة الإلهیّة، ومطابقاً للحدود التشریعة الإسلامیّة؛ فالعقل لا یرضى باستقرار النظام والقضاء على الاختلال والهرج والمرج بالاستعانة بطرق غیر مشروعة أو بالاعتماد على الوسائل المحرّمة؛ کالظلم والتعدّی والإجحاف. کما إنّ الدولة التی تأخذ بزمام الحکم وولایة الأمر بهدف تحقیق استقرار النظام، إذا کانت تسلک طرقاً غیر مشروعة؛ فهذه الدولة لا شرعیّة لها ولا یجوز الإصغاء إلیها وتولّیها والالتزام بأوامرها ونواهیها؛ لأنّها تعدّ من ولایة الشیطان والطاغوت التی یجب الکفر بها، والوقوف أمامها؛ بحکم العقل والشرع.

فمراد السیّد الإمام (قده) من دلیل حفظ النظام لإثبات ضرورة الدولة، لیس النظام بما هو هو؛ بل النظام الملتزم بالمقرّرات والقوانین الشرعیّة المأخوذة ولایتها من مبدأ الولایات الإلهیّة.

3. الوجه الثالث: ضرورة حفظ ثغور المسلمین:

هذا الوجه -أیضاً- مرکّب من مقدّمتین؛ هما:

- الأولى: حفظ ثغور المسلمین عن اعتداء المعتدین وهجوم الأعداء؛ هو واجب عقلاً وشرعاً.

- الثانیة: لا یمکن حفظ الثغور إلا بتأسیس الدولة.

وبالنتیجة: یجب تأسیس الدولة؛ تمهیداً لحفظ ثغور بلاد المسلمین من غلبة الأعداء على نوامیسهم.

قد یبدو من ظاهر هذا الدلیل -أیضاً- أنّه أعمّ من المدّعى؛ لأن لیس المستنتج منه إلاّ ضرورة إقامة نظام سیاسیّ ذو شوکة یستطیع الأخذ بزمام الأمور وحفظ ثغور المسلمین وحدود البلاد، ولا یستفاد منه ضرورة الدولة الإسلامیّة.

ولکنْ، کما مرّ فی الجواب عن الإشکال الوارد على الدلیل الثانی: أولاً؛ إنّ العقل یحکم بحفظ ثغور المسلمین، ولکنْ عن طریق مشروع، ووفقاً للتشریعات الإلهیّة، فالدولة المباشرة لحفظ الثغور یجب أن تحفظ الحدود والثغور بالتمسّک بالشریعة الإسلامیّة، ویجب أن تکون متّصفةً بصفة الإسلامیّة. وثانیاً؛ الدولة التی تأخذ بزمام الحکم وتمارس حفظ الثغور یجب أن تکون تصرّفاتها وولایتها مأذونة من قِبَل صاحب الولایات، کما ذکرنا سابقاً؛ حیث إنّ الولایة منحصرة فی الله تبارک وتعالى، وملاک شرعیّة الدولة موقوف على إذنه تبارک وتعالى؛ وإلاّ تکون طاغوتیّة یجب الکفر بها، ولا تجوز الطاعة والبیعة لها.

وهذا تمام الکلام حول الوجوه الثلاثة المذکورة فی کلام السیّد الإمام الخمینی (قده)؛ لإثبات ضرورة تشکیل الدولة، وتأسیس الحکم الإسلامیّ؛ مع تحلیل وتقریب له.

وأخیراً، یجب أن نلفت النظر إلى أنّ مغزى هذه الأدلّة، والحدّ الأوسط لهذه البراهین -حسب مصطلح أهل المنطق- هو التمسّک بالحکمة الإلهیّة؛ فإنّ الحکمة واللطف الإلهیّ کما یحکمان بضرورة إمامة المعصوم (ع) والنصّ علیه ونصبه؛ کذلک یحکمان فی عصر الغیبة -فی صورة عدم بسط ید المعصوم (ع)- بضرورة إقامة الدولة الإسلامیّة.

ثمّ إنّ السیّد الإمام (قده) بعد بیان هذه الوجوه العقلیّة، یصرّح بأنّ ما ذکره من واضحات العقل؛ إذ إنّ لزوم الحکومة -لبسط العدالة، والتعلیم والتربیة، وحفظ النظام، وسدّ الثغور، والمنع عن تجاوز الأجانب- هو من أوضح أحکام العقول. ومضافاً إلى ذلک فقد دلّ علیه الدلیل الشرعیّ أیضاً.

ثمّ بعد هذه العبارة یدخل فی بیان الأدلّة النقلیّة التی لا مجال لنقلها وبسطها فی هذه المقالة[4].

هذه الوجوه العقلیّة المذکورة فی کلام السیّد الإمام (قده) غیر متکفّلة لبیان شروط الحاکم ولا تتعرّض لمواصفات الولیّ الذی یأخذ بولایة الأمر، ولا تشیر إلى أنّ وجوب أن یکون الحاکم فقیهاً عادلاً أم لا؛ بل تثبت أصل ضرورة إقامة الدولة الإسلامیّة، من دون نظر إلى سائر الأمور والشروط. نعم، فی قسم آخر من بحثه یدخل فی البحث عن الشروط، وأنّه لا بدّ فی الولیّ من صفات ثلاث؛ هی: العلم بالقانون، والعـدالة، والکفاءة للإدارة.

 

ثالثاً: ملامح الدولة الإسلامیّة وخصائصها فی کلام الإمام الخمینی (قده):

من خلال هذه البحوث الفقهیّة، یشیر السیّد الإمام (قده) -المبدع لإثبات ضرورة الحکم الإسلامیّ أوّلاً؛ والبانی لإقامة النظام السیاسیّ الإسلامیّ فی عصر الغیبة ثانیـاً- إلى حقیقة الحکومة الإسلامیّة وأماراتها وملامحها المختلفة وخصائصها؛ وهی:

1. نهج ­الحکومة الإسلامیّة:

لقد قام الإسلام لتأسیس حکومة عادلة فیها قوانین مرتبطة بالمالیّات وبیت ­المال وقوانین مرتبطة بالجزائیّات؛ قصاصاً وحدّاً ودیة، وفیها قوانین مرتبطة بالقضاء والحقوق على نهج عادل وسهل، فقد دعا الإسلام إلى تأسیس حکومة، لا على نهج الاستبداد المحکَّم فیه رأی الفرد ومیوله النفسانیّة على المجتمع، ولا على نهج المشروطة أو الجمهوریّة المؤسَّسة على القوانین البشریّة التی تفرض تحکیم آراء جماعة من البشر على المجتمع؛ بل دعا إلى حکومةٍ تستوحی وتستمدّ فی جمیع مجالاتها من القانون الإلهیّ؛ حتّى الإطاعة لولاة الأمر. نعم، للولیّ أن یعمل فی الموضوعات على طِبق صلاح المسلمین، أو لأهل حوزته، دون أن یکون ذلک استبداداً بالرأی؛ بل مطابقاً للصلاح؛ فرأیه -کعمله- تبعٌ للصلاح[5].

2. السلطة التشریعیّة فی الحکومة الإسلامیّة:

لا تشبه الحکومة الإسلامیّة الأشکال الحکومیّة المعروفة، فلیست حکومة مطلقة یستبدّ فیها رئیس الدولة برأیه عابثاً بأموال الناس ورقابهم؛ وإنّما هی دستوریّة، ولکنْ لا بالمعنى الدستوریّ المتعارف الذی یتمثّل فی النظام البرلمانیّ أو المجالس الشعبیّة؛ بل هی دستوریّة مشروطة؛ بمعنى أنّ القائمین بالأمر یتقیّدون بمجموعة من الشروط والقواعد المبیّنة فی القرآن والسنّة. ویکمن الفرق بین الحکومة الإسلامیّة والحکومات الدستوریّة -الملکیّة منها والجمهوریّة- فی أنّ ممثّلی الشعب أو ممثّلی الملک هم الذین یقنّنون ویشرّعون، فی حین تنحصر سلطة التشریع فی الحکومة الإسلامیة بالله عزّ وجلّ. ولیس لأحد -أیّاً کان- أن یشرّع، ولیس لأحد أن یحکم بما لم ینزّل الله به من سلطان. ولهذا السبب، فقد استبدل الإسلام المجلس التشریعیّ -الذی هو واحدٌ من ثلاث سلطات توجد فی الدول الحدیثة- بمجلسٍ آخر للتخطیط، یعمل على تنظیم سیر الوزارات فی أعمالها، وفی تقدیم خدماتها فی جمیع المجالات[6].

3. تنزّه الحکومة الإسلامیّة عن الترفّه والبطر:

حکومة الإسلام حکومة القانون، والحاکم هو الله وحده، وهو المشرّع وحده، لا سواه، وحکم الله نافذ فی جمیع الناس وفی الدولة نفسها. والحکومة الإسلامیّة لیست ملکیّة ولا شاهنشاهیّة ولا إمبراطوریّة؛ لأنّ الإسلام منزّه عن التفریط والاستهانة بأرواح الناس وأموالهم بغیر حقّ. ولذلک، لا یوجد فی حکومة الإسلام ما هو موجودٌ عند کثیرٍ من السلاطین والأباطرة؛ من قصور فخمة، وخدم، وحشم، وبلاط ملکیّ، ودیوان لولیّ العهد، وأمثال ذلک!

لقد کانت حیاة الرسول الأعظم (ص) فی منتهى البساطة؛ على الرغم من أنّه کان یرأس الدولة ویحکمها بنفسه. لقد کانت حکومة علی بن أبی طالب ­(ع) حکومة إصلاح؛ وکان یعیش ببساطة تامّة[7].

4. وسیلیّة الحکومة الإسلامیّة:

إنّ القیام بشؤون الدولة لا یُکسب القائمین بالأمر مزید شأن ورفعة؛ لأنّ الحکومة وسیلة لتنفیذ الأحکام وإقرار النظام الإسلامیّ العادل. وتتجرّد الحکومة عن أیّ قیمة إذا اعتبرت هدفاً مقصوداً یُطلب لذاته. قال الإمام علی (ع) -وکان بیده نعل یخصفها- لابن عباس: «ما قیمة هذه النعل؟ قال ابن عباس: لا قیمة لها. قال الإمام (ع): والله، لهی أحبّ إلى من إمرتکم؛ إلاّ أن أقیم حقّاً أو أدفع باطلاً»[8].

فالحکم لیس غایة فی نفسه؛ وإنّما هو وسیلة، تکون لها قیمتها ما دامت غایتها نبیلة. فإذا طلب باعتباره غایة، واتّخذت لنیله جمیع الوسائل؛ فقد تدنّى إلى درک الجریمة، وأصبح طلابه فی عداد المجرمین.

واستدلالاً على هذه الحقیقة، نذکر ما قاله الإمام علی (ع) فی خطبة له فی مسجد الرسول (ص)، بعد بیعة الناس له: "اللهم إنّک تعلم أنّه لم یکن الذی کان منّا منافسة فی سلطان، ولا التماس شیء من فضول الحطام، ولکنْ لنردّ المعالم من دینک، ونظهر الإصلاح فی بلادک؛ فیأمن المظلومون من عبادک، وتقام المعطّلة من حدودک"[9].

5. الحکومة الإسلامیّة ومطلب الحرّیّة والأمن:

بما أنّ حکومة الإسلام هی حکومة القانون؛ فالحاکم الأعلى فی الحقیقة هو القانون، والجمیع یستظلّون بظلّه، والناس أحرار فی تصرّفاتهم المشروعة، فلیس لأحد على غیره أیّ حقّ، ولیس لأحد -بعد تنفیذ القانون- أن یَقسُر أحداً على الجلوس فی مکان معیّن، أو الذهاب إلى مکان معیّن بغیر حقّ. فحکومة الإسلام تُطمئن الناس وتؤمّنهم، ولا تسلبهم أمنهم واطمئنانهم. فالجمیع آمن فی نفسه وماله وأهله وما یملک؛ لأنّ الحاکم لا یحقّ له أنْ یخطو فی الناس بما یتنافى مع ما قُرّر فی الشرع الإسلامیّ الحنیف، فالإسلام یعتبر القانون آلة ووسیلة لتحقیق العدالة فی المجتمع، وسبیلاً إلى تهذیب الإنسان؛ خلقیّاً وعقدیّاً وعملیّاً[10].

6. الحکومة الإسلامیّة وتحقیق المصالح العامّة:

لا بدّ للحاکم الأعلى من أن یکون نظره فی المصالح العامّة، وأن لا یعبأ بالعواطف، ولا تأخذه فی الله لومة لائم. ولذا، نرى أنّ کثیراً من المصالح الخاصّة قد قضی علیها؛ رعایةً للمصالح العامّة. وقد أتى الرسول الأعظم (ص) على یهود بنی ­قریظة عن آخرهم؛ لما لمسه منهم من الإضرار بالمجتمع الإسلامیّ وبحکومته وبجمیع الناس، فجرأة الحاکم على تنفیذ أمر الله وإقامة حدوده من غیر خضوع لعاطفة، أو انسیاق لهوى، وکذلک عطفه ورأفته وحنانه وشفقته على الناس؛ هاتان الصفتان تجعلان من الحاکم کهفاً یلجأ الناس إلیه[11].

7. موقع الحکومة فی الإسلام وطبیعة التشریعات فیها:

یقول الإمام الخمینی (قده): "الإسلام هو الحکومة بشؤونها. والأحکام قوانین الإسلام؛ وهی شأن من شؤونها، فالأحکام مطلوبة بالعرض، وهی أمور آلیّة لإجرائها وبسط العدالة"[12].

فی هذه العبارة یبیّن السیّد الإمام (قده) موقع الحکومة الإسلامیّة فی الإسلام، وطبیعة التشریعات الإسلامیّة فیها، حیث إنّ الإسلام -بحسب رؤیته- حکومة بجمیع شؤونها، والحاکم الإسلامیّ وولی الأمر فی الإسلام یکون حصناً للإسلام، أمیناً وحافظاً لجمیع شؤونها؛ من بسط العدالة، وإجراء الحدود، وسدّ الثغور، وأخذ الخراجات وصرفها فی مصالح المسلمین، ونصب الولاة فی الأصقاع. أمّا الأحکام الفرعیّة والتشریعات الإسلامیّة؛ فهی وسائل ووسائط آلیّة فی الحکومة الإسلامیّة للوصول إلى غایتها؛ وهی بسط العدالة، فالتشریعات مندکّة فی الحکومة الإسلامیّة، وهی شأن من شؤونها؛ فلا یمکننا أن ننظر إلى الأحکام بنحو مستقل، بلا اعتبار الحکومة الإسلامیّة، ومع غضّ النظر عنها. فجمیع الفقه حکومیّ یُنظر إلى کلّ فرع من فروعه بوصفه مقدّمة لتنفیذه فی المجتمع.

وبذلک یتبیّن أنّ حقیقة الإسلام وماهیّته هی الحکومة بجمیع شؤونها؛ لأنّها برمجة لحیاة الإنسان وهدایته ورشده وتعالیه من المهد إلى اللحد فی جمیع أبعاده الفردیّة والاجتماعیّة والسیاسیّة والاقتصادیّة وغیرها. کما إنّ التشریعات والفروع الفقهیّة شأن من شؤونها؛ وکأنّ النسبة بینها وبین الحکومة الإسلامیّة نسبة عموم وخصوص مطلق، ولکنّ الأصالة للحکومة الإسلامیّة القائمة بجمیع شؤون الإسلام. أمّا التشریعات الإلهیّة فهی لیست مطلوبة بالذات، بل هی مطلوبة بالعرض؛ لأنّها آلیّة تُعدّ الأرضیّة المناسبة لتنفیذ الحکومة الإسلامیّة، وتحقیق الأغراض والأهداف والملاکات الموجودة فی الفروع الفقهیّة؛ من المصالح والمفاسد التی على رأسها بسط العدالة.

8. موقع کلّ من الإسلام والحکومة الإسلامیّة والأحکام الفقهیّة الأخرى:

یشرح الإمام الخمینی (قده) فی کلام له الموقف من کلّ من هذه الأمور الثلاثة؛ أی: الإسلام، والحکومة الإسلامیّة، والأحکام الفقهیّة؛ ببیان وتفسیر جدید؛ حیث یقول: "إنّ الحکومة؛ بمعنى الولایة المطلقة المفوَّضة إلى النبی الأعظم (ص) من أهمّ الأحکام الإلهیّة؛ وهی متقدّمة على سائر الأحکام الفرعیّة، فلا تکون فی عرض سائر الأحکام، وفی إطار الفروع الأخرى؛ وإلاّ لو کانت صلاحیّات الحکومة فی إطار الأحکام الفرعیّة وما کانت متقدِّمة علیها؛ یصیر فی الحقیقة جعل الحکومة والولایة المفوَّضة أمراً لغواً عاریاً من المغزى، واسماً بلا مسمّى. فالحکومة الإسلامیّة التی تعدّ شعبة من الولایة المطلقة الخاصّة لرسول الله (ص) من الأحکام الأوّلیّة للإسلام؛ وهی متقدِّمة على سائر الأحکام الفرعیّة بما فیها؛ من الصلاة، والصوم، والحجّ، فالحکومة حینما ترى المصلحة فی المنع عن فریضة الحجّ، أو تعطیل المساجد، أو تخریب المنازل، أو إلغاء الاتّفاقیّات؛ فإنّ لها هذه الصلاحیّات؛ لأنّ لها الولایة المطلقة المفوَّضة الإلهیّة"[13].

فمن جهةٍ: الإسلام هو الحکومة بشؤونها، وقوانین الإسلام وتشریعاته شأن من شؤونها، ومن هذه الجهة تدخل القوانین فی إطار الحکومة الإسلامیّة.

ولکن من جهة أخرى، فإنّ الحکومة الإسلامیّة حکم من أحکام الإسلام وتشریع إلهیّ من التشریعات الإلهیّة؛ فلا یکون ثمّة تهافت ومناقضة بین هاتین الجهتین؛ إذ إنّ الولایة والحکومة الإسلامیّة -وإنْ کانت فریضة من الفرائض الإلهیّة، وحکماً کسائر الأحکام والتشریعات- لیست -حسب الرتبة- فی عرض سائر الأحکام، بل هناک أولویّات وتراتبیّة فی التشریعات؛ إذ إنّ الحکومة الإسلامیّة والحاکم الإسلامیّ هو المسؤول عن إدارة المجتمع؛ وفقاً للأحکام الشرعیّة والحدود الإلهیّة، وهو المسؤول عن تنفیذها وتحقیقها، مع مراعاة المصالح العامّة والأولویّات والتراتبیّة والمقتضیات الزمانیّة والمکانیّة. نعم، الهدف العالی والغائی هو هدایة المجتمع إلى طریق السعادة الأبدیّة الدنیویّة والأخرویّة، والوصول إلى النجاة، والفوز العظیم؛ من بسط العدالة والقسط، ونشر المعروف، وسدّ الفساد والظلم، إلى غیر ذلک من الغایات المنظور فیها تحقیق المصالح وتجنّب المفاسد.

فالحکومة والدولة الإسلامیّة -وإنْ کانت من الأحکام الإلهیّة الوضعیّة المجعولة، وإقامتها من الفرائض التکلیفیّة، والحاکم وولیّ الأمر فی هذه الحکومة له الولایة على المجتمع الإسلامیّ- حکمٌ وفریضةٌ لا یقاس بها سائر التشریعات والفروع المجعولة المدروسة فی علم الفقه؛ سواءً أکانت وضعیّة؛ کولایة الأب والجدّ، وطهارة الماء، ونجاسة الخنزیز، أم تکلیفیّة؛ کوجوب الصلاة والصوم، فالحکومة -حسب الرتبة والأهمّیّة- متقدِّمة على جمیع الأحکام؛ لأنّ القوانین والفروع تُعد شأناً من شؤون الحکومة؛ وهی مطلوبة بالعرض وأمور آلیّة لإجراء الحکومة الإسلامیّة وتنفیذها.

هذا، ووفقاً لهذا المبنى، ونتیجة له، وتفرّعاً علیه؛ ففی موارد التزاحم بینها وبین سائر الأحکام الإلهیّة والفروعات الفقهیّة؛ تتقدّم الحکومة ومصالحها العامّة على سائر الأحکام وملاکاتها.

ونظراً إلى هذه الأهمّیّة والموقف الرئیس، وفی سبیل حفظ هذه الولایة واستمرارها، أو لأجل إقامتها وتأسیسها؛ نجد أنّ أفضل خلائق الله یضحّی ویفتدی بماله ونفسه وأهله لأجلها؛ کما نرى فی سیرة السبط الشهید أبی عبد الله الحسین (ع)، حیث لیس ثمّة مصلحة أهمّ وفی مرتبة أعلى من مرتبة هذا التشریع الإلهیّ؛ والسرّ فی ذلک: أنّ سائر الفرائض والأحکام تُقام به، وأنّه مفتاحها ودلیلها وقیامها بها.

ومن النصوص الصحیحة الدالّة على هذا المبنى -کما صرّح به السیّد الإمام (قده) فی بعض کلماته- ما ورد فی روایات کثیرة مرویّة عن أئمّة أهل البیت (ع) حول مسألة الولایة ومنزلتها ودورها فی المعارف الإسلامیّة؛ منها: ما رواه الشیخ الکلینیّ بسند صحیح، عن علی بن إبراهیم، عن أبیه، وعن عبدالله بن الصلت؛ جمیعاً عن حمّاد بن عیسى، عن حریز بن عبد الله، عن زرارة، عن أبی جعفر (ع)، قال: «بُنی الإسلام على خمسة أشیاء: على الصلاة، والزکاة، والحجّ، والصوم، والولایة. قال زرارة: فقلت: وأیّ شیء من ذلک أفضل؟ فقال: الولایة أفضل؛ لأنّها مفتاحهنّ، والولیّ هو الدلیل علیهنّ»[14].

لیس المراد من الولایة فی هذه الأخبار، العقیدة بالإمامة التی لا یُقبَل عمل بدونها؛ بل المراد هو الحکومة والسیاسة التی نُصِّب الإمام علی (ع) فی یوم الغدیر لإقامتها وتأسیسها لبسط العدل؛ وفقاً لما یرضى به الله تبارک وتعالى[15].

نعم، لو فرض طروء ظرف خاصّ؛ فدار الأمر بین حفظ مصلحة الحکومة الإسلامیّة أو حفظ مصلحة الإسلام نفسه؛ وصار بقاء الإسلام مرهوناً وموقوفاً على رفع الید عن إقامة الحکومة وغمض العین عن الولایة الإلهیّة؛ کما تحقّق هذا الفرض بعد رحیل النبی الأعظم (ص) بالنسبة إلى الإمام علی (ع)؛ حیث إنّه غمض العین عن الولایة والحکومة، وقدّم مصلحة بقاء الإسلام وأرکانه وتشدید مبانیه على مصلحة الحکومة الإسلامیّة؛ رعایةً لتقدیم مصلحة الأهمّ؛ وهو بقاء الإسلام، وعملاً بالتکلیف الإلهیّ، ومسؤولیّته الشرعیّة، وامتثالاً لوصیّة الرسول الأعظم (ص)؛ فصبر على کظم الغیض، وعلى ذهاب حقّ رسول الله (ص)، وغصب خمسه، وانتهاک حرمته[16].

ففی المثال المذکور تقدَّم مصلحة الأهمّ؛ وهی حفظ أساس الإسلام. أمّا فی غیر هذا الفرض النادر جدّاً، فالولایة والحکومة الإسلامیّة -التی تُعدّ من الأحکام والفرائض الإلهیّة- مقدَّمة على جمیع الأحکام والفرائض؛ فتقدَّم مصلحتها على جمیع المصالح.

 

9. أصل الحکومة الإسلامیّة ونسبته إلى الأحکام الأوّلـیّـة والأحکام الولائـیّـة:

ثمّ إنّ ثمّة کلاماً آخر للسیّد الإمام (قده) فی أواخر عمره الشریف، یصرّح فیه بأصل الحکومة والولایة ونسبتها إلى الأحکام الإسلامیّة؛ حیث یقول: "ولایة الفقیه والحکم الحکومیّ من الأحکام الأوّلیّة للإسلام"[17]؛ فما هو المراد من هذا الکلام؟ وکیف ینسجم هذا الکلام مع سائر مواضیعه ومبانیه المشهورة المبیّنة فی مواقف شتّى من حیاته؟

ویکمن الجواب فی الآتی:

- إنّ السیّد الإمام (قده) فی البحث عن أصل مسألة ولایة الفقیه؛ ربّما یعبّر عن هذه الولایة بالحکومة الإسلامیّة؛ لأنّها مبنیّة على الأدلّة العقلیّة والنقلیّة؛ فیعتقد أنّ الإسلام أسّس الحکومة الإسلامیّة وجعل زمام أمرها بید النبی الأعظم (ص) والأئمّة الهداة (ع). ثمّ إنّ ما ثبت للرسول (ص) والأئمّة (عله) فهو ثابت للفقیه؛ وهذا هو الذی یعبّر عنه بولایة الفقیه أو الحکومة الإسلامیّة[18]. وعلیه، فما یُعبّر عنه فی العبارة المتقدّمة بـ "الحکم الحکومی"، الذی یعطفه على المبتدأ -أی ولایة الفقیه- قبل ذِکْر الخبر؛ إنّما یشیر به إلى أصل الحکومة الإسلامیّة.

- لا شکّ فی أنّ الحکومة الإسلامیّة هی من الأحکام الأوّلیّة للإسلام؛ بل هی فی صدر قائمة الأحکام الإسلامیّة وتشریعاتها؛ لأنّ الحکومة الإسلامیّة لا تعتبر من الأحکام الثانویّة الإسلامیّة التی تنشأ وتعتبر بملاک طروّ العناوین الطارئة الثانویّة؛ کالضرر، والحرج، والاضطرار، والتقیّة، وغیر ذلک. کما لا تعتبر الحکومة الإسلامیّة من الأحکام الحکومیّة، التی هی عبارة عن التشریعات الصادرة عن ولی أمرّ المسلمین الراجعة إلى إدارة المجتمع الإسلامیّ، ولا تعتبر قسماً ثالثاً من الأحکام فی عرض الأحکام الأوّلیّة والثانویّة.

- إنّ السیّد الإمام (قده)؛ تشییداً لما ذهب إلیه من ولایة الفقیه والحکومة الإسلامیّة فی کتابه المسمّى بـ"ولایة الفقیه"؛ ینصّ على أنّ هذا الموضوع لیس جدیداً قد ابتدعه هو؛ بل قد بُحثت المسألة من أوّل الأمر عندما حکم المرحوم المیرزا الشیرازی (قده) بحرمة التنباک؛ حیث کان صادراً فی حکمه عن موقف ولایة الفقیه العامّة على الناس والفقهاء الآخرین، وقد التزم فقهاء إیران -باستثناء قلّة منهم- بهذا الحکم، ولم یکن حکمه ذلک قضاءً فی نزاع أو خلافٍ بین اثنین؛ وإنّما کان حکماً حکومیّاً، رُوعیت فیه مصالح المسلمین؛ حسب الوقت والظروف والملابسات، وبارتفاع تلک الظروف ارتفع الحکم. والمرحوم المیرزا محمد تقی الشیرازیّ حین أفتى بالجهاد -الدفاع- واتّبعه العلماء فی ذلک؛ کان حکمه صادراً عن موقف حکومته وولایته الشرعیّة العامّة[19].

فعلى هذا، ربّما یعبّر بـ"الحکم الحکومیّ"؛ ویراد به مصادیق الحکم الحکومیّ التی أنشأها بعض الفقهاء؛ کحرمة التنباک، وهذا ما یعبّر عنه فی المصطلح بــ "الحکم الحکومیّ"؛ بوصفه قسماً ثالثاً من الأحکام فی قبال الحکم الأوّلیّ والثانویّ.

ولکنْ، ربّما یعبّر بـ"الحکم الحکومیّ" ویراد به أصل الحکومة الإسلامیّة وولایة الفقیه؛ ففی هذا الاستعمال لیس المراد مصادیق الحکم الحکومیّ؛ بل المراد منه أصل الولایة والحکومة ومشروعیّتها التی جُعلت للفقیه فی عصر الغیبة؛ بوصفه حکماً وضعیّاً فی قبال سائر الأحکام الوضعیّة الشرعیّة، ولا شکّ فی أنّ هذا الحکم من الأحکام الأوّلیّة الإسلامیّة؛ بل هو -حسب الأهمّیّة- فی رأس الأحکام الأوّلیّة، وفی هذا التعبیر لیس الحکم الحکومیّ قسماً ثالثاً فی قبال الحکم الأوّلیّ والحکم الثانویّ؛ بل هو فی صدر الأحکام الأوّلیّة.

10. الحکومة الإسلامیّة وضرورة تأسیس الفقه الحکومیّ المعاصر:

فی تعبیر السیّد الإمام (قده) عن الحکومة الإسلامیّة وولایة الفقیه "بالحکم الحکومیّ" (حکم حکومتى) نقطة مهمّة؛ وهی الإشارة إلى فقه الدولة وفقه الحکومة، وأنّ کلّ حکم وفتوى إذا کان صادراً ومنشأً ومستنبطاً بنحو خارجٍ عن إطار الحکومة والولایة، فقد یکون حجّةً ومعتبراً لفرد المفتی أو مقلّده؛ بعنوان أنّه إخبار عن الحکم الإلهیّ وتشریعه، ولکنْ إذا کان له صلةٌ وربطٌ بالمجتمع وأموره، وله أبعاد اجتماعیّة؛ فإنّ تنفیذه حینئذٍ وإجراءه فی المجتمع بحاجة إلى الولایة، وأمره موکول إلى من بیده زمام أمر الأمّة، ولیس لغیر ولیّ الأمّة مزاحمة الحاکم والإقدام على تنفیذ الأحکام مباشرة، بلا استئذان وتنسیق مع الحکومة الإسلامیّة.

من هنا، قد یقال إنّ ثمّة فرقٌ بین الفقه الحکومیّ والفقه السیاسیّ؛ فموضوع الفقه السیاسیّ یختصّ بالتشریعات السیاسیّة؛ کالجهاد، وإجراء الحدود والقصاص، وغیرهما؛ ممّا یُعدّ قسماً من الأحکام الفقهیّة، لا جمیعها. والنسبة بین مسائل الفقه السیاسیّ والمسائل الفقهیّة هی العموم والخصوص المطلق. أمّا موضوع فقه الدولة والفقه الحکومیّ، فلا یختصّ بالتشریعات السیاسیّة؛ بل یشمل جمیع الأحکام والمسائل الفقهیّة برمّتها، ولکنْ من الوجهة الاجتماعیّة والبعد الاجتماعیّ؛ إذ إنّ وظیفة الحکومة الإسلامیّة ومسؤولیّتها هی تنفیذ جمیع الأحکام وإقامتها وبسطها ونشرها؛ من الطهارة والصلاة، إلى القصاص والدیات والدولة الإسلامیّة، وکما هی مکلّفة بإجراء الحدود الإلهیّة والقضاء والجهاد والمنع عن الظلم والفساد والتعدّی؛ ممّا یُعدّ من مسائل الفقه السیاسیّ؛ فکذلک الدولة مکلّفة بإقامة العبادات والمناسک والصلاة والصوم فی المجتمع، وبسط الأخلاق، ونشر العقائد الحقّة، وتعلیم الناس الآداب الاجتماعیّة الصحیحة، وغیرها، فالدولة مکلّفة بإقامة جمیع الأحکام الفقهیّة ومسؤولة عنها بإیجاد الأرضیّة المناسبة لتحقیق کلّ منها، وتخطیط البرامج والاستراتیجیّات المدروسة والمدوّنة فی هذا المجال. کلّ هذا من وظائف الدولة الإسلامیّة وتکالیفها، وإیکال هذه الوظیفة على عائق الدولة الإسلامیّة من الأحکام الأوّلیّة الفقهیّة الصادرة عن مبدأ التشریع الإلهیّ. وبعبارة أخرى: فإنْ کان ثمّة حکم وفتوى مستنبط من الأدلّة الشرعیّة؛ فهذا الحکم والفتوى -بما أنّه مرتبط بالقضایا الاجتماعیّة- حکمٌ شأنیّ، وأمّا فعلیّته ولزوم تنفیذه فی المجتمع فهو مشروطٌ أو معلّقٌ برأی إمام المسلمین، وداخل فی صلاحیّات الحکومة الإسلامیّة أو ولایة الفقیه؛ على حسب ما یراه الولیّ من الظروف الاجتماعیّة، ثمّ بعد رأیه بالتنفیذ یصیر حکماً فعلیّاً منجّزاً یجب تبعیّته وامتثاله. نعم، إذا لم تکن ثمّة الحکومة والولایة المشروعة الشرعیّة، ولم یوجد فقیه متّصف بأوصاف الولایة، فالأمر یدخل فی مسألة ولایة عدول المؤمنین ونحوها.

ومن هنا، یستفاد من فکرة السیّد الإمام (قده) أنّ الفقه الإسلامیّ فی بُعده الاجتماعیّ هو فقه حکومیّ؛ من العبادات إلى القصاص والدیات. کما إنّ تنفیذ تلک الأحکام فی وسط الحیاة الاجتماعیّة لا فی هامشها، وإقامتها فی جمیع أبعاد حیاة البشر؛ مرتبط ومتّصل بالحکومة والولایة. وهذا حکم أوّلیّ مقدَّم على جمیع الأحکام الأوّلیّة والثانویّة. وهذا الحکم الأوّلیّ یعبّر عنه السیّد الإمام (قده) بـ "ولایة الفقیه" و"الحکم الحکومیّ"، وفی مقام التطبیق، إذا وصل الحکم إلى مرحلة الإقدام والإعلان والإنشاء؛ وأنشأ الفقیه الولّی حکماً وأصدر إلزاماً؛ فیعبّر عن حکمه وإلزامه بـ "الحکم الولائیّ" أو "الحکم الحکومیّ".

من الممکن تخصیص الفقه بعدّة اختصاصات؛ کفقه القضاء، وفقه العبادة، وفقه الأسرة، وفقه الاقتصاد، وفقه العقود، وفقه الوقف، وفقه التربیة، إلى غیر ذلک من الفروع الفقهیّة المضافة المنشعبة من الفقه المطلق؛ بأن تکون صلة کلّ فرع إلى أصل الفقه صلة الجزء بالکلّ. فبالنتیجة، إضافة الفقه إلى کلٍّ من هذه الفروع من قبیل الإضافة التبعیضیّة.

ولکنّ أمر الفقه السیاسیّ یختلف؛ ذلک أنّ الفقه السیاسیّ إنْ کان المراد منه الأحکام الخاصّة بالسیاسة مباشرة -کالجهاد، والأمر بالمعروف، وإجراء الحدود، وما شابه ذلک- فحینئذٍ یکون الفقه السیاسیّ فرعاً من الفروع الفقهیّة فی عرض سائر الفروع. أمّا إن کان المراد أنّ جمیع الفقه -حتى باب الطهارة، ومقدّمات الصلاة، وأحکام الأموات- له صلة وثیقة بالحکومة والسیاسة، وأنّ البرامج والتخطیطات والاستراتیجیّات الحکومیّة لها تأثیر خاصّ فی إقامة الأحکام الإلهیّة والتشریعات الشرعیّة، وقلنا إنّ من وظائف الحکومة الإسلامیّة أنْ تتّخذ برامج خاصّة لتحقیق جمیع الفقه فی المجتمع؛ فلا یکون الفقه السیاسیّ -حسب هذه الرّؤیة- فرعاً بمحاذاة سائر الفروع الفقهیّة، ولا قسماً من أقسام الفقه الإسلامیّ. وبعبارة أخرى: عبارة "الفقه السیاسیّ" لیست من باب المضاف والمضاف إلیه؛ بل یعتبر "الفقه السیاسیّ" من باب الصفة والموصوف، کما إنّ کلمة السیاسیّ توضّح ماهیّة الفقه وتبیّنها؛ فإنّ السیاسة صفة لجمیع الأبواب الفقهیّة، لا لقسمٍ من أقسام الفقه. وبهذا البیان، یظهر أنّ ما قد یُتوهّم من أنّ ثمّة فرق بین الفقه الحکومیّ والفقه السیاسیّ؛ لا یخلو من تأمّل ومناقشة؛ بل إنّ جمیع الفقه السیاسیّ وجمیع الأحکام الفقهیّة وفروعها؛ لها صلة وثیقة بالدولة والحکومة الإسلامیّة.

هذا الأمر بمکان من الوضوح؛ وبخاصّة فی الفقه المعاصر والاجتهاد المعاصر؛ حیث نرى أنّ کثیراً من الأحکام والفروع الفقهیّة کانت تُعدّ فی عداد الأحکام الفردیّة ومن الوظائف الفردیّة دون تکالیف المجتمع والدولة، ولکنْ فی العصر الراهن -أی عصر الرقیّ والتکنولوجیا- نرى أنّ وظائف الدولة قد توسّعت إلى کثیرٍ من النواحی المتفاوتة، ونرى أنّ هذه الأحکام الفردیّة صارت الیوم من الوظائف المباشرة للدولة. فعلى سبیل المثال: بیع السلاح لأعداء الدین التی یبحث عنها فی المکاسب المحرّمة؛ من حیث الإباحة أو الحرمة، والصحّة أو الفساد؛ تکلیفاً أو وضعاً. کان اتّجاه البحث فی هذه المسألة إلى بیان وظیفة الفرد وموقفه بالنسبة إلى هذه القضیة، أمّا الیوم فقد صار من الواضح أنّ أمر السلاح کلّه -من صنعه وبیعه وشرائه إلى إعطائه وإهدائه وغیر ذلک من التصرّفات المرتبطة به- من شؤون الحکومة والدولة، ویجب أنْ یکون تحت إشرافها وولایتها. ومن هذا القبیل -أیضاً- مسألة وجوب التعلّم، وأنّ العلم فریضة على المسلمین؛ حیث کان الاتّجاه إلى هذه القضیّة فی السابق اتّجاهاً فردیّاً، ولذا کان الفقهاء یفتون بوجوب تعلّم الأحکام المبتلى بها، وتعلّم أصول الدین فقط، دون وجوب سائر العلوم. أمّا الیوم، فقد باتت مسألة نظام التعلیم من المسائل المهمّة التی صارت جلّ أمورها داخلة فی صلاحیّات الدولة ومسؤولیّات الحکومة الإسلامیّة لاتّخاذ البرامج والاستراتیجیّات؛ لکی یصل المجتمع الإسلامیّ فی جمیع الفروع العلمیّة إلى حدّ الکفاف والرّقیّ والغنى عن الأغیار والأعداء. وهذا الحکم من الفرائض والواجبات العینیّة على الدولة الإسلامیّة، ولا یختصّ بفرع خاصّ من الفروع العلمیّة؛ بل یشمل جمیع العلوم برمّتها.

 

خاتمة:

بناءً على ما تقدّم، یتبیّن أنّ الفقه هو برمجة للحیاة، وأنّ تحقّقه وإقامته فی وسط الاجتماع موکول إلى الحکومة والولایة؛ فالفقه کلّه حکومیّ وسیاسیّ وولائیّ؛ وهذه الرؤیة هی الرؤیة الجدیدة التی کشفت عنها المدرسة الاجتهادیّة للإمام السیّد روح الله الموسویّ الخمینیّ (قده).



[1] باحث فی الفکر الإسلامیّ وعضو الهیئة الاستشاریّة فی المجلة، من إیران.

[2] الخمینی، روح الله: کتاب البیع، ط2، طهران، مؤسسة تنظیم ونشر آثار الإمام الخمینی، 1426هـ.ق/1384هـ.ش، ج2، ص619.

[3] م.ن، ص620.

[4] انظر: الخمینی، کتاب البیع، م.س، ج2، ص620.

[5] انظر: م.ن، ص619.

[6] انظر: الخمینی، روح الله: الحکومة الإسلامیّة (ولایة الفقیه)، لا.ط، طهران، مؤسّسة تنظیم ونشر تراث الإمام الخمینی، 1429هـ.ق، ص65.

[7] انظر: الخمینی، الحکومة الإسلامیّة (ولایة الفقیه)، م.س، ص66.

[8] الرضی العلوی، محمد بن الحسین بن موسى (الشریف الرضی): نهج البلاغة(الجامع لخطب أمیر المؤمنین الإمام علی بن أبی طالب(ع) و رسائله و حکمه)، شرح: محمد عبده، ط1، دار الذخائر، قم المقدّسة، 1412 هــ.ق/ 1370هـ.ش، ج1، الخطبة33، ص80.

[9] الشریف الرضی، نهج البلاغة، ج2، الخطبة131، ص13.

[10] انظر: الخمینی، الحکومة الإسلامیّة (ولایة الفقیه)، م.س، ص97-98.

[11] انظر: م.ن، ص112-113.

[12] الخمینی، کتاب البیع، م.س، ج2، ص633.

[13] انظر: الخمینی، روح الله: صحیفة الإمام (الجامعة لخطابات ونداءات ومقابلات وأحکام ووکالات شرعیّة ورسائل شخصیّة للإمام الخمینی(قده))، ط1، طهران، مؤسسة تنظیم و نشر تراث الإمام الخمینی(قده)، 1430هـ.ق/2009م، ج20، ص366-367.

[14] الکلینی، محمد بن یعقوب: الکافی، تحقیق: محمد جواد الفقیه، فهرسة وتصحیح: یوسف البقاعی، ط1، بیروت، دار الأضواء، 1413هـ.ق/ 1992م، ج2، کتاب الإیمان والکفر، باب13، ح5، ص22.

[15] انظر: الخمینی، صحیفة الإمام، م.س، ج20، ص96-98.

[16] الکلینی، الکافی، م.س، ج1، کتاب الحجّة، باب61، ح4، ص342.

[17] الخمینی، صحیفة الإمام، م.س، ج20، ص372.

[18] انظر: الخمینی، الحکومة الإسلامیّة (ولایة الفقیه)، م.س، ص145.

[19] انظر: الخمینی، الحکومة الإسلامیّة (ولایة الفقیه)، م.س، ص145-146.

[1] الخمینی، روح الله: کتاب البیع، ط2، طهران، مؤسسة تنظیم ونشر آثار الإمام الخمینی، 1426هـ.ق/1384هـ.ش، ج2، ص619.
[1] م.ن، ص620.
[1] انظر: الخمینی، کتاب البیع، م.س، ج2، ص620.
[1] انظر: م.ن، ص619.
[1] انظر: الخمینی، روح الله: الحکومة الإسلامیّة (ولایة الفقیه)، لا.ط، طهران، مؤسّسة تنظیم ونشر تراث الإمام الخمینی، 1429هـ.ق، ص65.
[1] انظر: الخمینی، الحکومة الإسلامیّة (ولایة الفقیه)، م.س، ص66.
[1] الرضی العلوی، محمد بن الحسین بن موسى (الشریف الرضی): نهج البلاغة(الجامع لخطب أمیر المؤمنین الإمام علی بن أبی طالب(ع) و رسائله و حکمه)، شرح: محمد عبده، ط1، دار الذخائر، قم المقدّسة، 1412 هــ.ق/ 1370هـ.ش، ج1، الخطبة33، ص80.
[1] الشریف الرضی، نهج البلاغة، ج2، الخطبة131، ص13.
[1] انظر: الخمینی، الحکومة الإسلامیّة (ولایة الفقیه)، م.س، ص97-98.
[1] انظر: م.ن، ص112-113.
[1] الخمینی، کتاب البیع، م.س، ج2، ص633.
[1] انظر: الخمینی، روح الله: صحیفة الإمام (الجامعة لخطابات ونداءات ومقابلات وأحکام ووکالات شرعیّة ورسائل شخصیّة للإمام الخمینی(قده))، ط1، طهران، مؤسسة تنظیم و نشر تراث الإمام الخمینی(قده)، 1430هـ.ق/2009م، ج20، ص366-367.
[1] الکلینی، محمد بن یعقوب: الکافی، تحقیق: محمد جواد الفقیه، فهرسة وتصحیح: یوسف البقاعی، ط1، بیروت، دار الأضواء، 1413هـ.ق/ 1992م، ج2، کتاب الإیمان والکفر، باب13، ح5، ص22.
[1] انظر: الخمینی، صحیفة الإمام، م.س، ج20، ص96-98.
[1] الکلینی، الکافی، م.س، ج1، کتاب الحجّة، باب61، ح4، ص342.
[1] الخمینی، صحیفة الإمام، م.س، ج20، ص372.
[1] انظر: الخمینی، الحکومة الإسلامیّة (ولایة الفقیه)، م.س، ص145.
[1] انظر: الخمینی، الحکومة الإسلامیّة (ولایة الفقیه)، م.س، ص145-146.